لم يعد كريستوفر نولان مجرد مخرج صاحب أفلام ضخمة ومبهرة بصريًا، بل أصبح اسمه في حد ذاته عامل جذب جماهيري قادرًا على تحويل أفلام تتناول موضوعات معقدة وتحتاج إلى تركيز من المشاهد إلى أحداث سينمائية ضخمة تحقق إيرادات استثنائية.
موضوعات مقترحة
وجاء النجاح التاريخي لفيلمه الجديد «الأوديسة» ليؤكد هذه الظاهرة، بعدما تجاوز الفيلم حاجز مليار دولار عالميًا، قبل أن يصبح أعلى أفلام نولان إيرادًا على الإطلاق، متفوقًا على «The Dark Knight Rises». وأكدت تقارير حديثة أن الفيلم وصل إلى نحو 1.1 مليار دولار عالميًا.
«الأوديسة».. أحدث دليل على ظاهرة نولان
حقق «الأوديسة» افتتاحية قوية بلغت نحو 124 مليون دولار، قبل أن يواصل صعوده في شباك التذاكر، بينما سجل في عطلة نهاية أسبوعه الثانية نحو 90 مليون دولار، وهي أفضل عطلة نهاية أسبوع ثانية في مسيرة نولان، متجاوزًا الرقم الذي حققه «The Dark Knight».
لكن نجاح الفيلم لا يعتمد فقط على القصة أو النجوم، إذ جعل نولان من تجربة المشاهدة نفسها جزءًا أساسيًا من التسويق للفيلم.
فـ«الأوديسة» هو أول فيلم روائي طويل يتم تصويره بالكامل بكاميرات آيماكس، وهو إنجاز كان نولان يحلم بتحقيقه منذ أن كان مراهقًا. وقال المخرج إنه كان يريد منذ سنوات تقديم فيلم كامل بهذه التقنية، ولذلك طور فريقه طرقًا جديدة لاستخدام كاميرات آيماكس في المشاهد التي تعتمد على الحوار والأداء التمثيلي.
السر الأول.. نولان يبيع «التجربة» وليس الفيلم فقط
أحد أهم أسرار نجاح أفلام نولان هو أنه لا يقدم الفيلم باعتباره مجرد قصة تشاهد، وإنما باعتباره تجربة سينمائية يجب أن تعاش داخل دار العرض.
ويتضح ذلك بصورة خاصة في إصراره على آيماكس، والشاشات العملاقة، والعروض السينمائية ذات الجودة العالية، بدل التعامل مع الفيلم باعتباره منتجًا يمكن مشاهدته بالطريقة نفسها على أي شاشة.
وفي حالة «الأوديسة»، أصبح عرض الفيلم بتقنية آيماكس 70 مم حدثًا بحد ذاته، مع استمرار الإقبال على بعض العروض لفترات طويلة.
السر الثاني.. أفلامه لا تعتمد على الأبطال الخارقين
المثير في تجربة نولان أن جزءًا كبيرًا من نجاحه التجاري جاء من أفلام أصلية أو أفلام تتناول موضوعات غير معتادة.
فقد نجح في تقديم أفلام عن الأحلام والزمن والفضاء والحرب والعلم والقنبلة الذرية، ومع ذلك استطاع جذب جمهور واسع.
«Inception» قدم عالم الأحلام، و«Interstellar» تناول رحلة البشر في الفضاء، و«Dunkirk» أعاد تقديم واحدة من أشهر عمليات الإجلاء العسكرية في التاريخ، بينما تناول «Oppenheimer» حياة العالم روبرت أوبنهايمر وتطوير القنبلة الذرية.
ومع «الأوديسة»، انتقل إلى واحدة من أقدم الملاحم الأدبية في التاريخ، وهي ملحمة هوميروس التي يعود عمرها إلى ما يقرب من ثلاثة آلاف عام.
السر الثالث.. أسماء كبيرة أمام الكاميرا
يعرف نولان جيدًا كيف يجمع بين المشروع السينمائي الطموح والنجوم القادرين على جذب الجمهور.
