كنت طالبًا فاشلًا بامتياز

13-8-2026 | 12:00

باعتبار النجاح في الثانوية العامة بمجموع كبير هو بادرة معايير التفوق في مجتمعنا، فقد كنت طالبًا فاشلًا بامتياز، رسبت أولًا - مرة واحدة - في الثانوية العامة، ولاحقًا بكلية الحقوق جامعة عين شمس، مرة في صفها الثاني، وأخرى في شهادة الليسانس، ولم تكن الأسباب في الأصل- ولا تزال- إلا نظامًا تعليميًا نمطيًا لا يساعد الطالب بأي حال من الأحوال على اكتشاف قدراته، ومعه - ولا تزال - ثقافة مجتمع ذاتي النزعة مهووس بصيغة الأفضل تدفع دائمًا في اتجاه التميز- تمييز في حقيقته- التحاقًا بكليات القمة بصرف النظر أيضًا عن قدرات الطالب، ومواهبه واهتماماته ورغباته وأحلامه وطموحاته، ليست محل اعتبار أو اهتمام أحد في أي وقت! 

ميولي أدبية وفنية من صغري، القراءة والإلقاء والكتابة والرسم والموسيقى وغيرها من أوجه الإبداع الإنساني، إلا أن رؤية وآمال وقرارات الوالدين - من خبراء التربية والتعليم وبالمناسبة أول وأهم الملهمين في حياتي- كانت الحاكمة في تقرير مصيري الدراسي طول الوقت دفعًا في اتجاه كلية الهندسة، ما خلق داخلي في الثانوية العامة حالة تمرد، تشخصت في تكثيف قراءاتي الأدبية والصحافية والسياسية والفكرية، وكأني أرفض بحزم النجاح بتفوق خشية وقوع المحظور بالحصول على مجموع يؤهلني لكلية الهندسة، فكانت النتيجة الطبيعية السقوط بجدارة، كنت شاطرًا في مادة الرياضيات، وفي الوقت نفسه لا تستهويني المواد العلمية الأحياء والفيزياء والكيمياء، حد أن كابوس ليلة امتحان الفيزياء في الثانوية العامة، لا يزال يطاردني وأنا الآن في منتصف الخمسينيات من عمري!

كانت كلية الحقوق أول خياراتي الدراسية، بعدما نجحت في إعادة الثانوية العامة بمجموع 65% جعل هذه الخيارات محدودة، اخترتها باعتبار أهمية دراسة القانون واتصالها بكافة مناحي الحياة، بخلاف أنها تأخذك إلى آفاق معرفية وفكرية عظمى، فكان أن شغلتني طوال سنوات دراستي الجامعية الأنشطة الطلابية السياسية والثقافية والفنية والصحافية، وأيضًا اهتمامي بالتدريب في إحدى المؤسسات الصحافية العربية من خلال مكتبها بالقاهرة، ثم أحد مكاتب المحاماة في سنة التخرج، وذلك كله حسمًا لاتجاه مستقبلي المهني بعد الحصول على ليسانس الحقوق، ولم أحترف الصحافة ولا المحاماة. تحديات مناخ كلا المجالين كانت صعبة وتحتاج نفسًا أخلاقيًا وماليًا طويلًا لا أطيقه، كان لا بد وأن ألتحق بوظيفة ثابتة مقابل دخل ثابت، بعدما تخرجت وضاعفت الأعباء على الوالدين خلال سنوات دراستي.

أديت الخدمة العسكرية بسلاح المدفعية، والتحقت بعدها مباشرة موظفًا في مجال إدارة الموارد البشرية بواحدة من كبريات المستشفيات الخاصة في منتصف التسعينيات، لأجد نفسي مع الوقت شغوفًا باحتراف إدارة الموارد البشرية وتحديدًا في مجال إدارة المستشفيات، وتعددت دراساتي وشهاداتي المهنية الداعمة لتحقيق أهدافي.

فرق كبير أن تدرس باختيارك ما يوافق قدراتك وطموحاتك وأهدافك، وعلى مدار أكثر من ثلاثين عامًا صرت بحمد الله مشهودًا له في هذا المجال، واحتفظت بشغف القراءة والكتابة، حتى بلورت حلمي في تأسيس دار نشر لها رؤية واستراتيجية واضحة ومختلفة، أجتهد في تعزيز قيمة المعرفة من خلالها.

كلما رصدت سنويًا مشهد الثانوية العامة، بكل ملامحه الموترة القلقة الضاغطة على أعصاب الطلاب وأسرهم، الواصلة بكل أسف أحيانًا حد الانتحار أو الموت بالسكتة القلبية، أستشعر مجددًا ضرورة استدعاء تجربتي مخاطبًا بها القائمين على منظومة التعليم المصري، وأيضًا أولياء الأمور والطلاب بمختلف المراحل الدراسية، النجاح والتفوق المهني في مجتمعنا لا علاقة لهما بتصنيف الشهادات الدراسية ومستويات النجاح والتفوق فيها، والوضع هكذا حتى إشعار آخر، طالما صارت هذه المنظومة نمطية تعظم قيمة الشهادة على حساب اكتشاف مهارات وقدرات الطلاب، ودفعهم في اتجاه تطويرها بما يوافق في النهاية احتياجات سوق العمل، ومفتاح حل المشكلة أن يصبح الطالب هو محور العملية التعليمية، لا المدرسة ولا المنهج ولا المدرس ولا الفصل ولا الشهادة، كل هؤلاء لا بد وأن يدوروا في فلك الطالب، لا أن يدور الطلاب وأسرهم والمجتمع بأسره في دواماتها القاتلة، خصوصًا مع ارتباطها جميعًا برؤى مرتبكة لوزراء تعليم لا يرون عادة سبيلًا لإثبات وجودهم إلا الثانوية العامة!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة