من هرمز إلى السويس

11-8-2026 | 10:20

لم يعد السؤال الأهم الذي تطرحه الأزمات المتلاحقة في الممرات البحرية هو من يستطيع إبقاء المضايق مفتوحة؟ فالتطورات الممتدة من هرمز، مروراً بباب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى قناة السويس، تكشف مشكلة أعمق تتعلق بمن يملك حق إدارة أمن هذه الممرات، وبأي قواعد، وتحت أي شرعية. 

وهو سؤال يعني مصر مباشرة، لأن ما يحدث في هرمز يؤثر في تدفقات الطاقة، وما يحدث عند باب المندب يحدد ما إذا كانت السفن ستدخل البحر الأحمر، وما لا يدخل البحر الأحمر لن يصل إلى قناة السويس. 

وباختصار، ما يحدث في هرمز يصل في النهاية إلى السويس. وهي الفكرة التي تفرض النظر إلى الممرات الثلاثة باعتبارها أجزاءً من منظومة بحرية إستراتيجية ممتدة واحدة.

لعقود، استند النظام البحري العالمي إلى معادلة شبه مستقرة، وهي أن القانون الدولي يوفر الأساس لحرية الملاحة، بينما توفر القوة البحرية الأمريكية وحلفاؤها جانباً كبيراً من القدرة اللازمة لحمايتها، لكن هذه المعادلة لم تعد كافية؛ فتعطيل الملاحة لم يعد يتطلب امتلاك أسطول قادر على السيطرة على البحر؛ فبضعة صواريخ مضادة للسفن، أو مسيّرات، أو ألغام، أو قدرات للحرب الإلكترونية والسيبرانية، يمكنها فرض تكاليف هائلة على التجارة العالمية، وبالتالي، أصبح تهديد الممر أرخص كثيراً من تأمينه.

والأخطر أن إغلاق المضيق لم يعد يستلزم إغلاقه عسكرياً. فقد تكفي هجمات محدودة، أو حتى تهديدات ذات مصداقية، لكي ترتفع أقساط التأمين وتقرر شركات الملاحة تغيير مساراتها. 

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل، وهو من يغلق الممر الملاحي فعلياً، الصاروخ الذي يهدد السفينة أم شركة التأمين التي تقرر أن الرحلة لم تعد تستحق المخاطرة؟ 

وهكذا أصبحت شركات الشحن والتأمين والموانئ والطاقة والاتصالات أطرافاً في الأمن البحري، حتى وإن لم تكن تمتلك سفناً حربية.

وفي قلب هذه المعضلة توجد حقيقة يصعب تجاوزها، وهي أن الممرات البحرية عالمية الوظيفة، لكنها محلية الجغرافيا؛ فالدول الساحلية تمتلك حقوقاً سيادية مشروعة، لكن القرارات التي تتخذ حول هذه الممرات يمكن أن تؤثر في أسعار الطاقة والغذاء والتضخم والاستقرار الاقتصادي في قارات بعيدة؛ ومن ثم، لا ينبغي للجغرافيا أن تمنح دولة ساحلية حق تحويل المضيق إلى أداة للإكراه السياسي، كما لا ينبغي لحرية الملاحة أن تتحول إلى «شيك على بياض» يسمح للقوى الخارجية بوجود عسكري مفتوح قرب سواحل الآخرين.

وربما نحتاج هنا إلى مفهوم "السيادة البحرية المسئولة"؛ أي أن تكون للدول الساحلية الأولوية في إدارة أمن الممرات، لكن مقابل التزامها بضمان الملاحة المشروعة ومنع استخدام أراضيها ومياهها لتهديد السفن والتعاون في إدارة الأزمات. 

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما تعجز الدولة الساحلية عن أداء هذه الوظيفة، أو عندما تصبح جماعة مسلحة تعمل من أراضيها مصدر التهديد. وعندئذ نحتاج إلى هرم واضح للمسئولية، يتمثل في الدولة أولاً، ثم الإقليم عندما تعجز القدرات الوطنية، ثم المجتمع الدولي عندما يفشل المستويان السابقان، على أن يظل أي تدخل دولي مقيداً بالقانون والضرورة والتناسب والشرعية.

كما أن مفهوم الممر نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف. فالمضيق الحديث ليس مجرد مساحة من الماء تمر عبرها السفن، وإنما منظومة تضم الموانئ وخطوط النفط والغاز ومحطات الغاز والكابلات البحرية وأنظمة الملاحة والبنية الرقمية؛ ولذلك يمكن لهجوم سيبراني على ميناء، أو تشويش على أنظمة الملاحة، أو تخريب كابل بحري، أن ينتج آثاراً إستراتيجية دون إطلاق حصار بحري تقليدي. والمطلوب، إذن، هو الانتقال من "الدفاع عن المضيق" إلى "بناء مرونة الممر البحري".

وهذا يقود إلى سؤال آخر، وهو من يتحمل تكلفة الأمن؟ فإذا كانت هذه الممرات تخدم الاقتصاد العالمي، فمن غير المنطقي أن تتحمل الدول الساحلية وحدها تكاليف الرادارات والدوريات والإنقاذ وحماية المنشآت والكابلات. 

فالمنفعة العالمية ينبغي أن يقابلها قدر من تقاسم الأعباء بين الدول الساحلية والدول المستخدمة للممرات والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص، مع بقاء المسئولية الرئيسية عن الإدارة للدول الساحلية.

وهنا تحديداً ينبغي أن تعيد مصر تعريف نظرتها إلى قناة السويس. فهرمز وباب المندب والسويس ليست ثلاث ساحات منفصلة، وإنما حلقات في ممر إستراتيجي يبدأ من الخليج والمحيط الهندي، ويمر بالبحر الأحمر، وينتهي عبر السويس إلى المتوسط وأوروبا. وبالتالي يجب الانتقال في التفكير المصري من مفهوم "أمن قناة السويس" إلى "أمن الممر المؤدي إلى السويس" فأمن القناة لا يبدأ عند مدخلها الجنوبي، وإنما قبل ذلك بآلاف الكيلومترات.

ولا يمكن توفير هذا الأمن بصورة مستدامة من خلال «شرطي عالمي» واحد؛ فالولايات المتحدة ستظل قوة بحرية أساسية، لكن الصين توسع حضورها، والهند تعزز دورها في المحيط الهندي، ودول الخليج تطور قدراتها البحرية. 

واستبدال شرطي أمريكي بشرطي صيني لن يحل المشكلة. المطلوب هو نظام يجمع أولوية الدول الساحلية، والتنسيق الإقليمي، والضمانات الدولية، بحيث يضمن المجتمع الدولي النظام البحري دون أن يحتكر إدارته.

ويمكن للبحر الأحمر أن يصبح مختبراً لهذا النموذج، من خلال تطوير التعاون بين مصر والسعودية وبقية الدول الساحلية في مجالات الإنذار المبكر وتبادل المعلومات وحماية البنية التحتية وإدارة الأزمات. بل يمكن لمصر أن تدعو إلى "منتدى لحوكمة الممرات البحرية" يضم الدول الساحلية والقوى التجارية والبحرية والمنظمات الدولية وشركات الملاحة والتأمين، بالتوازي مع شبكة لمراكز الفكر تُعد تقديرات للمخاطر وتمارين للمحاكاة وتقريراً سنوياً عن حالة الممرات البحرية العالمية.

وفي النهاية، يمكن القول إن مستقبل الممرات البحرية، من هرمز إلى السويس، لن يتحدد فقط بمن يمتلك الأسطول الأقوى، وإنما بمن يستطيع بناء القواعد الأكثر شرعية وقدرة على إبقائها مفتوحة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة