ربما لا تكون المشكلة في الإدارة العامة أن نكتشف مسئولا أخطأ، أو واقعة فساد بعد وقوعها، بقدر ما تكون في أن نكتشف متأخرين أن أدوات اختيار من نمنحه السلطة لم تكن بالعمق نفسه الذي تتطلبه هذه السلطة. فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقوة قوانينها أو حجم مشروعاتها، وإنما كذلك بقدرتها على اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب، وقياس أدائه ومراجعته وتصحيح المسار حين يلزم. وفي الإدارة المحلية تزداد حساسية الأمر؛ فالمواطن قد لا يلتقي وزيرا طوال حياته، لكنه يلتقي آثار القرار المحلي كل صباح؛ في الشارع والنظافة والأسواق والمرافق وتراخيص البناء والاستثمار والخدمات التي يمكن أن تنتهي في دقائق أو تتحول إلى رحلة طويلة بين المكاتب.
لذلك فإن اختيار القيادات المحلية ليس شأنا إداريا محدودا، بل قضية تنمية في جوهرها. فلا تنمية بلا إدارة جيدة، ولا إدارة جيدة بلا قيادة كفؤة، ولا تكفي الكفاءة إذا انفصلت عن النزاهة، كما لا تكفي النزاهة وحدها إذا غابت القدرة على الإنجاز. ومن هنا نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم شائع هو صاحب الخبرة.
فالخبرة لا تختصر في عدد سنوات الخدمة، ولا في تعدد المناصب أو الرتب أو الدورات التدريبية. هذه مؤشرات مهمة، لكن الخبرة الحقيقية في الإدارة العامة ينبغي أن تظهر في الفعل. من أدار مدينة، ماذا تغير فيها؟ ومن تولى جهازا خدميا، هل انخفض زمن الحصول على الخدمة؟ ومن أدار ملفا للاستثمار، كم مشكلة حل، وكم فرصة أوجد؟ ومن أشرف على منظومة للشكاوى، هل أصبح المواطن أكثر قدرة على الوصول إلى حقه؟
السيرة الذاتية الحقيقية للقيادي، بهذا المعنى، ليست قائمة بالمواقع التي مر عليها، وإنما سجل بالمشكلات التي واجهها والنتائج التي تركها وراءه.
وهنا نستعيد قاعدة بسيطة في علم الإدارة، ما لا يمكن قياسه يصعب إدارته. فإذا كان المرشح لمنصب قيادي قد أدار وحدة أو مدينة أو قطاعا من قبل، فمن الطبيعي أن نعرف مؤشرات الأداء قبل توليه المسئولية وبعدها، حتى يكون انتقاله إلى موقع أكبر قائما على نتائج فعلية، لا على مجرد استكمال مسار وظيفي تقليدي.
وقد خطا القانون المصري خطوات مهمة في هذا الاتجاه. فقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ربط شغل الوظائف القيادية بالاختيار والتقييم، ونصت المادة 17 على التأكد من توافر صفات النزاهة من الجهات المعنية. لكن هذه العبارة المهمة تفتح سؤالا أكثر أهمية: كيف نقيس النزاهة؟. نستطيع قياس المؤهل والخبرة وتقارير الأداء والقدرة على تقديم رؤية لتطوير المؤسسة، لكن النزاهة أكثر تعقيدا؛ لأنها ليست شهادة تمنح للإنسان مرة واحدة وتظل صالحة طوال حياته الوظيفية.
النزاهة سلوك مستمر، واختبارها الحقيقي يبدأ عندما تلتقي السلطة بالمصلحة والفرصة.
قد يكون المسئول صاحب سجل جيد في وظيفة محدودة الصلاحيات، ثم ينتقل إلى موقع أصبحت بين يديه قرارات تتعلق بالأراضي والتعاقدات والتراخيص والاستثمار والمال العام، فتتغير البيئة المحيطة به تماما. ولذلك فإن فحص النزاهة قبل التعيين، على ضرورته، يجب ألا يكون نهاية العملية وإنما بدايتها.
وجاءت تعديلات اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية في 2026 لتضيف مزيدا من الانضباط إلى عملية اختيار القيادات، مع إعطاء وزن للتاريخ الوظيفي والمقترح التطويري والأهداف القابلة للقياس، ومراجعة الإنجازات وما تحقق من البرنامج الذي تقدم به القيادي عند اختياره.
وهذا اتجاه يستحق البناء عليه، لأن السؤال الصحيح في الإدارة ليس: هل يعمل المسئول كثيرا؟ وإنما: ماذا حقق؟.
قد يكون أكثر المسئولين حركة واجتماعات أقلهم أثرا، بينما ينجح آخر بهدوء في إعادة تصميم إجراء يجعل الخدمة أسرع وأقل تكلفة وأكثر احتراما لوقت المواطن. فالجهد ليس هو النتيجة، والانشغال ليس هو الإنتاجية، وطول البقاء في الوظيفة لا يصبح خبرة إلا إذا أنتج معرفة وقدرة أفضل على حل المشكلات.
لكننا نحتاج إلى خطوة أبعد، الانتقال من فحص النزاهة إلى إدارة مخاطر النزاهة. الفحص ينظر إلى الماضي، هل توجد مخالفات؟ هل يتمتع المرشح بحسن السمعة؟ هل هناك ما يحول دون تعيينه؟ أما إدارة مخاطر النزاهة فتنظر أيضا إلى طبيعة السلطة التي سيحصل عليها، أين توجد نقاط الضعف في الوظيفة؟ وما القرارات الأكثر عرضة لتعارض المصالح؟ وهل توجد مؤشرات مبكرة تستطيع كشف تغيرات غير طبيعية في الشكاوى أو القرارات أو أنماط التعامل؟
المؤسسات القوية لا تنتظر وقوع المخالفة حتى تعرف أن هناك خللا، وإنما تصمم إجراءاتها بحيث تجعل الانحراف أصعب واكتشافه أسرع. وهذا لا يعني تحويل الإدارة إلى ساحة للشك، أو التعامل مع كل مسؤول باعتباره متهما محتملا؛ فمثل هذا المناخ قد ينتج مسؤولا خائفا يتجنب القرار.
المطلوب منظومة واضحة تحمي المسؤول النزيه بقدر ما تحمي المال العام، وتكشف تضارب المصالح مبكرا، وتفرق بين الخطأ الإداري والاجتهاد المشروع وبين الانحراف المتعمد.
ومن ثم تحتاج المناصب الأكثر حساسية إلى متابعة دورية للنزاهة بالتوازي مع متابعة الأداء. فلا يكفي أن نحصي المشروعات المنجزة، بل يجب كذلك أن ننظر إلى بيئة اتخاذ القرار، هل تتكرر شكاوى من نمط معين؟ هل توجد مجالات إدارية تزداد فيها النزاعات؟ هل تظهر احتمالات لتعارض المصالح؟ وهل تعمل الرقابة الداخلية قبل وصول المشكلة إلى الجهات الرقابية الخارجية؟
فالوقاية من الفساد أقل تكلفة من اكتشافه بعد وقوعه، مثلما تكون معالجة الخلل داخل العملية أقل تكلفة من اكتشاف المنتج المعيب في نهايتها. ومنطق الإدارة العامة لا يختلف كثيرا عن منطق الإدارة الرشيدة في الصناعة والاقتصاد. لكن النزاهة ليست وحدها محل المراجعة. فالسيرة الذاتية للقيادات نفسها تحتاج إلى مفهوم جديد. ليس من حق المجتمع الاطلاع على الحياة الخاصة للمسؤول أو التحريات المتعلقة به، لكن من حقه معرفة سجله العام: ما المسئوليات التي تولاها؟ ماذا حقق فيها؟ ما خطته للموقع الجديد؟ وما الأهداف التي سيحاسب عليها؟
ولماذا لا يصاحب تولي المناصب المحلية الكبرى ملخص مهني تنفيذي يتجاوز المؤهلات والمناصب السابقة إلى مجموعة من الأهداف المحددة: خفض زمن خدمة، تحسين الاستجابة للشكاوى، معالجة الإشغالات والتعديات، تنمية الموارد المحلية، تحسين النظافة والطرق والإنارة، ثم نشر ما تحقق بعد فترة زمنية محددة؟
عندها تتحول السيرة الذاتية من وثيقة للماضي إلى عقد أداء للمستقبل، وتتحول الوظيفة القيادية من محطة في مسار وظيفي إلى مهمة لها أهداف وزمن ونتيجة.
وهنا نصل إلى الطرف الذي يجب ألا يغيب عن هذه المعادلة المواطن. فالمواطن ليس مجرد متلق نهائي للخدمة، بل أحد أهم مصادر المعلومات عن جودتها. قد تقول التقارير إن منظومة التراخيص تعمل بكفاءة، بينما يخوض المواطن رحلة طويلة للحصول على ترخيص بسيط. وقد تشير الأرقام إلى ارتفاع معدلات الرد على الشكاوى، بينما تكون الردود شكلية ولم تحل المشكلات. لذلك ينبغي أن يصبح رضا المواطن مؤشرا إداريا حقيقيا لا شعارا؛ يقاس بجودة الخدمة وزمن الحصول عليها، وعدد مرات تردد المواطن على الجهة، ونسبة المشكلات التي حلت بالفعل لا التي أغلقت على النظام الإلكتروني. ومن هنا تبرز أيضا أهمية المجالس المحلية المنتخبة.
فالدستور لم يتعامل معها كإضافة سياسية شكلية، وإنما منحها دورا في الرقابة على أداء السلطة التنفيذية المحلية. وغياب هذا المستوى من الرقابة ترك فراغا لا تستطيع الأجهزة المركزية وحدها أن تملأه. فالجهات الرقابية قادرة على كشف المخالفات الجسيمة، والأجهزة المركزية تستطيع المراجعة والتفتيش، لكن التفاصيل اليومية في آلاف القرى والمدن والأحياء يراها المجتمع المحلي قبل غيره. والرقابة المحلية ليست انتقاصا من هيبة الدولة، وإنما إحدى أدوات قوتها؛ لأن الدولة الكفؤة ليست التي تجعل كل مشكلة تصعد إلى الوزير أو المحافظ، بل التي تبني مؤسسات تستطيع اكتشاف المشكلة وحلها في المستوى الذي نشأت فيه.
لدينا كوادر وخبرات ومؤسسات رقابية وتشريعات تطورت في اتجاه أكثر جدية لتقييم القيادات، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بناء ذاكرة مؤسسية للأداء، بحيث لا يبدأ تقييم المسؤول من الصفر كلما انتقل من موقع إلى آخر، ويصبح الإنجاز موثقا بالأرقام لا بالأوصاف، وفحص النزاهة عملية ممتدة تتناسب مع حساسية المنصب، والمواطن مصدرا أصيلا لقياس جودة الإدارة، وتستعيد المجتمعات المحلية أدواتها المؤسسية في الرقابة والمساءلة.
فالدولة لا تحتاج فقط إلى مسئول نزيه أو مسئول كفء، بل إلى مسئول يجمع بين الاثنين داخل نظام يجعل الكفاءة قابلة للقياس، والنزاهة قابلة للحماية، ومؤشرات الانحراف قابلة للاكتشاف المبكر.
وهنا يكمن الفارق بين إدارة تعتمد على جودة الأشخاص وإدارة تعتمد على جودة النظام. الأولى قد تنجح بمسؤول استثنائي ثم تتراجع برحيله، أما الثانية فتحافظ على مستوى الأداء حتى مع تغير الأشخاص.
وفي النهاية، فإن أهم سيرة ذاتية لأي مسئول محلي ربما ليست تلك التي يقدمها يوم ترشحه للمنصب، وإنما التي يتركها يوم يغادره؛ سيرة لا تكتبها المناصب التي تقلدها ولا الاجتماعات التي ترأسها، وإنما شارع أصبح أفضل، وخدمة أصبحت أسرع، واستثمار لم تعرقله البيروقراطية، ومال عام تمت حمايته، ومواطن شعر أن الإدارة وجدت أصلا من أجله. فأقوى مؤسسات الدولة ليست التي لا تخطئ في اختيار أحد، فهذا أمر لا تستطيع أي دولة ضمانه، وإنما التي تمتلك نظاما يعرف كيف يختار، وكيف يقيس، وكيف يراجع، وكيف يصحح. وفي الإدارة كما في التنمية، لا تكفي النوايا الصحيحة؛ لابد أيضا من الطريقة الصحيحة.