وفي «الأوديسة» يقود مات ديمون البطولة في دور أوديسيوس، إلى جانب توم هولاند وزندايا وروبرت باتينسون وآن هاثاواي وغيرهم.
كما سبق أن استعان بأسماء كبيرة في أفلامه، من ليوناردو دي كابريو في «Inception» إلى ماثيو ماكونهي في «Interstellar» وكريستيان بيل وهيث ليدجر في أفلام «Batman» وسيليان مورفي في «Oppenheimer».
لكن نولان لا يجعل النجوم وحدهم نقطة البيع؛ بل يجعل اسم الفيلم والمخرج نفسه جزءًا من العلامة التجارية.
السر الرابع.. المؤثرات العملية بدل الاعتماد الكامل على الكمبيوتر
من أبرز سمات سينما نولان أيضًا محاولته تنفيذ أكبر قدر ممكن من المشاهد بصورة عملية وحقيقية أمام الكاميرا، بدل الاعتماد الكامل على المؤثرات الرقمية.
وهذا الأسلوب يمنح أفلامه إحساسًا بالواقعية ويجعل المشاهد يشعر بأن الأحداث تحدث بالفعل أمامه.
وقد تطور هذا النهج على مدار مسيرته، من مشاهد الحركة في أفلام «The Dark Knight» إلى الطائرات والمواقع العملية في أفلامه اللاحقة، وصولًا إلى ضخامة «الأوديسة».
السر الخامس.. تحويل المخرج إلى علامة تجارية
ربما يكون هذا هو العامل الأكثر أهمية.
في هوليوود، يذهب الجمهور عادة لمشاهدة فيلم بسبب الشخصية أو العالم السينمائي أو النجم، لكن نولان استطاع أن يجعل اسم المخرج نفسه سببًا للذهاب إلى السينما.
فالجمهور يعرف أن فيلم كريستوفر نولان يعني عادة قصة كبيرة، وتصويرًا ضخمًا، وأفكارًا تحتاج إلى التفكير، وتجربة مصممة خصيصًا للشاشة الكبيرة.
ولهذا أصبح طرح فيلم جديد لنولان حدثًا سينمائيًا عالميًا، حتى عندما لا يكون الفيلم تابعًا لسلسلة شهيرة.
من «فارس الظلام» إلى «الأوديسة».. المليار لم يعد صدفة
مع نجاح «الأوديسة»، أصبح لدى نولان ثلاثة أفلام تخطت حاجز المليار دولار عالميًا، هي «The Dark Knight»، و«The Dark Knight Rises»، و«الأوديسة». كما حققت أفلام أخرى له إيرادات ضخمة اقتربت من هذا الرقم، وعلى رأسها «Oppenheimer» و«Inception» و«Interstellar».
واللافت أن «Oppenheimer» كان المثال الأكثر إثارة؛ فالفيلم الذي يتناول حياة عالم فيزياء وصناعة القنبلة الذرية لم يكن فيلم أبطال خارقين أو جزءًا من سلسلة جماهيرية، ومع ذلك تحول إلى ظاهرة عالمية وفاز بسبع جوائز أوسكار.
وهنا تكمن معادلة نولان: يقدم أفلامًا ضخمة من حيث الفكرة والتنفيذ، لكنه يرفض التعامل مع الجمهور باعتباره بحاجة دائمًا إلى أفلام سهلة أو مألوفة.
نولان يثبت أن الفيلم الأصلي يمكن أن يصبح حدثًا عالميًا
نجاح «الأوديسة» يؤكد أن جمهور السينما لا يزال مستعدًا لدفع ثمن تذكرة مرتفع ومشاهدة فيلم طويل ومعقد عندما يشعر أن التجربة تستحق الذهاب إلى دار العرض.
وبعد أن أصبح «الأوديسة» أعلى أفلامه إيرادًا، يبدو أن ظاهرة كريستوفر نولان لم تعد مجرد نجاح لمخرج واحد، وإنما نموذج جديد لكيف يمكن للمخرج نفسه أن يصبح علامة تجارية قادرة على قيادة شباك التذاكر.