سارق «الكلمات» يرتقي لكن لا ينام

12-8-2026 | 13:20

«الحقيقة والخيال.. إنهما قريبان جدًّا من بعضهما البعض.. لكن يستحيل أن يتلامسا».. هكذا يقول الكاتب الشهير، لكن.. ألا يتلامسان أحيانًا؟!
«الكلمات» The Words هو اسم فيلم أمريكي من إنتاج عام 2012، قرأتُ مقالًا قصيرًا عنه على صفحة الناقد الفني الصديق محمد رفعت في فيسبوك، فقررتُ البحث عنه لمشاهدته.

الفيلم بطولة برادلي كوبر ودينيس كويد وأوليفيا وايلد وروي سالدانا وجيرمي آيرونز وبن بارنز، من قصة وسيناريو وإخراج لي ستيرنثال وبريان كلوجمان.

يبدأ الفيلم بحفل توقيع رواية تحمل اسم «الكلمات» للكاتب الشهير كلاي هاموند، الذي يلقي جزءًا من روايته في الحفل، بينما تظهر في القاعة فتاة اسمها دانييلا، تلتقي بالكاتب في الاستراحة، ونكتشف أنها تعرف كل شيء عنه من خلال حواراته الصحفية، كما تُظهر لمعة عينيها إعجابها الشخصي به.

تدور قصة رواية «الكلمات» حول الشاب روري جانسن الذي يحلم بأن يكون كاتبًا روائيًّا، لكن كل محاولاته لنشر أولى أعماله تفشل على أعتاب دور النشر الكبرى، برغم إعجاب بعض مسئوليها بكتابته.

يتزوج روري بحبيبته دورا، ويسافران معًا إلى باريس لقضاء شهر العسل، فتشتري له حقيبة جلدية قديمة من متجر لبيع الأنتيكات والتحف، وهنا تظهر عقدة الحكاية.

يعثر روري في الحقيبة على أوراق قديمة، يتصفحها فيجدها رواية مكتملة لا تحمل اسم صاحبها. يصاب بالذهول، ثم يقرر إعادة كتابتها على جهاز الكمبيوتر الخاص به، بلا هدف، كما يقول!
تجد زوجته الرواية على جهازه المفتوح بالصدفة، فتظن بالطبع أنه كاتبها، تقرأها فتعجب بها بشدة، وترجوه أن يسعى إلى نشرها، إن لم يكن لأجله فليكن لأجلها هي.

تقبل إحدى دور النشر الرواية، التي تنجح، كما ينجح الكاتب الشاب روري جانسن نجاحًا كبيرًا، يرتقي ويصير مشهورًا، ويحصل على جائزة رابطة الأدب الأمريكية، دون أن يعرف أحدٌ أنه سارق الرواية، فيما عدا شخص واحد، يظهر فتنقلب حياة الكاتب فجأة.

هذا الشخص رجلٌ مسن، يتضح أنه صاحب الرواية الأصلي، كتبها في الماضي عن حياته مع زوجته الفرنسية التي أحبها عندما كان جنديًّا في الجيش الأمريكي في باريس، وطفلتهما التي رحلت صغيرة في المهد. وقد تعافى من آلامه بالكتابة. ومنح مخطوطة روايته لزوجته كي تقرأها، لكنها نسيتها في حقيبة جلدية بمحطة قطار، فضاعت الرواية.

انهارت حياة الرجل مع زوجته بسبب هذا، فعاد إلى بلده، ولم ينجح في أن يكتب حرفًا بعدها، حتى فوجئ بروايته منشورة كما هي بالنص باسم كاتب آخر، هو روري!

التقى الكاتب الأصلي بالكاتب اللص، وأخبره بالحكاية، لينهار الأخير، ويطلب من الناشر إزالة اسمه من الرواية، فيواجهه الناشر بالحقيقة، يقول له: «أتظن أنهم سيمنحونك وسامًا لو فعلتَ هذا.. الإعلام والصحافة سوف يصلبونكَ حيًّا»، ويعرض عليه تعويض الكاتب الأصلي بأي مقابل مادي، لكن.. «لا تُدمر حياتك بسبب خطأ أحمق واحد.. هذه ليست المرة الأولى التي يرتكب فيها مؤلفٌ خطأً كهذا»!

هكذا قال الناشر، لكن ماذا عن دورا، الزوجة المؤمنة بزوجها؟! يخبرها بالحقيقة: «أنا كاذب». تُصدم بشدة: «لقد صدَّقتُك.. هل فكرتَ في وقع أمرٍ كهذا علينا؟!.. لا أستطيع أن أبقى معك».. يشعر روري كما يقول بأنه «سينكسر إلى نصفين»!

النصفان ببساطة هما الوهم والحقيقة، النجاح والسرقة. فماذا يفعل؟! 

يذهب مجددًا إلى الرجل المسن، الكاتب الأصلي، ويخبره بأن سيرفع اسمه من الرواية، لكن يفاجئه الرجل المسن صاحب الرواية الأصلي بأنه لا يريد شيئًا، وأنه لن يفضحه: «اذهب وعِشْ الحياة التي صنعتها لنفسك».. فتدور بينهما مواجهة.

يقول له روري: «إذا كنتَ لا تريد أي شيء في المقابل فلماذا أخبرتَني؟ هل تريد تعذيبي؟! ما هدفك؟!».

وهنا؛ ينفعل الرجل بشدة: «أتظن أن بإمكانك سلبي جزءًا من حياتي أو حياة أي إنسان بهذه البساطة ولا تتوقع أن يكون هناك ثمن في المقابل؟!.. إنها حياتي وزوجتي وطفلتي!.. هدفي هو المتعة والألم اللذان كانا سببًا في ميلاد هذه الكلمات». ويحسم له المسألة: «لا يمكنك تصحيح الأمور».

ثم يطلق الرجل كلماته المهمة، الرسالة، فيقول: «نحن جميعًا نتخذ خياراتٍ في حياتنا لكن أصعب شيء هو التعايش مع عواقب هذه الخيارات». ويواجه غريمه بآخر كلامه: «ليس هناك من هو قادرٌ على مساعدتك في هذا.. اذهب»!

يذهب روري.. يقرر التعايش، لكن.. «بدا له أن إخفاء سر رجلٍ ما بعيدًا أبد الدهر كان يعني إزاحة النقاب عن سر أكثر عمقًا وسوادًا داخل نفسه هو»، بحسب ما كتبه بطل الفيلم، كاتب رواية «الكلمات» كلاي هاموند، الذي أكمل القصة للفتاة دانييلا المعجبة به، بعد ذهابهما معًا إلى منزله.

تُفاجأ دانييلا بالحكاية، وتُسقِط الرواية الخيالية على حياة كاتبها، الذي يعيش في شقة فارهة في نيويورك، لكنه يحيا وحيدًا بعد انفصاله عن زوجته التي لا يزال يرتدي خاتم زواجه بها في إصبعه. 

تواجهه دانييلا بغضب: «كل إنسان عليه أن ينام في الليل».. فهل ينام الكاتب بعد كل هذا؟!.. تطلب منه أن يخبرها بالحقيقة!

الحقيقة أم الخيال؟!.. بينهما شعرة فاصلة.. أو كما يقول الكاتب للمعجبة الغاضبة: «إنكِ موهوبة للغاية.. لكنكِ ستضطرين في لحظة ما للاختيار بين الحقيقة والخيال.. إنهما قريبان جدًّا من بعضهما البعض.. لكن يستحيل أن يتلامسا».

تصدقه دانييلا.. تختار تصديق أن «الكلمات» ليست إلا رواية خيالية، ولا علاقة لها بحياته الحقيقية، فيزول الغضب، وتعود إلى مشاعر الإعجاب به، تنخرط معه في قُبلة، لكن.. فجأة؛ يتوقف الكاتب، ينسحب، لا يستمر، ويطلب منها المغادرة...

ويتذكر.. يتذكر مشهدًا في روايته.. مشهد الكاتب اللص وهو يعتذر لزوجته التي أفسد علاقته بها: «أنا آسف»!

أكانت «الكلمات» خيالًا أم حقيقة؟!.. الإجابة حقٌّ للمشاهد وحده، وللقارئ الآن أيضًا، لكن فليتذكر الكل: «نحن جميعًا نتخذ خياراتٍ في حياتنا لكن أصعب شيء هو التعايش مع عواقب هذه الخيارات».. ولعل أبسط العواقب وأسوأها في آن، في كل زمان ومكان، هو عجز سارق «الكلمات» مهما ارتقى عن النوم!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: