خَرَجَ وَلَمْ يَعُدْ!!

13-8-2026 | 13:39

يُنسَب للثائر جيفارا قوله: إن الفقر ليس عيباً، وأظنه كان يريد أن يستكمل حديثه، بقوله: بل جريمة! ولكن الأغنياء قاطعوه بالتصفيق!! 

وتُنسب لأمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وأرضاه تلك المقولة الشهيرة: لو كان الفقر رجلاً لقتلته. 

ويذكر التاريخ أن الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، أوقف حد قطع يد السارق في (عام الرمادة 18هـ) لما اشتد الفقر بالناس، وضاقت أحوالهم، ويُروى عنه موقفه الحاسم مع والي مصر، عمرو بن العاص، ماذا تفعل لو جاءوك بسارق، فقال: أقطع يده، فقال له: وأنا إن جاءني جائعٌ من مصر، أقطع يدك! 

خرجوا، ولم يعودوا!
 
خرجوا بحثاً عن لقمة عيش تسد جوعهم، وجوع ذويهم. بعضهم صِبْيَةٌ أقرب للطفولة منهم للشباب. وبين طرفة عين وانتباهتها، "تتحول رحلة سعيهم وجهادهم إلى مشهد مأساوي يدمي القلوب. 

سيارات ربع نقل قديمة متهالكة، تقلهم يومياً، في ظل ضعف الرقابة المرورية على هذه المخالفات، من وإلى الحقول، مكدسين، متلاصقين، السعيد فيهم من يجد لنفسه موضع قدم واحد فيها، وسائقون يهرولون بلا رحمة، ولو كانت هذه السيارات تحمل أغناماً أو بهائم، لكانت أرحم وأحن! وفور توقف السيارة، يهرعون إلى الحقول فوراً، في الرمضاء وفي الزمهرير، بلا رحمة أيضاً، ويقضون وقتهم الطويل، تحت قسوة مراقب الأنفار! هي إذن أشغال شاقة يومية، ولكن بشكل مختلف!!

نحسبهم عند ربهم شهداء، فهم أهل العمل والسعي، أهل البكور والكسب الحلال، كما جاء في الحديث الشريف: وإن كان خرج يسعى على أبوَين شيخَينِ كبيرَينِ، فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعى على نفسِه، يعُفُّها، فهو في سبيلِ اللهِ..

تأملتُ مصائب الدنيا وفواجعها، فرايتُها بسيطة هينة، إلى جوار ما يُتداول عن فجيعة أم فقدت أبناءها في هذه الفاجعة المؤلمة.

الأمر مهيب، والواقع أليم، والموقف لا تشرحه العبارات، ولا تُجدي معه الكلمات. 
لم يهنوا، ولم يتواكلوا، ولم يتسكعوا في الطرقات، ولم يسألوا الناس إحساناً. لم يستسلموا لليأس، رغم فقرهم، وقلة حيلتهم، وهوانهم على الناس، عاشوا بكرامة، وماتوا بكرامة، هؤلاء حقاً الذين: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ.. 

منطقة الدواويس، بالقصاصين، بالإسماعيلية، كانت على موعد مع نهاية قصة، وبداية مأساة، قصة ما أقصرها، ومأساة ما أعظمها! شباب يخرجون يومياً، من الخامسة صباحاً، من منطقة بحر البقر، بالشرقية، إلى الإسماعيلية، للعمل في جمع الفول السوداني بأجر يومي لا يتجاوز مائة جنيه، وهو أجر متواضع جداً.

يوم عمل كامل، يشمل الانتقال من محافظة لمحافظة، وبهذا الأجر المتواضع! الذي يقل عن ثمن ربع كيلو لحمة!! 

عشرات الضحايا والمصابين بحسب التقارير المتداولة، والضحايا بينهم أطفال! 

هول الصدمة، وبشاعة المشهد، لجم أفواههم عن الكلام، فقد مات الكلام أيضاً على ألسنتهم، مع موت فلذات أكبادهم. 

هؤلاء وإن لم يكونوا من فقهاء الدين، فقد جسدوا بسعيهم روح الدين وجوهره الحقيقي، وكما علمهم نبيهم، «صلى الله عليه وسلم»: «ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».

ولماذا داود تحديداً؟ لأنه لو كان أحدٌ أغنى عن العمل، لكان داود، إذ كان ملكاً نبياً، امتلك الدنيا كلها، ولم يكن بحاجة إلى عمل، بل الجميع يعملون بين يديه! 

فقراء مساكين، إن غابوا، لا يفتقدهم أحد، وإن حضروا، لا يلتفت إليهم أحد. ضعهم في كفة، وضع من يتاجرون بأقوات الناس، وآكلي الحقوق، والمتربحين على حساب الضعفاء، في كفة أُخرى. 

ترجح كفتهم كثيراً كثيراً، فهم الأحب عند خالقهم، أما الآخرون، فقد لا يزن الوجيه منهم عند الله جناح بعوضة. 

ولذلك، يصبح لزاماً علي الجميع، العمل لصالح الفقراء، عدلاً ورحمةً وإنصافاً، وأن تتضافر جهود الأجهزة والمجتمع، للتخفيف عنهم، والارتقاء بظروف معيشتهم، وألا نترك تلك المهمة الأعظم، وننشغل بما دونها، من شئون. 

تماماً كما قال الصديق أبوبكر، «رضي الله عنه وأرضاه»، يوم بيعته: والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي، حتى آخذَ له حقَّه، والقويُّ فيكم ضعيفٌ عندي، حتى آخذَ الحقَّ منه.. 

قالوا قديماً: إذا رأيتَ الخطيبَ يحثُ الفقراءَ على الزهدِ، دونَ الحديثِ عن سارقي قُوتِهم، فاعلمْ أنه لصٌ بملابسِ واعظٍ!! فالدينُ يأتي، ليُخرجَ الناسَ من فقرِهم، لا ليرسخَه لديهم! 

يأتي الدينُ، لينشرَ السعادةَ بينَ بني البشرِ، ويزيلَ الفوارقَ بينَ الطبقاتِ، ويعينَ الفقيرَ المحتاجَ، ويرفعَ من شأنِه. 

وإذا رأيتَ الفوارق تتزايد بين طبقات المجتمع الواحد، فاعلم أن هذا المجتمع، على خطر عظيم. 

وإذا رأيتَ الفقير مكرماً في مجتمعه، فاعلم أن هذا المجتمع على الطريق الصحيح. 

وجاء في الأثر الأدبي أنَّ أحد ملوك العرب، اعتقل شاباً من إحدى القبائل. 

فما كان من القوم إلا أن أوفدوا إليه شيوخهم وأمراءهم جميعاً، ليشفعوا لذلك الأسير.

فتعجّب الملك، وقال: مَنْ هذا الذي اجتمعتم من أجله؟!

قالوا بصوتٍ واحد: هو ملكنا!!

فسألهم الملك متعجّباً، ملككم؟! ولِمَ لم يُخبرنا عن نفسه؟!

فأجابوا بثقةٍ وثباتٍ: أَبَى أن يذلَّ نفسه، وأراد أن يُريك كرامته في قومه!

اعتذر الملك فوراً للملك الأسير! وأطلق سراحه، إجلالاً له، وإكرامًا لهم.

وبعد أيام، بلغه أن ذلك الرجل، لم يكن سوى راعٍ للإبل عندهم!

فبعث إليهم يسألهم: كيف تُسمّونه ملككم، وما هو إلا أجير لديكم؟!

فجاءه الجواب: لا أميرَ فينا، إنْ ذُلَّ راعينا.

في أمان الله، أيها العظماء، ولتتحرر أرواحكم الطاهرة، من عناء الدنيا، إلى سعادة الآخرة. اذهبي أيتها الروح النقية، راضيةً مرضيَّةً، إلى روحٍ وريحان، وربٍ راضٍ غيرِ غضبانَ.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: