نجاة الصغيرة.. صوت من ذهب ومسيرة فنية صنعت علامة فارقة في تاريخ الغناء العربي

11-8-2026 | 22:09
نجاة الصغيرة صوت من ذهب ومسيرة فنية صنعت علامة فارقة في تاريخ الغناء العربي نجاة الصغيرة.
راندا رضا

تحل اليوم، الحادي عشر من أغسطس، ذكرى ميلاد الفنانة القديرة نجاة الصغيرة، التي تركت بصمة استثنائية في تاريخ الغناء المصري والعربي، بصوتها الذهبي وأدائها المتفرد الذي جعلها واحدة من أبرز نجمات جيل العمالقة. وعلى مدار مسيرتها الفنية، قدمت نجاة مجموعة من الأعمال التي تحولت إلى علامات بارزة في عالم الغناء، وتعاونت مع كبار الشعراء والملحنين، لتصنع لنفسها مدرسة فنية خاصة يصعب تكرارها.

موضوعات مقترحة

ورغم مرور عقود طويلة على انطلاق مسيرتها، ظل صوت نجاة الصغيرة محتفظًا بخصوصيته ودفئه وقدرته على الوصول إلى وجدان الجمهور، كما نجحت في الحفاظ على مكانتها الفنية، حتى أصبحت أعمالها جزءًا من ذاكرة أجيال متعاقبة.

 النشأة والبدايات الفنية

ولدت نجاة الصغيرة في القاهرة يوم الخميس 11 أغسطس عام 1938، لأسرة دمشقية من أصل كردي. كان والدها الخطاط الدمشقي محمد كمال حسني البابا، بينما كانت والدتها مصرية، وهي الأخت غير الشقيقة للفنانة سعاد حسني. وقد هاجر والدها إلى مصر في شبابه، كما كان ابن عمه الفنان السوري أنور البابا.

بدأت نجاة علاقتها بالفن في سن مبكرة للغاية، حيث ظهرت موهبتها منذ طفولتها، وكانت شديدة التعلق بالغناء. وروت خلال لقائها مع الإعلامية الراحلة سلوى حجازي في برنامج «لقاء المشاهير» أن أول مرة غنت فيها كانت داخل معهد الموسيقى وهي في الخامسة من عمرها، وقدمت آنذاك إحدى أغنيات أم كلثوم.

وقالت نجاة إنها لم تكن تشعر بالمسؤولية في تلك السن، بل كانت سعيدة للغاية بالتجربة، وكانت قادرة على حفظ قصائد أم كلثوم رغم عدم استيعابها الكامل لمعانيها، كما اعتمدت على نفسها في حفظ الأغنيات من خلال الاستماع إليها عبر الراديو.

وعندما بلغت التاسعة عشرة من عمرها، كلف والدها شقيقها الأكبر عز الدين بتدريبها على حفظ أغنيات أم كلثوم لتقدمها لاحقًا في حفلات الفرقة. وتمكنت نجاة من الوصول إلى درجة كبيرة من الإتقان جعلتها قادرة على تقليد أم كلثوم، قبل أن تبدأ تدريجيًا في البحث عن صوتها وشخصيتها الفنية المستقلة.

من التقليد إلى صناعة شخصية فنية خاصة

تحدثت نجاة الصغيرة عن المراحل التي مرت بها في مشوارها الفني، موضحة أن بدايتها اعتمدت على تقليد أغنيات كبار الفنانين، معتبرة تلك المرحلة تدريبًا مهمًا ساعدها على اكتشاف قدراتها الصوتية.

وأكدت أنها عندما وصلت إلى سن السادسة عشرة شعرت بأن تقديم أغنيات الآخرين لم يعد كافيًا، وأن عليها أن تبحث عن أعمال خاصة بها، قائلة إن مرحلة الاحتراف لا تسمح للفنان بأن يظل يقدم أغنيات لفنانين آخرين، وإنما يجب أن تكون له شخصيته وهويته الخاصة.

وأوضحت نجاة أن مسيرتها الفنية مرت بثلاث مراحل أساسية؛ بدأت بتقديم أغنيات الآخرين وتقليدها، ثم جاءت مرحلة تقديم الأغنيات الخاصة بها، ومن بينها «ليه خلتني أحبك»، التي امتدت أغنياتها في تلك الفترة إلى نحو سبع دقائق، قبل أن تنتقل إلى مرحلة غناء القصائد، ومن أبرزها «لا تكذبي».

نجاة الصغيرة وكبار الملحنين

كان تعاون نجاة الصغيرة مع كبار الملحنين والشعراء أحد أهم أسباب تميز تجربتها الفنية، إذ تعاونت مع الموسيقار محمد عبد الوهاب في أغنية «كل ده كان ليه»، لتتوالى بعدها محطات فنية مهمة مع عدد كبير من رموز الموسيقى المصرية.

وقدمت نجاة أعمالًا مع سيد مكاوي وحلمي بكر وبليغ حمدي وكمال الطويل، الذي اعتبرته من أبرز الموسيقيين الذين استطاعوا استيعاب طبيعة صوتها وتوظيف إمكاناتها الفنية، إلى جانب الموسيقار محمد الموجي وهاني شنودة.

وقالت نجاة إن كل ملحن تعاونت معه أضاف إليها شيئًا جديدًا، مؤكدة أن شخصيتها الفنية تشكلت بصورة خاصة من خلال تعاونها مع كمال الطويل وبليغ حمدي.

«لا تكذبي» و«عيون القلب».. قصائد وأغانٍ خالدة

قدمت نجاة الصغيرة خلال مشوارها عددًا كبيرًا من الأغنيات التي ظلت حاضرة في وجدان الجمهور، من بينها «أوصِفوا لي الحب»، و«بان عليا حبه»، و«غريبة»، و«منسية»، و«أسهر وأنشغل أنا»، و«كلمني عن بكره»، و«سمارة»، و«دوبنا يا حبايبنا»، و«أيظن»، و«ناداني الليل»، و«إلهي ما أعظمك»، و«يا قلبك حبيبي»، و«سامعني»، و«عاليادي»، و«في وسط الطريق»، و«شكل تاني»، و«لا تكذبي»، و«ساكن قصادي»، و«كل شيء راح»، و«إلى حبيبي استناني»، و«ماذا أقول»، و«أسألك الرحيل»، و«لا تنتقد خجلي»، و«أنا بعشق البحر».

واستطاعت من خلال هذه الأعمال أن تقدم نموذجًا مختلفًا للأغنية العاطفية والقصيدة الغنائية، مستفيدة من قدرتها على التعبير عن المعاني بالكلمة والإحساس قبل الصوت.

تجربة سينمائية امتدت لثلاثة عقود

لم تقتصر تجربة نجاة الصغيرة على الغناء، وإنما خاضت تجربة سينمائية مميزة، وشاركت في عدد من الأفلام على مدار نحو 30 عامًا، قبل أن تتوقف عن تصوير الأفلام عام 1976 وهي في السابعة والثلاثين من عمرها.

ومن أبرز أفلامها «هدية» عام 1947، و«الكل يغني» عام 1947، و«محسوب العائلة» عام 1950، و«بنت البلد» عام 1954، و«غريبة» عام 1958، و«الشموع السوداء» عام 1962، و«القاهرة في الليل» عام 1963، و«شاطئ المرح» عام 1966، و«سبعة أيام في الجنة» عام 1969، و«ابنتي العزيزة» عام 1971، و«جفت الدموع» عام 1976.

وتميزت غالبية أفلامها بوجود أغنيات قدمتها بصوتها، كما شاركت في عدد منها أمام مجموعة من أبرز نجوم السينما المصرية، من بينهم إسماعيل ياسين، وأحمد رمزي، وأحمد مظهر، وصالح سليم، وفؤاد المهندس، وحسن يوسف، وعادل إمام، ورشدي أباظة، ومحمود ياسين ومحمود المليجي.

الاعتزال والعودة إلى الأضواء

اتخذت نجاة الصغيرة قرارًا بالاعتزال عام 2002، لتبتعد عن الساحة الفنية لسنوات طويلة، قبل أن تعود إلى الغناء في بدايات عام 2017.

وبعد سنوات من الغياب، عادت نجاة إلى الظهور أمام الجمهور من خلال حفل توزيع جوائز «جوي أووردز» الذي أقيم في مدينة الرياض بتاريخ  20 يناير 2024، وكانت تبلغ آنذاك 86 عامًا، وقدمت مقطعًا من أغنية «عيون القلب»، من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان الموسيقار محمد الموجي.

ولاقى ظهورها صدى واسعًا بين الجمهور، خاصة أن عودتها إلى المسرح أعادت إلى الأذهان تاريخها الطويل وأغنياتها التي ارتبطت بوجدان الجمهور العربي.

نجاة الصغيرة.. فنانة تبحث عن الكمال

كانت نجاة شديدة القسوة على نفسها، إذ كشفت في حديثها أنها عندما تشاهد أعمالها الخاصة تنتقد نفسها بصورة قاسية، ولا تستمع إلى الأغنية التي قدمتها أكثر من مرة واحدة.

كما أكدت احترامها الكبير للمسرح، مشيرة إلى أنها لا تمانع في الغناء أمام الجمهور مرة أو مرتين خلال العام، طالما أن ما تقدمه يليق بها وبجمهورها، موضحة أن إعداد أغنية جيدة يحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل.

وترى نجاة أن حساسية الفنان تساعده على فهم كلمات الأغنيات والتعبير عنها بصدق، موضحة أن الفنان يستطيع أن يشعر بالكلمات وكأنه عاش التجربة بنفسه، حتى وإن لم يمر بها في الواقع.

طفولة مؤجلة عاشتها مع ابنها

ورغم النجاح الكبير الذي حققته نجاة الصغيرة، فإنها تحدثت في أحد لقاءاتها عن جانب إنساني مؤثر من حياتها، مؤكدة أنها لم تعش طفولتها بالشكل الذي كانت تتمناه، وأنها لا تتذكر أنها لعبت بدمية مثل بقية الأطفال.

وأوضحت أنها شعرت منذ الصغر بالمسؤولية والخوف من ارتكاب أي خطأ أثناء الغناء في الحفلات، وهو ما جعل طفولتها مختلفة عن أقرانها. وأضافت أنها بدأت تعيش جانبًا من طفولتها التي حُرمت منها أثناء تربية ابنها الوحيد وليد.

وبين صوتها الذي أصبح علامة في تاريخ الغناء العربي، واختياراتها الفنية الدقيقة، وقدرتها على تقديم الأغنية العاطفية والقصيدة بأسلوب خاص، استطاعت نجاة الصغيرة أن تحجز لنفسها مكانة استثنائية بين كبار المطربين، لتظل أغنياتها حاضرة رغم مرور السنوات، ويبقى صوتها شاهدًا على زمن فني لا يتكرر.


 نجاة الصغيرة. نجاة الصغيرة.

 نجاة الصغيرة. نجاة الصغيرة.

 نجاة الصغيرة. نجاة الصغيرة.
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: