النيل.. التعاون الحذر!!

13-8-2026 | 13:38

هل تنطبق تلك المقولة على كل من تجارب التعاون الفرعي والتعاون الجماعي على حد سواء؟ أم أنها تقتصر على أحدهما دون الآخر؟ أم أننا نبالغ "أساسًا" عندما نقول التعاون الحذر فى حوض النيل؟

مع بداية الستينيات، بدأت حركات الاستقلال السياسي في إفريقيا تنطلق شرارتها بالتزامن مع التوجهات الثورية والتطلعات التحررية التي أعلنها زعماء ومفكرو تلك الفترة مثل: كوامي نكروما، وأحمد سيكوتوري، وجمال عبدالناصر والتي كانت تطمح وتتطلع أساسًا إلى توحيد القارة السمراء تحت لواء واحد بعد استكمال تحريرها.

في تلك الفترة، ساد التوجه نحو اعتبار التعاون الفرعي مدخلاً أساسيًا لتحقيق التعاون الشامل المنشود فى القارة الإفريقية، ولاقت الفكرة بالفعل استحساناً وقبولاً كبيراً حينئذ. 

وارتفعت أصوات المدافعين عن تلك الفكرة، وكان من بينهم الرئيس ليوبولد سنجور الذي قال حينذاك: "دعونا أخيرا نقول إن الاختلافات العرقية/الجنسية واللغوية والثقافية لن تزول… ويجب علينا أن نعمل على تنظيمها في شكل اتحادات إقليمية "… 

كذلك نادى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بمبدأ الإقليمية صراحة عندما أقر بأن "الاتفاقيات الإقليمية سوف تؤدي دورًا مهمًا في تطوير إفريقيا".

وعلى هذا الأساس اعتبر التوجه نحو التنظيم الإقليمي "الفرعي" في إفريقيا خطوة تمهيدية نحو تحقيق الوحدة الشاملة الكاملة المرجوة التي تضم جميع دول القارة وتجعل منها قوة عالمية ذات وزن وثقل على الساحة الدولية. 

ونعتقد أن هذا التوجه قد ألقى بظلاله على كثير من أحواض الأنهار في العالم، ومن بينها حوض النيل.

فمنذ حصلت دول الحوض على استقلالها مع مطلع الستينيات تعرضت لعوامل جذب للانضمام إلى منظمات وتجمعات في وسط وشرق إفريقيا، وإلى منظمات وتجمعات في شمال وشمال شرق إفريقيا. 

ومع انتشار حركات التحرر وكثرة التغييرات فى نظم الحكم والأيديولوجيات السياسية وتوجهات النخب الحاكمة، ظهرت توجهات متنوعة فى الارتباط بمنظمات وتجمعات في المنطقة وخارج المنطقة؛ فنجد جميع دول الحوض أعضاءً فى منظمة الوحدة الإفريقية، والبعض عضو فى جامعة الدول العربية، والبعض الآخر عضو في الكومنولث والجماعة الفرنسية ومجموعة لومي وحركة عدم الانحياز. 

أما فيما يتعلق بالتعاون المائي بين دول الحوض، نعتقد أن عقد الستينيات هو عقد نشوء الأنظمة الإقليمية الفرعية –كما سنرى في مقالات مقبلة- وأنه وفقًا لقواعد الجدلية التاريخية فإن هذه الأنظمة الفرعية قد ساهمت بشكل كبير فى إقرار أبعاد جديدة لمفهوم وأهمية التكامل الوظيفى الإقليمي، وفي الأخذ بمبدأ التنمية الشاملة للنظام الإقليمي الفرعي كمقدمة ضرورية ومدخل منطقي للوصول إلى التكامل الإقليمي الشامل في حوض النيل.

..كلام جميل ومفرح ومنطقي جدا إذا قدر له السير بهذا الشكل، لكن ما يحير ويثير التساؤل وأحياناً الغضب هو عدم تمكن دول حوض النيل من الوصول إلى تلك الوحدة الشاملة "المستقرة والمستمرة" بعد مرور كل تلك العقود، ورغم الشروع بالفعل في تأسيس عدة تجمعات تضم كل دول الحوض تحت مظلة واحدة؟ 

فهل -بالفعل- كانت الآليات التعاونية ”الفرعية" في حوض النيل -خلال تلك المرحلة- تعمل وهى تؤمن أن أنشطتها تعتبر خطوة على الطريق للوصول إلى تحقيق التكامل الإقليمي المنشود فى حوض النيل؟ أم كان تعاوناً يشوبه نوع من الحذر الذي يزعمه عنوان المقال؟ 

هذا ما سوف تظهره السطور المقبلة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: