«سيبيهم يتسلوا».. كيف سرقت الشاشات طفولتهم وأشعلت معركة استعادة الأبناء؟

23-8-2026 | 15:35
;سيبيهم يتسلوا; كيف سرقت الشاشات طفولتهم وأشعلت معركة استعادة الأبناء؟الإدمان الرقمي
شيماء شعبان

خبراء يحذرون من تحول الاستخدام المفرط للشاشات إلى إدمان سلوكي يهدد النوم والتركيز والتحصيل الدراسي والمهارات الاجتماعية

موضوعات مقترحة

 هشام رامي: الإدمان الرقمي مرض سلوكي.. وهذه علامات سقوط الطفل

 جمال فرويز: الإدمان يبدأ عندما يفقد الإنسان السيطرة.. والشاشة تضرب التركيز والنوم

 إيمان جابر تحذر ممن المحتوى السريع: «أنا أخري 30 ثانية»

 

لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال أو الترفيه داخل البيوت المصرية، بل تحول لدى بعض الأطفال والمراهقين إلى عالم موازٍ يستحوذ على ساعات طويلة من يومهم، ويزاحم الدراسة والنوم والرياضة وحتى الحوار مع الأسرة. وبينما يبدأ الأمر غالبًا بجملة بسيطة من الأب أو الأم: «خد الموبايل واتسلى شوية»، قد ينتهي بعادات يصعب التخلص منها، وصدامات يومية عند محاولة إغلاق الشاشة.

معايشة داخل بيت مصري تكشف معركة الأسر مع «الموبايل» والسوشيال ميديا

في أحد البيوت المصرية، وجدت أم لطفلين نفسها في مواجهة واقع لم تكن تتوقعه؛ ابنة في السادسة عشرة أصبح الهاتف نافذتها الأساسية إلى عالم الأصدقاء ومواقع التواصل، وابن في الحادية عشرة تحول اللعب الإلكتروني بالنسبة إليه إلى نشاط لا يريد التوقف عنه. ومع كل محاولة لتقليل وقت الشاشة، كانت تتسع دائرة الغضب والمقاومة، حتى اكتشفت الأم أن المعركة لم تعد مع جهاز في يد أبنائها، وإنما مع نمط حياة كامل بدأ يتشكل حول الشاشة.

لكن متى يتحول الاستخدام الطبيعي إلى إدمان رقمي؟ وهل تكفي قواعد الأسرة لتقليل ساعات استخدام الهاتف، أم أن المشكلة أعمق وتمس طريقة تفكير الأطفال وقدرتهم على التركيز والتواصل واكتساب المهارات؟ وما العلامات التي يجب أن تدفع الآباء إلى طلب مساعدة متخصصة؟

في هذا التحقيق، ننتقل من داخل أحد البيوت المصرية إلى عيادات الطب النفسي، لنرصد كيف يتسلل الإدمان الرقمي إلى حياة الأطفال والمراهقين، ونستمع إلى المتخصصين حول مخاطره، وأبرز علاماته، وكيف يمكن للأسرة أن تستعيد توازنها دون أن تعزل أبناءها عن عالم أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا منه.

فالمعركة لم تعد: «هل نسمح لأبنائنا باستخدام الهاتف؟».. وإنما: «كيف نمنع الهاتف من أن يصبح حياتهم كلها؟»


الدكتورة إيمان جابر استشاري الطب النفسي

البداية كانت «سيبيهم يتسلوا»

تقول «إيمان»، أم لطفلين، فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا وطفلًا في الحادية عشرة، إن الهاتف دخل حياة أبنائها بصورة تدريجية، ولم يكن هناك قرار أسري واضح بأن يصبح جزءًا أساسيًا من يومهم.

«كنت بقول لنفسي دول عيال، ودي التكنولوجيا بتاعت زمانهم، وأنا مش هقدر أمنعهم منها».

وفي بعض الأحيان، كانت الأم نفسها تلجأ إلى الهاتف كوسيلة لإشغال ابنها لبعض الوقت حتى تتمكن من إنجاز أعمال المنزل. «كنت أقول لابني: خد الموبايل والعب شوية وأنا أخلص اللي ورايا، ومكنتش متخيلة إن شوية الوقت دول هيتحولوا بالتدريج لعادات صعب أغيرها». لم تكن المشكلة في قرار واحد أو ساعات محددة، وإنما في تراكم الاستخدام حتى أصبح الهاتف جزءًا ثابتًا من الروتين اليومي للأسرة.

مراهقة ترى الهاتف نافذتها إلى عالمها

مع دخول الابنة مرحلة المراهقة، تغيرت طبيعة استخدام الهاتفلم تعد الشاشة بالنسبة إليها مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت وسيلتها الأساسية للتواصل مع صديقاتها ومتابعة ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي.

تقول الأم: «لو طلبت منها تسيب الموبايل، تقول لي: أنا بتكلم مع صحابي. لو قلت لها اقفلي السوشيال ميديا، تقول لي: كل صحابي موجودين هناك».

وجدت إيمان نفسها أمام معادلة صعبة؛ فهي تريد متابعة ما تفعله ابنتها على الإنترنت، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تتحول المتابعة إلى شعور لدى المراهقة بالمراقبة أو انتهاك الخصوصية.

«كنت بخاف أسألها كتير فتحس إني بتجسس عليها، وفي نفس الوقت كنت خايفة أسيبها من غير متابعة».

وبمرور الوقت، أصبحت محاولات تقليل استخدام الهاتف تتحول إلى نقاشات حادة.

«بقيت أسمع جملة: كل البنات في سني بيعملوا كده.. وإنتِ ليه عايزة تتحكمي فيا؟».


الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي

طفل في الحادية عشرة.. «آخر جيم» الذي لا ينتهي

في الغرفة الأخرى، كانت المشكلة مختلفة في شكلها، لكنها أكثر وضوحًا في ارتباطها بالألعاب الإلكترونيةالابن البالغ من العمر 11 عامًا كان يقضي وقتًا طويلًا أمام الألعاب ومقاطع الفيديو.

«كان ممكن أقوله قوم كل، يقول لي حاضر، وبعد عشر دقايق ألاقيه لسه مكانه». وتضيف الأم: «أقوله خلصت اللعب؟ يقول لي آخر جيم، والآخر جيم ده ممكن يبقى عشرة».

وبدأت إيمان تلاحظ تغيرًا في سلوك ابنها عندما تطلب منه التوقف. ة«لو أخدت الموبايل منه فجأة، ممكن يتعصب ويزعق، وبعدها يفضل متضايق».

وبالتدريج، أصبح الهاتف نفسه مرتبطًا بالمشاجرات اليومية داخل المنزل. «بقيت حاسة إن أكتر جملة بقولها في البيت: سيب الموبايل».


الإدمان الرقمي

مائدة الطعام.. أربعة أفراد أم أربعة عوالم؟

من أكثر المشاهد التي تركت أثرًا في الأم، مائدة الطعام.

تقول: «زمان كنا بنتكلم ونحكي لبعض يومنا. دلوقتي بنتجمع على السفرة، وكل واحد ماسك شاشة».

حاولت وضع قاعدة تمنع الهواتف أثناء تناول الطعام، لكن كل محاولة كانت تواجهها بحجة مختلفة؛ الابنة تنتظر رسالة من صديقة، والابن يريد إنهاء مرحلة في اللعبة.

«في لحظة حسيت إننا بقينا أربعة على السفرة.. أنا وولادي، ومعانا موبايلين». المشهد، في نظر الأم، لم يعد متعلقًا بالهاتف نفسه، وإنما بتغير طبيعة العلاقة داخل الأسرة.

النوم.. اللحظة التي كشفت حجم المشكلة

كانت ساعات الليل نقطة التحول بالنسبة إلى إيمان.

تقول: «بنتي كانت بتدخل تنام والموبايل معاها، وابني كان عايز يفضل يلعب لحد آخر لحظة».

ومع استمرار استخدام الأجهزة ليلًا، أصبح من الصعب الالتزام بموعد النوم الذي حددته الأسرة.

«كنت أدخل أقول لهم ناموا، وبعد شوية أكتشف إن الموبايل لسه شغال»؛ لذلك قررت الأم وضع قاعدة جديدة: الهواتف خارج غرف النوم ليلًالكن تطبيق القاعدة لم يكن سهلًا.


«لما سحبت الموبايل.. البيت اتقلب»

في إحدى المرات، قررت إيمان تنفيذ القاعدة بصورة حاسمة، فطلبت من ابنتها تسليم الهاتف قبل النوم، ثم طلبت الأمر نفسه من ابنهاتقول: «ابني دخل في نوبة عصبية، وبنتي زعلت جدًا وقالت لي إن أنا مش واثقة فيها». في تلك اللحظة، أدركت الأم أن التعامل مع الطفلين باعتبارهما حالة واحدة لن ينجح.

«أنا اكتشفت إن كل واحد فيهم بقى مرتبط بالموبايل بطريقة مختلفة، وبالتالي مينفعش أتعامل معاهم بنفس الطريقة». وهنا بدأت تنتقل من سياسة المنع والعقاب إلى محاولة فهم الدافع وراء الاستخدام.

من سحب الهاتف إلى الحوار

بدلًا من انتزاع الهاتف بصورة مفاجئة، بدأت إيمان تتحدث مع ابنتها عن طبيعة استخدامه.

«بقيت أسألها: بتستخدمي السوشيال ميديا ليه؟ مين بتتابعي؟ إيه اللي بيضايقك؟ وإيه اللي بيخليكي تفضلي ماسكة الموبايل بالساعات؟».

وتقول إن الحوار منح ابنتها مساحة أكبر للتحدث، واكتشفت أن جانبًا من تعلقها بالهاتف مرتبط بعلاقاتها الاجتماعية وشعورها بأنها قد تفوّت شيئًا يحدث بين صديقاتهاأما مع ابنها، فاختارت الأم أسلوبًا أكثر تنظيمًا يقوم على الاتفاق المسبق:

«معاه الموضوع كان محتاج اتفاق واضح: وقت للعب، ووقت للمذاكرة، ووقت نخرج فيه أو نعمل حاجة تانية».

المفاجأة: المشكلة لم تكن عند الأبناء فقط

كان التحول الأهم عندما قررت الأم مراجعة استخدام الهاتف داخل الأسرة كلها.

تقول: «اكتشفت إني أنا كمان بمسك الموبايل كتير. إزاي أقول لهم سيبوا الموبايل وأنا قاعدة عليه؟».

بدأت تقلل استخدام هاتفها أمام أبنائها، وحاولت أن تجعل أوقات الطعام والجلوس العائلي خالية من الشاشات.

وتضيف: «لو أنا عايزة ولادي يسمعوا كلامي، لازم يشوفوني أنا الأول بعمل اللي بطلبه منهم». هذه المراجعة الذاتية جعلت قواعد الاستخدام أكثر قابلية للتطبيق، بعدما لم تعد مجرد أوامر توجهها للأبناء.


معايشة داخل بيت مصري تكشف معركة الأسر مع الموبايل والسوشيال ميديا

تقليل الشاشة وحده لا يكفي

أدركت إيمان أن مجرد تقليل وقت الشاشة لن يكون كافيًا، لأن الطفل إذا وجد وقتًا فارغًا بلا بدائل سيعود سريعًا إلى الهاتف؛ لذلك بدأت في البحث عن أنشطة أخرىمع ابنها، شجعته على ممارسة الرياضة والخروج مع أصدقائه، مع تحديد وقت واضح للألعابأما ابنتها، فحرصت على تخصيص وقت للخروج معها والتحدث بعيدًا عن الهاتف، من دون تحويل كل جلسة إلى محاضرة عن أضرار مواقع التواصل.

وتقول: «كنت محتاجة أرجع أخلي حياتهم فيها حاجات تانية تستاهل إنهم يبعدوا الموبايل عشانها».

اقرأ أيضا:

هل تخشى على أطفالك من الإنترنت؟.. القومي لتنظيم الاتصالات يكشف الحل المجاني

«شاشات بلا رقابة».. كيف يلتهم «الإدمان الرقمي» طفولة الأجيال الجديدة؟

 

متى يتحول الاستخدام إلى إدمان رقمي؟

إذا كانت تجربة إيمان تعكس ما يحدث داخل منزل مصري، فإن السؤال الطبي يبقى أكثر تحديدًا: متى يتحول الاستخدام المفرط إلى إدمان؟

يقول الدكتور هشام رامي، أستاذ ورئيس قسم الطب النفسي بجامعة عين شمس، إن الإدمان الرقمي وإدمان الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحا مشكلة حقيقية، لدرجة أن التصنيفات الحديثة للاضطرابات النفسية تتعامل مع بعض هذه الأنماط ضمن إطار الإدمانات السلوكية.

ويوضح أن إحدى العلامات المهمة تتمثل في طول المدة التي يقضيها الطفل أو المراهق أمام الشاشة، خاصة عندما يتحول الاستخدام إلى سلوك يصعب التوقف عنه، ويصبح النشاط الرقمي محورًا رئيسيًا في حياته.

ولا يتوقف الأمر، وفقًا له، عند عدد الساعات فقط، وإنما تظهر المشكلة عندما يبدأ الاستخدام في التأثير على جوانب أخرى من حياة الطفل أو المراهق.

العصبية واضطراب النوم.. علامات تستحق الانتباه

يحذر رامي من تجاهل بعض التغيرات السلوكية التي قد تظهر عندما يُمنع الطفل أو المراهق من استخدام الأجهزة أو مواقع التواصل.

ومن أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه، بحسب حديثه، العصبية الشديدة، وصعوبة التواصل مع الآخرين، واضطرابات النوم، وتغير الشهية، وضعف القدرة على التركيز، وتراجع المستوى الدراسي، والابتعاد عن النشاط البدني.

ويضيف أن بعض الأطفال والمراهقين قد يصبحون شديدي الارتباط بالعالم الرقمي، بحيث تتحول المواقع أو الألعاب إلى النشاط الأساسي الذي يدفعهم للقيام بأي شيء.

لماذا يصبح الأمر أخطر في الطفولة والمراهقة؟

يرى أستاذ الطب النفسي أن خطورة الإدمان الرقمي لا تتوقف عند الوقت الضائع، وإنما تمتد إلى مرحلة شديدة الأهمية من مراحل تكوين الشخصية.

فالطفل أو المراهق يحتاج خلال هذه السنوات إلى اكتساب مهارات أكاديمية واجتماعية ونفسية من خلال التفاعل الواقعي والتجارب المختلفة.

ويحذر من أن استحواذ العالم الرقمي على هذه المرحلة قد يحرم الطفل من جزء من هذه الخبرات، بما قد ينعكس لاحقًا على قدرته على التفاعل مع المجتمع

ويربط رامي بين بعض أنماط الاستخدام الإدماني وبين ارتفاع احتمالات الإصابة بمشكلات نفسية، مثل التوتر والاكتئاب، وفي بعض الحالات الأكثر خطورة قد تصل التداعيات إلى أفكار انتحارية، وهو ما يجعل التدخل المبكر أمرًا بالغ الأهمية.


مراهقة ترى الهاتف نافذتها إلى عالمها

المشكلة ليست في الساعات فقط.. المحتوى وطريقة استخدامه مهمان

من جانبها، ترى الدكتورة إيمان جابر، استشاري الطب النفسي، أن التأثير لا يرتبط فقط بعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، وإنما أيضًا بما يتعرض له خلالها.

وتوضح أن الأطفال يتعلمون في سنواتهم الأولى من خلال التجارب والتفاعل والاحتكاك بالآخرين، وبالتالي فإن قضاء معظم الوقت خلف الشاشات على حساب هذه التجارب يمكن أن يؤثر في تطور مهاراتهم.

وتلفت إلى أن طبيعة المحتوى نفسها تمثل عاملًا مهمًا؛ فالتعرض المستمر لمحتوى سريع وسطحي، والانتقال المتكرر بين مواد قصيرة، قد يؤثر في طريقة الانتباه والتفكير، خصوصًا لدى الأطفال الذين ما زال المخ لديهم في مراحل النمو؛ لذلك، بحسب جابر، لا يكفي أن تقول الأسرة: «سأحدد عدد ساعات الهاتف»، وإنما يجب أن تسأل أيضًا: ماذا يشاهد الطفل؟ وما نوعية المحتوى الذي يتعرض له؟

 

من «كم ساعة؟» إلى «ماذا تفعل على الشاشة»؟

وتشدد جابر على أهمية الجمع بين تحديد وقت الاستخدام ومتابعة المحتوى الذي يصل إلى الطفل، مع احترام خصوصيته بما يتناسب مع عمره.

وتقول إن متابعة الوالدين لا تعني بالضرورة التجسس، وإنما معرفة العالم الذي يعيش فيه الطفل على الإنترنت، ومعرفة المواقع التي يدخل إليها، وطبيعة الأشخاص الذين يتواصل معهم، والتنبيه إلى خطورة مشاركة المعلومات الشخصية مع الغرباء.

كما ترى أن الأسرة تحتاج إلى الانتباه إلى تغير السلوك نفسهفإذا بدأ عدد الساعات في الارتفاع، وأصبح الطفل أو المراهق غير قادر على الالتزام بالوقت الذي حدده لنفسه، أو وجد نفسه يدخل إلى الهاتف لدقائق ثم يقضي ساعات، فهذه إشارة تستحق التوقف والتقييم.


آخر جيم الذي لا ينتهي

المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان السيطرة

ويضع الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي والسلوكي، معيارًا أكثر دقة للتمييز بين الاستخدام المكثف والإدمانويقول إن الإفراط في استخدام وسائل التواصل لا يسبب الضرر لمجرد وجوده، وإنما تصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يتحول إلى سلوك قهري يسيطر على وقت الإنسان ويؤثر في عمله أو دراسته أو علاقاته أو نومهويضيف أن الاستخدام المفرط قد يرتبط بارتفاع مستويات التوتر واضطرابات النوم وضعف القدرة على تنظيم الانفعالات، فضلًا عن انخفاض الرضا عن الحياة نتيجة المقارنة المستمرة بالآخرين.

وبذلك، فإن السؤال الأهم ليس: «كم ساعة تستخدم الهاتف؟»، وإنما: هل يستطيع الشخص التوقف عن استخدامه عندما يريد؟ وهل يؤثر هذا الاستخدام بالفعل في حياته؟

تنبيهات ومكافآت سريعة.. لماذا يصعب ترك الهاتف؟

يشير فرويز إلى أن الدماغ يتعرض مع الاستخدام المتكرر إلى تدفق مستمر من التنبيهات والمكافآت السريعة، الأمر الذي قد يجعل الشخص معتادًا على الانتقال المتكرر بين المهام.

ومن التأثيرات التي يربطها بالاستخدام المفرط:

ضعف القدرة على التركيز لفترات طويلة.

تشتت الانتباه.

تراجع كفاءة الذاكرة العاملة.

انخفاض الإنتاجية رغم قضاء ساعات طويلة أمام الهاتف.

- صعوبة القراءة العميقة أو إنجاز المهام التي تحتاج إلى تفكير متواصل.

أما على المستوى النفسي، فقد يرتبط الاستخدام المفرط لدى بعض الأشخاص بزيادة أعراض القلق والاكتئاب، والشعور بالوحدة رغم كثرة التفاعل الإلكتروني، وانخفاض تقدير الذات نتيجة المقارنات المستمرة، فضلًا عن الخوف من فوات الأحداث أو ما يعرف بـ«FOMO»، بما يدفع الشخص إلى البقاء متصلًا بصورة شبه دائمة.

الأطفال والمراهقون.. الفئة الأكثر احتياجًا للمتابعة

بحسب فرويز، فإن الأطفال والمراهقين يمثلون الفئة الأكثر تأثرًا، لأن المخ لا يزال في مرحلة النمووتشمل التأثيرات المحتملة ضعف الانتباه والتحصيل الدراسي، واضطرابات النوم، والتعرض للتنمر الإلكتروني، والقلق المرتبط بالمظهر وصورة الجسد، وضعف المهارات الاجتماعية الواقعية، وزيادة احتمالات الوقوع في أنماط الإدمان السلوكيأما لدى البالغين، فتظهر التداعيات غالبًا في صورة انخفاض الإنتاجية والإجهاد النفسي واضطراب النوم وتأثر العلاقات الأسرية والزوجية.

ويختصر فرويز الفارق بين الاستخدام الطبيعي والإدمان في مفهوم أساسي: فقدان السيطرةفالإدمان الرقمي، بحسب تعريفه، ليس مجرد كثرة استخدام الهاتف، وإنما استمرار الاستخدام رغم إدراك الشخص للأضرار التي يسببها في دراسته أو عمله أو علاقاته أو صحته النفسية.


اللحظة التي كشفت حجم المشكلة

ماذا تفعل الأسرة قبل أن تصل المشكلة إلى العلاج؟

بالعودة إلى تجربة إيمان، فإن الحل الذي بدأت في تطبيقه لم يكن منع الهاتف بصورة كاملة، وإنما إعادة تنظيم العلاقة معه.

وتقول: «أنا عارفة إن ده مستحيل، خصوصًا إن بنتي عندها 16 سنة والتكنولوجيا جزء من حياتها، وابني كمان هيكبر في عالم كله تكنولوجيا».

وتضيف: «أنا مش عايزة أولادي يبقوا بعيد عن التكنولوجيا، أنا عايزاهم يعرفوا إمتى يستخدموها وإمتى يقفلوها».

وهو ما يتفق مع توصيات الخبراء بضرورة عدم التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عدوًا يجب التخلص منه، وإنما باعتبارها أداة تحتاج إلى قواعد استخدام مناسبة لكل مرحلة عمرية.

التواصل مع الأبناء هو خط الدفاع الأول

يشدد الدكتور هشام رامي على أن الوقاية تبدأ من العلاقة بين الآباء والأبناءويقول إن أهم استثمار في حياة الأسرة هو الأبناء، وإن التواصل المستمر معهم، وتخصيص وقت يشعرون خلاله باهتمام الوالدين بهم، والاستماع إلى مشكلاتهم ومساعدتهم، يمثل أحد أهم عناصر الوقاية والاكتشاف المبكر.

كما يشدد على أهمية تنويع أنشطة الطفل والمراهق، بحيث لا يكون الهاتف أو الألعاب النشاط الوحيد في حياته.

ويشمل ذلك ممارسة الرياضة، والأنشطة الثقافية، والوقت العائلي، والتواصل مع الأصدقاء، وغيرها من التجارب الواقعية التي تساعد على بناء شخصية أكثر توازنًا وقدرة على التفاعل مع الحياة.

هل المنع الكامل هو الحل؟

المعايشة داخل منزل إيمان تكشف أن المنع المفاجئ قد يتحول في بعض الحالات إلى صدام، خصوصًا عندما يكون الهاتف قد أصبح بالفعل جزءًا من الروتين اليومي للطفل أو المراهق.

ولهذا تبدو المواجهة الأكثر فاعلية قائمة على مجموعة من الإجراءات المتوازية: قواعد واضحة، واتفاق مسبق، ومتابعة مناسبة للعمر، وبدائل حقيقية، ونموذج سلوكي يقدمه الأب والأم قبل أن يطالبا أبناءهما بالالتزام.

وفي حالة ظهور علامات واضحة على فقدان السيطرة أو تدهور الدراسة أو النوم أو العلاقات أو السلوك، يصبح طلب المساعدة المتخصصة خطوة ضرورية، بدلًا من اعتبار الأمر مجرد «دلع أطفال» أو «عناد مراهقين».

الدولة تتحرك.. خدمات متخصصة لمواجهة الإدمان الرقمي

ويشير الدكتور هشام رامي إلى أن وزارة الصحة المصرية أدركت خطورة المشكلة، ووفرت عيادات وبرامج متخصصة للتعامل مع الإدمان الرقمي وإدمان الإنترنت ووسائل التواصل والألعاب الإلكترونية، إلى جانب وجود خدمات وبرامج في بعض المستشفيات الجامعيةكما أشار إلى وجود خدمات علاجية متخصصة تقدمها جهات الصحة النفسية، إلى جانب خدمات العلاج عن بُعد عبر المنصة الوطنية للصحة النفسية، بما يتيح الوصول إلى المتخصصين بصورة أكثر سهولة وسريةوتكشف هذه الخطوات أن التعامل مع الاستخدام الإدماني للتكنولوجيا لم يعد قضية أسرية فقط، وإنما تحول إلى ملف صحي ونفسي يستدعي الوقاية والتوعية والتدخل العلاجي عند الحاجة.

المعركة الحقيقية ليست ضد الهاتف

بعد شهور من الصدامات اليومية، لا تقول إيمان إن المشكلة انتهت. «لسه بنتخانق، ولسه في أيام بيستخدموا فيها الموبايل أكتر من اللي اتفقنا عليه». لكنها ترى أن طريقة التعامل تغيرت.

«زمان كنت باخد الموبايل وأزعق، دلوقتي بقيت أحاول أفهم الأول ليه ماسكينه، وهل فعلًا محتاجينه ولا مجرد عادة». وتختصر تجربتها في جملة تختزل جوهر المشكلة: «أصعب حاجة في موضوع الإدمان الرقمي إنك مش بتحاول تاخد جهاز من إيد ابنك.. أنت بتحاول تستعيد اهتمامه ووقته وعلاقتك بيه من غير ما تخسره في النص».

من الشاشة إلى الحياة.. السؤال الذي يواجه كل أسرة

تكشف هذه المعايشة أن معركة الإدمان الرقمي لا تختزل في عدّ الساعات التي يقضيها الطفل أمام الهاتف، ولا في قرار مفاجئ بسحب الجهازالمشكلة أكثر تعقيدًا؛ فالمراهق قد يرى الهاتف نافذته الأساسية إلى عالمه الاجتماعي، بينما يرى الطفل في اللعبة عالمًا ممتعًا يجد فيه المكافأة والتحدي، في حين قد يستخدم الوالدان الهاتف أنفسهما بصورة مفرطة دون أن يدركا تأثير ذلك على الأبناء.

ولهذا، فإن المواجهة تبدأ من فهم سبب التعلق بالشاشة، ومراقبة تأثيرها على النوم والدراسة والعلاقات والنشاط البدني والمزاج، ووضع قواعد مناسبة للعمر، وتقديم بدائل حقيقية، مع الاستعانة بمتخصص عند ظهور مؤشرات فقدان السيطرة.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الذي يجب أن تطرحه الأسرة هو: «كم ساعة يقضي ابني أمام الهاتف؟»، وإنما سؤال أكثر أهميةماذا أخذ الهاتف من حياة ابني؟ وماذا يمكنني أن أعيد إليه قبل أن تصبح الشاشة عالمه الوحيد؟

موضوعات قد تهمك:

«تنظيم الاتصالات» يكشف عن مفاجأة جديدة بشأن خطوط المحمول وبصمة الوجه

«ثورة المعرفة الرقمية».. هل تسحب خوارزميات «الذكاء الاصطناعي» البساط من تحت أقدام المعلمين؟

 

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: