الإخوان.. من إعلام التنظيم إلى حرب السرديات

10-8-2026 | 12:18

لم تعد معركة الدولة المصرية مع تنظيم الإخوان مجرد فصل من فصول الصراع السياسي الذي شهدته مصر خلال العقود الماضية، وإنما أصبحت، بمرور الوقت، واحدة من أكثر التجارب وضوحًا في كيفية انتقال التنظيم الإرهابي من الاشتباك المباشر على السلطة إلى الاشتباك على الوعي، ومن محاولة السيطرة والتمكين على مؤسسات الدولة إلى محاولة التأثير في إدراك المواطن للدولة ومؤسساتها وقراراتها، وهي معركة لا تقل أهمية عن المعركة السياسية أو الأمنية؛ لأن الدولة قد تستطيع حماية مؤسساتها من الاستهداف المباشر، لكنها تواجه تحديًا أكثر تعقيدًا عندما يصبح الاستهداف موجها إلى الثقة التي تربط المواطن بهذه المؤسسات، وإلى الصورة التي تتشكل في ذهنه عن وطنه ومستقبله وقدرته على مواجهة الأزمات.

ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن الإخوان واستخدامهم الإعلام والشائعات لا ينبغي أن يبدأ من مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أن يختزل في السنوات التي تلت عام 2013، لأن التنظيم أدرك منذ نشأته أن امتلاك القدرة على التأثير في المجتمع لا يتحقق بالتنظيم وحده، وإنما يحتاج إلى أدوات اتصال قادرة على نشر الأفكار وتكوين المواقف والحشد والتعبئة. لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو أن هذه الأدوات انتقلت من الصحيفة والمنشور والخطاب المباشر إلى الفضائية والموقع الإلكتروني ثم إلى المنصة الرقمية، فأصبح التنظيم، مثل غيره من الفاعلين السياسيين، قادرًا على مخاطبة الجمهور بصورة مباشرة وسريعة وعابرة للحدود، مع فارق جوهري هو أن التنظيم يحمل تاريخًا طويلًا من العمل التنظيمي والدعوي والإعلامي، ويعرف أهمية الرسالة المتكررة والرمز والشعار وبناء الجماعة حول رواية مشتركة.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة الإخوان؛ فالمشكلة لم تكن يومًا في مجرد امتلاكهم وسيلة إعلام أو إطلاق قناة أو إدارة موقع إلكتروني، وإنما في توظيف أدوات الاتصال داخل مشروع سياسي وتنظيمي يسعى إلى إعادة إنتاج حضوره وتأثيره، وفي استخدام المظلومية باعتبارها إطارًا دائمًا لتفسير الأحداث، وتحويل كل أزمة إلى مادة لإعادة بناء الرواية ذاتها، بحيث يصبح الحدث الجديد مجرد دليل إضافي، في نظر المتلقي، على رواية جرى زرعها مسبقًا.

من الصحيفة إلى المنصة الرقمية.. الأدوات تتغير والهدف الاتصالي يتطور

الإخوان لم يكتشفوا الإعلام مع فيسبوك، ولم يبدأوا استخدامه عندما أصبحت الهواتف المحمولة جزءًا من الحياة اليومية. تاريخ التنظيم يكشف مبكرًا إدراكه لقيمة الصحافة والنشر والخطاب الجماهيري باعتبارها أدوات لبناء النفوذ الاجتماعي والسياسي. ومع تطور البيئة الإعلامية انتقل هذا الاستخدام من المطبوعات إلى الفضائيات ثم المواقع الإلكترونية، قبل أن يدخل إلى المرحلة الأكثر تعقيدًا مع شبكات التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد إنتاج الرسالة الإعلامية حكرًا على مؤسسة تمتلك مطبعة أو استوديو أو ترددًا فضائيًا، وإنما أصبح بإمكان شبكة من الحسابات والصفحات أن تنتج الرواية وتعيد توزيعها في الوقت نفسه.

وهذا التحول لم يغير طبيعة الصراع فقط، وإنما غيّر قواعده. ففي الإعلام التقليدي كان الوصول إلى الجمهور يحتاج إلى وسيط، أما في البيئة الرقمية فقد أصبح الوسيط هو الشبكة نفسها، وأصبح المواطن في الوقت ذاته متلقيًا وناشرًا ومشاركًا في صناعة الانتشار. ولذلك فإن الشائعة الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى مصدر معروف، ولا إلى مؤسسة إعلامية كبيرة، ولا إلى ميزانية ضخمة؛ يكفي أن تجد اللحظة المناسبة والجمهور القابل للتفاعل معها، ثم تبدأ دورة إعادة الإنتاج التي تمنحها، بمرور الوقت، مظهرًا زائفًا من المصداقية.

وهنا يجب التوقف أمام مفهوم بالغ الأهمية، وهو أن التكرار ليس دليلًا على الحقيقة. فقد تتكرر المعلومة لأنها صحيحة، وقد تتكرر لأنها مثيرة، وقد تتكرر لأن شبكات متعددة قررت إعادة إنتاجها، وقد تتكرر لأنها تخدم رواية سياسية جاهزة. ولذلك فإن المواطن الذي يرى المعلومة نفسها عشرات المرات لا يصبح أمام حقيقة أكثر رسوخًا، وإنما يصبح أمام محتوى أكثر حضورًا في ذهنه، وهذه هي إحدى أخطر نقاط القوة في البيئة الرقمية.

٢٠١٣.. عندما انتقل الصراع من السلطة إلى السردية

كان عام 2013 نقطة تحول حاسمة في علاقة الإخوان بالدولة المصرية، لكنه كان أيضًا نقطة تحول في أدوات الصراع. فقد خرج التنظيم من الحكم، وتغير موقعه داخل النظام السياسي، وتعرض لبنية قانونية وأمنية جديدة، وانتقل جزء من نشاطه الإعلامي والسياسي إلى الخارج. وفي سبتمبر 2013، أفادت تقارير صحفية بنقل مركز إعلامي للإخوان إلى لندن، واستخدامه للتواصل مع الغرب وإصدار مواد إعلامية وظهور قيادات على شاشات الفضائيات. وهذا التطور، بصرف النظر عن تفاصيل كل شبكة أو مؤسسة، يكشف عن اتجاه مهم، ألا وهو إعادة توزيع أدوات التنظيم جغرافيًا عندما تغيرت البيئة السياسية في الداخل.

ومنذ ذلك الوقت أخذت الرواية الإخوانية عن مصر شكلًا أكثر انتظامًا، تدور حول مفاهيم «الشرعية» و«الانقلاب» و«المظلومية» و«القمع» و«حقوق الإنسان»، ثم توسعت لتشمل الاقتصاد والأسعار والخدمات والأوضاع الاجتماعية. ولم يكن الأمر مجرد اختلاف في تفسير الأحداث؛ فالاختلاف السياسي مشروع، لكن الإشكالية كانت في محاولة تحويل سردية سياسية إلى حقيقة وحيدة، ثم استخدام كل حدث جديد لإعادة تثبيت هذه السردية في وعي الجمهور.

لقد أصبح المطلوب، في جانب من هذا الخطاب، ليس فقط إقناع المواطن بأن الإخوان تعرضوا لظلم سياسي، وإنما إقناعه بأن الدولة المصرية ذاتها هي مصدر كل أزمة، وأن مؤسساتها عاجزة، وأن خطابها غير جدير بالثقة، وأن كل معلومة رسمية يجب أن تقرأ بوصفها محاولة لإخفاء الحقيقة. وهنا ينتقل الصراع من السياسة إلى تقويض الثقة، وهي نقطة أكثر خطورة من مجرد المنافسة الانتخابية أو الخلاف على السياسات.

الإخوان وصناعة المظلومية كإطار دائم لتفسير الواقع

من أكثر الأدوات التي ساعدت الإخوان على الاستمرار في المجال العام بعد خروجهم من السلطة توظيف المظلومية باعتبارها إطارًا تفسيريًا شاملًا. فالمظلومية ليست مجرد وصف لواقعة محددة؛ عندما تتحول إلى سردية دائمة تصبح عدسة يرى من خلالها التنظيم وأتباعه وكل حدث سياسي جديد. ومن ثم يصبح كل إجراء ضد التنظيم دليلًا إضافيًا على الاضطهاد، وكل أزمة اقتصادية دليلًا على فشل الدولة، وكل قرار سياسي دليلًا على غياب الشرعية، وكل خلاف مع الخارج مادة لإعادة إنتاج السردية نفسها.

وهنا تكمن المشكلة في هذا النوع من الخطاب، فهو لا يكتفي بتفسير الماضي، وإنما يصنع طريقة جاهزة لقراءة المستقبل. فإذا وقعت أزمة، فإنها تدخل فورًا في القالب الموجود. وإذا تحسنت الأوضاع، يصبح التحسن موضع تشكيك أو يتم تجاهله. وإذا أخطأت مؤسسة، يتحول الخطأ إلى دليل على انهيار المؤسسة كلها. وإذا نجحت الدولة في ملف، يُبحث عن تفسير آخر ينزع عن النجاح دلالته. وبذلك يصبح الخطاب محصنًا ضد الاختبار؛ لأنه لا يسمح للوقائع المضادة بأن تغير النتيجة المسبقة.

وهذه ليست مجرد مشكلة إعلامية، وإنما مشكلة في بنية الخطاب السياسي ذاته؛ لأن السياسة تتحول من نقاش حول المصالح والبرامج والبدائل إلى معركة أخلاقية مطلقة بين «نحن» و«هم»، وفي هذه البيئة تصبح الشائعة أكثر قدرة على الانتشار، لأن المتلقي لا يتعامل معها باعتبارها معلومة منفصلة، وإنما يضعها داخل قصة سبق أن اقتنع بإطارها العام.

من صناعة الخبر إلى صناعة الشك

الخطأ في فهم الشائعة هو الاعتقاد بأن هدفها دائمًا إقناع المواطن بمعلومة كاذبة محددة. أحيانًا يكون الهدف الأخطر هو صناعة الشك. عندما يتعرض المواطن بصورة متكررة لمعلومات متناقضة، ومقاطع مجتزأة، وصور قديمة، وعناوين مثيرة، وتسريبات مجهولة المصدر، ثم يرى كل طرف يتهم الطرف الآخر بالكذب، فقد يصل في النهاية إلى نتيجة خطيرة: «لا أحد يقول الحقيقة».

وهذه النتيجة تخدم بيئة التضليل أكثر من تصديق شائعة واحدة؛ لأن المواطن الذي لا يثق في أي مصدر يصبح أكثر استعدادًا لتصديق المصدر الذي يتحدث بلغة الغضب أو الخوف أو الإثارة. وعندما تنهار معايير التحقق، لا يعود السؤال: «ما الحقيقة؟»، وإنما يصبح: «أي رواية أريد أن أصدق؟».

وهنا يتحول الإعلام من وسيلة لنقل المعلومات إلى ساحة لإدارة الإدراك.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم واحدة من أخطر وظائف الشائعة السياسية: ليست بالضرورة أن تقنعك بأن الدولة فاشلة، وإنما أن تجعلك مستعدًا لتصديق أنها فاشلة كلما ظهر أمامك حدث جديد. وهذا فارق جوهري؛ لأنك لم تعد أمام حملة تستهدف واقعة، وإنما أمام محاولة لبناء إطار ذهني يفسر الوقائع كلها.

المواطن.. الهدف الأكثر أهمية

استهداف الدولة يبدأ في كثير من الأحيان من استهداف المواطن، لأن المواطن هو نقطة الاتصال بين الدولة والمجتمع. ولذلك فإن الشائعات التي تمس الأسعار والخدمات والدخل والأمن والاستقرار أكثر تأثيرًا من الشعارات السياسية المجردة. المواطن يعيش هذه القضايا يوميًا، ويشعر بآثارها مباشرة، ومن ثم فإن استثمار قلقه الطبيعي يصبح مدخلًا فعالًا للتأثير فيه.

وهنا يجب أن نكون واضحين فالمواطن المصري لديه مشكلات حقيقية، ولديه ضغوط اقتصادية واجتماعية، ومن الخطأ أن نواجه الشائعة بإنكار الواقع. مواجهة التضليل لا تعني القول إن كل شيء على ما يرام، ولا تعني تحويل الإعلام إلى مساحة للمديح الدائم. بالعكس، الاعتراف بالمشكلة جزء من بناء الثقة، والفرق بين الدولة والإخوان أو غيرهما يجب أن يكون في القدرة على إدارة المشكلة وتقديم الحلول والمعلومات، لا في محاولة إقناع المواطن بأن المشكلة غير موجودة.

فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يتم أخذ مشكلة حقيقية وتحويلها إلى رواية كاذبة، أو استخدام معاناة حقيقية لصناعة استنتاجات لا تستند إلى الواقع. هنا تتحول معاناة المواطن من قضية تحتاج إلى معالجة إلى وقود في معركة سياسية.

والأخطر من ذلك أن المواطن نفسه قد يتحول إلى ناقل للشائعة بحسن نية. قد تصله رسالة تقول إن هناك قرارًا خطيرًا أو نقصًا في سلعة أو أزمة وشيكة، فيرسلها إلى أسرته وأصدقائه «احتياطًا». وهكذا لا يعود بحاجة إلى أن يكون مقتنعًا بها حتى يساعد على انتشارها؛ يكفي أن يكون قلقًا منها.

استهداف الدولة.. من نقد المؤسسات إلى تقويض الثقة

النقد السياسي للمؤسسات ليس جريمة، ولا ينبغي للدولة أن تعتبر كل نقد استهدافًا. الدولة القوية لا تخاف من النقد، وإنما تخاف من الكذب الذي يُقدَّم باعتباره حقيقة. لكن الفارق بين النقد والتضليل واضح: النقد يناقش القرار ويقدم حججًا، أما التضليل فيختلق الوقائع أو يجتزئها أو يقدمها خارج سياقها بقصد صناعة انطباع غير صحيح.

وعندما تتكرر الرسائل التي تقول إن كل مؤسسة فاشلة، وإن كل مسؤول يكذب، وإن كل بيان رسمي مضلل، وإن كل قرار مشبوه، فإننا لا نكون أمام نقد لسياسة بعينها، وإنما أمام محاولة لبناء صورة ذهنية كلية عن الدولة.

وهنا تصبح القضية أخطر من الحكومة الحالية أو القرار الحالي. لأن الهدف يصبح ضرب فكرة الثقة في المؤسسة نفسها.

فإذا فقد المواطن ثقته في مؤسسة الأمن، أو في مؤسسات الدولة الاقتصادية، أو في الإعلام الرسمي، أو في قدرة الدولة على إدارة الأزمات، يصبح أكثر تعرضًا للاضطراب المعلوماتي. وكل أزمة جديدة تجد أرضًا أكثر قابلية لاستقبال الروايات المبالغ فيها.

ولهذا فإن الدفاع عن الدولة في البيئة الرقمية لا يعني الدفاع عن كل قرار يصدر عنها، وإنما يعني الدفاع عن مبدأ الدولة ومؤسساتها وقدرتها على العمل، مع الاحتفاظ بالحق الكامل في نقد أدائها وتصحيح أخطائها.

السوشيال ميديا.. عندما أصبح الهاتف ميدان المعركة

السوشيال ميديا لم تخلق الإخوان، لكنها وفرت لهم ولغيرهم بيئة جديدة شديدة الفاعلية. الفرق أن الرسالة لم تعد تحتاج إلى المرور عبر مؤسسة إعلامية، وأن المحتوى يمكن أن ينتقل من الخارج إلى الداخل في ثوانٍ، وأن الحساب الصغير يمكن أن يصبح نقطة انطلاق لرواية كبيرة إذا التقطتها شبكة من الصفحات والحسابات.

وهنا تظهر ظاهرة أكثر خطورة من الخبر الكاذب الصريح، وهي المحتوى الحقيقي بسياق كاذب. صورة حقيقية، لكن من حدث قديم. فيديو حقيقي، لكن من دولة أخرى. تصريح حقيقي، لكن تم حذف الجزء الذي يغير معناه. رقم صحيح، لكن تمت مقارنته بطريقة مضللة. وفي هذه الحالات يصبح اكتشاف الخلل أصعب؛ لأن جزءًا من المحتوى صحيح بالفعل.

وهنا لا تكفي محاربة الشائعة بالبيانات. نحتاج إلى مواطن يعرف كيف يفكر في المحتوى قبل أن يشاركه، وإعلام يعرف كيف يفككه، ومؤسسات قادرة على تقديم المعلومة في الوقت المناسب.

من 2013 إلى 2026.. تطور الأدوات لا انتهاء الصراع

إذا نظرنا إلى الفترة الممتدة من 2013 حتى 2026، سنجد أن المعركة انتقلت من مرحلة كان فيها الإعلام التقليدي يحتل المساحة الأكبر إلى مرحلة أصبح فيها الإعلام الرقمي أكثر قدرة على الوصول والتأثير، ومن مرحلة كانت الرسالة فيها تمر عبر مؤسسات محددة إلى مرحلة يمكن أن تنتشر فيها الرواية من شبكة غير واضحة المصدر.

وفي المقابل، أصبح الصراع أكثر عابرية للحدود. فالتنظيم الذي فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على العمل السياسي العلني داخل مصر استطاع أن يستخدم بيئة إعلامية خارجية ومنصات رقمية للوصول إلى الداخل، وهو ما جعل المعركة الإعلامية أقل ارتباطًا بالمكان وأكثر ارتباطًا بالشبكة.

وهذا يفسر لماذا أصبح من الخطأ التعامل مع المحتوى الإخواني أو المعادي للدولة باعتباره مجرد مادة إعلامية؛ فهو، في بعض الحالات، جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها السياسة والتنظيم والاتصال والتمويل والعلاقات الخارجية.

لكن مرة أخرى، يجب أن نميز بين ما يمكن إثباته في حالة محددة وبين القراءة العامة لطبيعة البيئة التي يعمل فيها التنظيم.

ماذا يقول التصنيف الأمريكي للإخوان في 2026؟

في يناير 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، تصنيف الفرعين المصري والأردني لجماعة الإخوان باعتبارهما «إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص» SDGT، بينما صنفت الفرع اللبناني أيضًا باعتباره منظمة إرهابية أجنبية FTO، وربطت واشنطن إجراءاتها بما وصفته بأنشطة مرتبطة بدعم حماس. وفي يوليو 2026 أعلنت وزارة الخزانة إجراءات إضافية استهدفت أفرادًا وكيانات قالت إن لها صلات بشبكات مالية مرتبطة بالإخوان وحماس.

هذه التطورات الأمريكية لا تعني أن واشنطن أصدرت حكمًا على «كل الإخوان» باعتبارهم كيانًا واحدًا؛ فالتصنيفات الأمريكية جاءت بحق فروع وكيانات محددة وبمسارات قانونية محددة. لكن دلالتها السياسية والأمنية لا يمكن تجاهلها، لأنها تعكس انتقال بعض فروع التنظيم في الرؤية الأمريكية من إطار الحركة السياسية إلى إطار أكثر ارتباطًا بالإرهاب والتمويل والشبكات العابرة للحدود.

ومن هنا يصبح من الضروري أن نعيد قراءة تجربة الإخوان بعيدًا عن الاختزال الذي يقدمهم باعتبارهم مجرد حزب سياسي خسر انتخابات أو تنظيم تعرض للإقصاء وفقًا لسرديته. القضية أعمق من ذلك؛ لأن التنظيم له بنية فكرية وتنظيمية وتاريخ من العمل السياسي والاجتماعي والإعلامي، وله قدرة على إعادة إنتاج نفسه وتغيير أدواته بحسب البيئة المحيطة به.

وهذا بالضبط ما يجعل فهم أدواته الإعلامية ضرورة، لا تفصيلًا هامشيًا.

الدولة لا تواجه الشائعة فقط.. بل تواجه بيئة معلوماتية كاملة

الرد على الشائعة ضرورة، لكنه ليس استراتيجية. فإذا انتظرت الدولة حتى تنتشر الشائعة ثم بدأت في نفيها، فإنها تكون قد دخلت المعركة في ملعب اختاره الطرف الآخر. أما إذا امتلكت الدولة منظومة معلومات فعالة، وسريعة، وشفافة، وقادرة على الوصول إلى المواطن قبل أن تملأ الشائعة الفراغ، فإنها تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة.

وهنا يجب أن ننتقل من مفهوم «إدارة الشائعة» إلى مفهوم أوسع هو إدارة البيئة المعلوماتية.

وإدارة البيئة المعلوماتية تعني أن يعرف المواطن من أين يحصل على المعلومة الرسمية، وأن يجد إجابة سريعة عندما يسأل، وأن يرى اتساقًا بين ما تقوله المؤسسات وما يحدث على الأرض، وأن يجد إعلامًا مهنيًا يشرح له لا إعلامًا يكتفي بالنفي.

كما تعني أن تعترف الدولة بالخطأ عندما يحدث؛ لأن الاعتراف بخطأ محدد وتصحيحه لا يهدم الثقة، بل يمكن أن يكون أحد عناصر بنائها. الذي يهدم الثقة هو ترك المواطن يكتشف الحقيقة من مصادر أخرى بعد أن تكون المؤسسة قد أنكرتها أو تجاهلتها.

المعركة الأخيرة ليست مع الشائعة.. وإنما مع قابلية المجتمع للتضليل

في النهاية، لا أعتقد أن الدولة المصرية تستطيع أو ينبغي أن تدخل في مطاردة كل منشور أو كل فيديو أو كل شائعة. هذه معركة لا تنتهي، ولن يكون من المنطقي أن تصبح مؤسسات الدولة في حالة رد دائم على كل ما ينتشر على الإنترنت.

المعركة الحقيقية هي بناء مجتمع يمتلك قدرًا أعلى من المناعة الرقمية المعلوماتية.

وهذه المناعة لا تعني أن المواطن يصدق الدولة في كل شيء، وإنما تعني أن المواطن لا يصدق أحدًا بلا دليل.

وهنا تصبح الأسئلة البسيطة أدوات دفاع استراتيجية: من قال؟ ما المصدر؟ ما الدليل؟ ما السياق؟ لماذا الآن؟ ومن المستفيد؟

الإخوان يمكن إدانة مشروعهم السياسي والتنظيمي، ويمكن قراءة تاريخهم ومواقفهم وتحليل أدواتهم، ويمكن كشف خطابهم عندما يقوم على التضليل أو التحريض أو استهداف الدولة، لكن المواجهة الأقوى معهم لا تكون بالصوت الأعلى، وإنما بالحقيقة الأقوى.

لأن التنظيم الذي بنى جانبًا من حضوره التاريخي على التنظيم والاتصال والتعبئة يعرف جيدًا أن معركة الوعي لا تُحسم فقط بمن يمتلك المعلومة، وإنما بمن يستطيع أن يمنحها معنى ويجعل الجمهور يثق بها.

ومن هنا فإن حماية الدولة لا تعني حماية الحكومة من النقد، وحماية المواطن لا تعني عزله عن الاختلاف، وإنما حماية المجال العام من أن يتحول إلى مساحة تختلط فيها الحقيقة بالشائعة، والنقد بالتضليل، والمعارضة بالتحريض، والاختلاف السياسي بمحاولة هدم الثقة في الدولة.

لقد تغيرت أدوات الإخوان، وتغيرت البيئة الإعلامية، وتغيرت سرعة انتشار المعلومات، لكن جوهر المعركة ظل كما هو: من يملك القدرة على التأثير في وعي المجتمع، ومن يستطيع أن يفرض السردية التي يقرأ المواطن من خلالها وطنه ودولته ومستقبله؟

وهنا تحديدًا يجب أن ندرك أن معركة الوعي ليست معركة هامشية على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما هي أحد ميادين الأمن القومي في الدولة الحديثة؛ لأن الدولة التي تحمي حدودها ومؤسساتها ولا تحمي ثقة مواطنيها تترك ثغرة مفتوحة في جدارها الداخلي، والدولة التي تريد أن تواجه التضليل لا يكفيها أن تنفي الكذب، بل عليها أن تجعل الحقيقة أسرع، وأوضح، وأكثر حضورًا وثقة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة