استيقظت فجرًا مثقلًا بشعور غامض مقبض، كأن عضوًا تمزق في نفسي تاركًا جرحًا ينزف شيئًا غير الدماء!
التقطت هاتفي على غير عادة، وفتحت تطبيقًا لا أخفي نفوري منه، كنت أبحث عن ملاذ ينقذني من شعوري الممض، ولم أدرِ لماذا صار ملاذي المفقود خلف هذه الشاشة الزجاجية المستطيلة البغيضة التي تأكل أعمارنا وأوقاتنا بلا طائل!
ما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي أمام سيل من الأغنيات القديمة؛ أم كلثوم، عبد الحليم، فيروز، عبد الوهاب، بليغ حمدي، الشيخ إمام، صباح فخري، وديع الصافي، أسمهان، نجاة، ليلى مراد.. أصوات خرجت من زمن بدا بعيدًا، لكنها ما زالت قادرة على أن توقظ في النفس ما حسبته قد مات، أصوات انتشلتني من واقعي الممزق، ورمت بي في عالم سرمدي..
استمعت مستمتعًا بكل لحظة وكل أغنية.. ليست أغاني وألحان، بل عالم سحري أخاذ غمرني بسعادة لا توصف.. أصغيت لكلمات أحمد رامي، ونزار قباني، وصلاح جاهين، والأبنودي، وسيد حجاب، وألحان صيغت بصبر الحرفيين الكبار، وأصوات سماوية لا تؤدي الأغنية أداء الواجب المحتوم، بل تعيشها وتمنحها روحًا جديدة..
وجدت عيناي تذرفان الدموع بصمت! كيف لعينَيَّ اللتين تعلمتا القسوة من حياة جافةٍ تعاقبت عليها السنوات فأورثتها صلابة وجمودًا تسيلان وتذرفان بهذه السهولة والبساطة؟! إلا إذا كان في هذه الألحان والأصوات الساحرة ما يقهر جدران القسوة ويحيلها فتاتًا في لحظات!
صعود إلى أسفل!
سؤال حتمي برز وملأ الأفق في مواجهتي، وبدا لي أنني لست سائله الوحيد: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف انتقلنا من زمن كانت فيه الأغنية حدثًا ثقافيًا إلى زمن غدت فيه مجرد مادة استهلاكية تنسى بمجرد ظهور غيرها؟
قبل البحث عن إجابة، ينبغي أن نتخلص من وهم شائع؛ أن الماضي لم يكن فردوسًا؛ بل امتلأ تاريخنا المعاصر بالأزمات والهزائم والضغوط الاقتصادية والسياسية. لكن أجيالاً سبقتنا اختلفت عنا في أمر جوهري واحد: احترام القيمة.. لم يكن نجاح الفنان يقاس بعدد المشاهدات، بل بقدرة العمل على البقاء. ولم يكن الفنان نجمًا عابرًا يضيء ثم يخفت، بل كان مشروعًا ثقافيًا يحمل رؤية ورسالة.. كانت الأغنية تناقَش، وتنتظَر، وتبقى سنوات طويلة، لأن معيارها الأول كان الجودة، لا سرعة الانتشار وتحقيق العائد المادي.
شجرة زيتون أم نبت شيطاني؟
أمثال هؤلاء الفنانين "عمالقة" لم ينالوا ألقابًا على سبيل المجاملة، بل لأنهم كانوا كذلك فعلاً.. شيدوا أعمالهم الفنية كما تبنى الكاتدرائيات والمعابد؛ بالصبر والإخلاص واحترام الجمهور.. كان الفنان يومها قارئًا يقرأ الشعر والفلسفة، ويتابع ما يدور حوله، ويؤمن بأن الفن مسئولية قبل أن يكون وسيلةً للشهرة.. أما اليوم، فقد تغير تعريف النجاح، وتغير مفهوم الفن، وتغيرت طبيعة العلاقة بين المبدع والجمهور.. فنان اليوم بات مهووسًا بتصدر "الترند"؛ تفكيره محصور في نيل النقرات والتفاعلات خلال ساعات اليوم الواحد، وعلى الجانب الآخر لم يعد المتلقي يعامَل باعتباره إنسانًا له ذائقة، بل باعتباره رقمًا في تقارير الإعلانات؛ المطلوب ليس أن يتأثر، بل أن يضغط ويشارك ويستهلك ويشتري، ثم ينتقل سريعًا إلى المادة التالية قبل أن يتأمل أو يتذوق أو يهضم! إن أخطر ما أصاب عصرنا هو تدمير القدرة على التلقي العميق؛ فالاستماع إلى أغنية لعبد الحليم أو أم كلثوم يستدعي تركيزًا وتأملاً.. بينما تدربنا المنصات الحديثة على الاستهلاك السريع، وعلى الانتقال المستمر من صورة لأخرى ومن مقطع لآخَر بلا انتهاء، حتى أصبح الانتباه نفسه مفقودًا غائبًا!
لهذا السبب لم يعد مطلوبًا من الأغنية أن تروي قصة، أو تحمل فكرة، أو تثير سؤالاً، بل يكفي أن تقدم إيقاعًا صاخبات وعبارات سهلة الحفظ، تحقق انتشارًا سريعًا قبل أن تختفي لتحل محلها موجة جديدة؛ هكذا انتقلنا من ثقافة التأمل إلى ثقافة الإثارة، ومن قيمة المعنى إلى قيمة السرعة، ومن صناعة الأثر إلى صناعة القبح المغلف بالصخب! وبعد أن اعتدنا زراعة أشجار الزيتون في بساتين الفن، صارت حدائقنا مرتعًا للنباتات المتسلقة الشيطانية التي تنبت في يومٍ وليلةٍ لتخنق أشجارنا المعمرة، ولتتحول بعد حين إلى حدائق جدباء غيرَ مأهولةٍ!
مضامين نرجسية
جوهر الاختلاف بين أغاني الزمن القديم والآن لا ينحصر في جودة اللحن والصوت. الأشكال والمضامين كلها تبدلت من النقيض إلى النقيض؛ لقد انتقل الفن من التعبير عن الإنسان إلى تمجيد الفرد! أغانينا اعتادت قديمًا أن تلامس هموم البشر جميعًا، أن تحدثنا عن الحب والفقد والوطن والكرامة والزمن.. أما أكثر أغاني اليوم باتت تدور في فلك الذاتية حتى غدت "الأنا" محور كل شيء..
الذائقة الجماعية لا تموت أو تنهار فجأة، وإنما تستنزف تدريجيًا. ومع كل إشعار جديد، وكل مقطع لا يتجاوز ثوانٍ معدودةٍ، وكل انتقال سريع بين آلاف الصور والأصوات، تتراجع قدرة الإنسان على التركيز والتأمل، حتى لم يعد بإمكان كثيرين الاستماع إلى أغنية تمتد عشرَ دقائقَ، أو متابعة قصيدة تتطلب تأملاً.. لقد انتقلت الثقافة من فضاء "نحن" الواسع، إلى فضاء الأنا المحدود الضيق.. طبيعة الأعمال الكبرى في الفن والأدب والغناء أنها مهما بدت شخصية تنتهي إلى الإنسان في صورته العامة؛ تتحدث عن الحب بوصفه تجربة بشرية، وعن الوطن باعتباره ذاكرة، وعن الفقد باعتباره قدرًا مشتركًا، أما أغلب الإنتاج الحالي فيدور داخل دائرة ضيقة من الاستعراض والاستهلاك والنجومية والأرقام والعائدات.. وليس معنى ذلك أن الماضي خلا من الأعمال الضعيفة، أو أن الحاضر نبذ المواهب الحقيقية؛ فكل عصر يضم الغث والسمين.
لكن الفارق أن الرديء قديمًا استثناءٌ يجرفه تيار الإبداع الهادر، بينما أصبحت الرداءة اليوم تحتل مركز المشهد!
عودة الروح للفن والأدب
لا يمكن أن نبرئ أنفسنا.. لقد أسهمنا نحن أيضًا في صناعة القبح والرداءة.. عندما تراجَعَ دور المدرسة في بناء الذائقة، واختفت الموسيقى والفنون من حياة التلاميذ، وتقلص حضور الشعر والأدب، بينما انشغل التعليم بالحفظ والامتحانات أكثر من انشغاله بتكوين الإنسان.. ثم تراجعت الأسرة عن دورها الثقافي، وأصبح الهاتف الذكي هو المربي الأول، والخوارزمية هي التي تقرر ما يسمعه الطفل ويراه ويحبه!
أما الإعلام فقد استسلم في كثير من الأحيان لمنطق السوق، فصار يلهث خلف نسب المشاهدة، حتى لو كان الثمن إقصاء الأعمال الأكثر قيمة، وتحول كثير من المنتجين إلى تجار انتباه، لا صناع وجدان..
إننا لم نكن دائمًا أمناء على ما ورثناه. كثيرًا ما فضلنا الصمت على المقاومة، وسايرنا الرداءة بدعوى أنها "روح العصر"، وشاركنا ولو بضغط زر في منحها شرعية الانتشار..
وربما كانت أخطر أكذوبة رددناها لأنفسنا هي أن مقاومة هذا التيار مستحيلةٌ، والحقيقة أنها ليست مستحيلةً، غيرَ أنها تفتقر لإرادة ثقافية، وإلى إعادة الاعتبار للجودة، وإلى الإيمان بأن الذوق الرفيع لا يولد صدفة، وإنما يربى ويصنع ويدافَع عنه.
صحيح أن دموعي التي أسالتها الألحان الساحرة توقفت، لكن سؤالي بقي ماثلاً أمامي.. لقد أغلقت الهاتف، وقطعت تيار النوستالجيا الغنائي الذي أخذني في عوالم جميلة لأسجل ما فرضته هذه الدموع من تساؤلات وأفكار واعترافات..
لقد أدركت أن دموعي لم تكن بكاءً على زمن مضى، بل خوفًا على زمن يأتي فيقضي على حدائق الفن الغناء ويستبدلها بحدائق الشيطان الجافة الخالية من كل قيمة إنسانية.. فالأمم لا تفقد فنها حين يموت المبدعون، وإنما حين تفقد إنسانيتها وقدرتها على التمييز بين القبح والجمال.. ومع ذلك، لا أرى أن الصورة قاتمة تمامًا.. لعل أجيالاً تأتي فتستعيد القدرة على خلق السحر والجمال وغرس أشجار الزيتون من جديد.