وسط مئات المقالات التي تناولت أوديسة كريستوفر نولان، انشغل النقد بالسؤال المتوقع: كم بقي من هوميروس داخل الفيلم؟ كم مشهدا تغير؟ أين اختفت الآلهة؟ كيف أعاد نولان رسم كاليبسو وبينيلوبي؟ وكيف تحولت الحرب إلى جرح نفسي طويل؟
موضوعات مقترحة
غير أن سُؤَالًا آخر فرض نفسه علي بعد انتهائي من المشاهدة - وأنا مازلت في مرحلة الانبهار بالصورة والصوت والمؤثرات- سؤال يتجاوز ما حذفه نولان من الملحمة ليركز على ما فعله بفكرة التراجيديا؛ ففي المشهد الأخير الحاسم من الفيلم، يقف أوديسيوس (مات ديمون)، وهو ما زال مُتَنَكِّرًا في ثياب المتسول، خلف حاجز يفصله عن زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي)، ويعترف: "لقد تركنا لهم هدية، عَرْضًا للسلام، فأدخلوه بيوتهم. لقد انتهكنا كل ما هو مقدس بين البشر".
هذا الاعتراف -بكل ثقله- يحمل المفتاح في رأيي: أوديسيوس يقف أمام بينيلوبي حاملًا ذاكرة كاملة للحرب، مُعترفًا بأن حصان طروادة مثّل اللحظة التي بدأ فيها سقوطه الأخلاقي، مُتخليًا عن اعتباره ذروة العبقرية العسكرية التي صنعت مجده.
وفي هذه اللحظة نفسها يستعيد المدينة المحترقة مَرَّة أخرى، ولكن هذه المرة بعيني رجل يرى الخراب من موقع صانعه. قبل أن يتخلى عن العرش، ويسلم المملكة لابنه، ويغادر مع بينيلوبي إلى رحلة جديدة، كأن إيثاكا نفسها فقدت قدرتها على احتواء رجل عاد إليها مُحَمَّلًا بكل هذا الثقل.
في رأيي أن هذه النهاية تحتمل ثلاث قراءات، أو لنقل ثلاثة مستويات من القراءة:
في القراءة الأولى يبدو المشهد خاتمة إنسانية لرجل خرج من الحرب محطمًا.
وفي القراءة الثانية يظهر بوصفه اعترافًا طويلًا بالذنب.
أما القراءة الثالثة، فهي التي تمنح الفيلم فرادته، حيث تقود إلى منطقة أخرى تمامًا؛ منطقة تتعلق بتاريخ الفن الغربي منذ أكثر من ألفي عام؛ ففيه يقدم أوديسيوس تضحية كاملة، لكي يحصل مقابلها على السلام الداخلي.
الكاثارسيس: من تطهير الجمهور إلى خلاص البطل
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية في ظني.. فمنذ كتب أرسطو "فن الشعر"، ارتبطت التراجيديا بمفهوم الكاثارسيس، أو التطهير.. ومن وقتها أصبح المصطلح واحدًا من أكثر المفاهيم تداولًا في النقد والفلسفة وعلم النفس، حتى بدا مع الزمن كأنه وصف عام لكل تجربة إنسانية عميقة. غير أن العودة إلى النص الأرسطي تكشف معنى أكثر تحديدًا، وأكثر دقة.. فالتطهير عند أرسطو هدية يحصل عليها المشاهد. الجمهور هو الذي يدخل المسرح مثقلًا بالخوف والشفقة، ثم يغادر وقد تبدلت حالته النفسية. أما البطل، فيواصل دفع ثمن خطيئته حتى النهاية. فأوديب على سبيل المثال يعمي عينيه ويخرج من مدينته منفيًا، وأجاممنون يسقط تحت سيف الانتقام، وأنتيجون تدفن نفسها داخل القبر.
التراجيديا عند أرسطو تمنح الجمهور فرصة للتأمل في المصير الإنساني عبر مأساة شخص آخر، وكأن البطل يدفع الثمن نيابة عن الجميع. وبهذا المعنى تصبح تضحيته هدية يقدمها للجالسين أمام الخشبة، وكل دموعه وانكساره يتحولان في النهاية إلى خبرة يحملها المشاهد معه حين يغادر المسرح.
أما الفارق الذي يصنعه نولان فيبدأ من هذه النقطة تحديدًا.. حيث يختار أوديسيوس أن يحمل نتيجة تضحيته بنفسه.. بينما تتحول الرحلة كلها إلى عملية تطهير تخص صاحبها أولًا، ثم يأتي الجمهور شاهدًا على هذا التطهير، ومتابعًا لمراحله، ومراقبًا لتحولاته، بمنأى عن أن يصبح هو المقصود بها. ربما يبدو التغيير بسيطًا عند النظرة الأولى، ولكن حقيقة الأمر أنه يقلب البناء الأرسطي رأسًا على عقب. فحين يعترف أوديسيوس، يعترف من أجل نفسه أساسًا.. وحين يترك العرش، فهو يتركه لأنه يرى أن امتلاكه فقد اتساقه مع الرجل الذي أصبحه. وحين يبحر بعيدًا، فهو يبحث عن مصالحة مع ذاته أكثر مما يبحث عن نهاية سعيدة.
فأرسطو جعل التضحية جسرًا يعبر فوقه المشاهد نحو التطهير، بينما نولان جعلها جسرًا يعبر فوقه البطل نفسه. صحيح أن هذا التحول يكاد يمر خفيًا وسط ضجيج المعارك والمؤثرات البصرية وضخامة الإنتاج، ولكنه في رأيي يمثل أكثر القرارات جرأة داخل الفيلم كله.
وقبل أن نستمر في شرح هذا الطرح يجب أن أعترف هنا بأن المسرح الحديث قد سبق نولان في فتح هذا الباب في تاريخ الفن الدرامي، ومن أبرز نماذجه إبسن وتشيخوف، الذي بدأ يميل تدريجيًا نحو بطل يواجه نفسه أكثر مما يواجه قدرًا خارجيًا.. غير أنني أرى أن ما يميز نولان أنه يتجاوز هذا الميل العام ليعيده إلى النص الأرسطي نفسه، ويعيد توزيع مفهوم الكاثارسيس داخل بنية تراجيدية كلاسيكية بعينها، فيضع القديم والحديث وجهًا لوجه بدل أن يكتفي بأحدهما.
فالفن الإغريقي كان ينظر إلى البطل باعتباره قربانًا، وكل ما يصيبه يحمل قيمة لأنه ينعكس على الجمهور. أما نولان، فيعامل بطله باعتباره إنسانًا يبحث عن النجاة الروحية. التراجيديا هنا تتحول إلى رحلة علاج، والسقوط يتحول إلى مراجعة، والعقوبة تتحول إلى تضحية يختارها صاحبها بإرادته.
صحيح أن الاختلاف بين الفكرتين يبدو فلسفيًا، لكنه يمتد أثره إلى كل تفصيلة داخل الفيلم. حتى حصان طروادة نفسه يتغير معناه. ففي أغلب الأعمال السابقة يمثل الحصان لحظة الانتصار التي أثبتت عبقرية أوديسيوس. أما في فيلم نولان فيصبح أصل الجرح. بل إن الفكرة العسكرية نفسها تتحول إلى الخطيئة الأولى، ومن هذه اللحظة يبدأ مسار كامل من البحث عن التكفير.
أعتقد أن هذه النقطة تستحق التوقف طويلًا؛ لأن التضحية التي ينتهي إليها أوديسيوس تمثل قرارًا خالصًا، متجاوزة أي عقوبة قدرية، أو حكم إلهي، أو هزيمة عسكرية.
وهذا القرار يغير طبيعة الشخصية كلها. فإن كان البطل التراجيدي الكلاسيكي يسير نحو مصيره مدفوعًا بقوى أكبر منه؛ قدر، أو لعنة، أو نبوءة. وإن أوديسيوس نولان يصنع مصيره بنفسه. يعترف بإرادته، يتخلى بإرادته، ويرحل بإرادته. حتى السلام الذي يصل إليه يأتي بوصفه ثمرة اختيار طويل، مبتعدًا عن كونه مكافأة تمنحها السماء.
غير أن الإنصاف يقتضي، في ظني، تدقيقًا يجب الانتباه إليه: فأوديسيوس يصل إلى هذا القرار بعد أن يكسر مباشرة "قانون زيوس" -حرمة الضيافة- حين يذبح الخطاب في قصره. وهذا يعني أن رحيله يحمل، إلى جانب كونه اختيارًا، بعدًا يشبه العقوبة المستحقة، وظلًا من النفي يصعب محوه كليًا. لكنني أرى أن هذا التداخل بين الاختيار والاستحقاق يعمق الأطروحة ويثبتها؛ فالحرية الحقيقية عند نولان، كما فهمتها، تعني القدرة المباشرة على أن يختار الإنسان بنفسه طريقة دفعه للثمن، بدل أن ينتظر من يفرضها عليه. والفارق بين أوديب وأوديسيوس هنا، في اعتقادي، يتمثل في أن أحدهما يساق إلى عقابه، ويختار الآخر المشي إليه بقدميه، ويحوله - وهو في طريقه - إلى فعل خلاص.
خطايا أوديسيوس الست: ميزان الجريمة والتكفير
أعتقد أن تعداد خطايا أوديسيوس كاملة كفيل وحده بأن يفسر لماذا استحق عند نولان كل هذا الثقل الذي يحمله حتى النهاية. فالخطيئة الأولى، وهي أم الخطايا كلها، حصان طروادة؛ ذلك القربان الكاذب الذي حوّل هدية الضيافة إلى فخ للقتل، وكسر "قانون زيوس" الذي يقوم عليه العالم القديم كله، حين كان يفترض أن يفتح الباب أمام غريب طالب الحماية، ففتح أمام جيش طالب الدم. ثم تأتي الخطيئة الثانية حين ينهب هو ورجاله أول قرية يبلغونها بعد الرحيل عن طروادة، مكررًا الجرم نفسه ولو بحجم أصغر، آخذًا ما يفتقر لملكيته من مضيفين أضمروا له النوايا الحسنة.
أما الخطيئة الثالثة فتقع في كهف بوليفيموس، حين يقتحم هو ورجاله بيت الوحش دون إذن، ويأكلون طعامه، ثم يفقأ عينه بعد أن يفتك الوحش ببعض رجاله، حاصدًا بذلك عداوة بوسيدون نفسه، لأن الضحية هذه المرة ابنه.
وتتلوها الخطيئة الرابعة حين يذبح رجاله، رغم تحذيرات الآلهة، أبقار هيليوس المقدسة وهم على وشك الموت جوعًا، مهدرين حرمة إله الشمس طلبًا للنجاة.
أما الخطيئة الخامسة، وربما الأعمق أثرًا في نفسه، فهي تركه أكثر جنوده فاقدين لتكريم الدفن، هم الذين سقطوا محطة تلو محطة عاجزًا عن إيجاد الوقت أو القدرة على منحهم الطقوس التي يستحقونها؛ حتى إذا بلغ عالم الأموات، خرجت له أشباحهم من تحت الرمال السوداء لتطارده وتدفعه هو ورجاله الأحياء نحو الشاطئ هربًا، وكأن الموتى أنفسهم يطالبونه بدين ينتظر السداد.
وحين يصل أخيرًا إلى إيثاكا، تنتظره الخطيئة السادسة والأخيرة: مذبحة الخطاب في قصره، حيث يستعيد ملكه بالسيف مرة أخرى، مغلقًا دائرة العنف بالعنف نفسه الذي بدأ به الرحلة.
كل هذه الخطايا، إذا ما جُمعت، تشكل ميزانًا دقيقًا يزن ثقل ما يحمله أوديسيوس حين يقف أخيرًا أمام بينيلوبي معترفًا. فالتضحية التي يقدمها في الختام محاولة أخيرة لسداد حساب طويل، تراكم عبر البحر كله، جزيرة بعد جزيرة، وجثة بعد جثة.
إيثاكا: من جائزة العودة إلى ثمن النجاة
من هنا تخرج الأوديسة من عالم هوميروس، وتدخل عالم الإنسان الحديث. إنسان يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويبحث عن وسيلة للعيش معها، ويكتشف أن الطريق يمر عبر تضحية شخصية كاملة. وهنا تكتسب النهاية معناها الحقيقي؛ أوديسيوس يقدم المملكة قربانًا لذاكرته، متجاهلًا الآلهة تمامًا.
ولعل هذه هي المرة الأولى التي تتحول فيها إيثاكا نفسها من جائزة ينتظرها البطل طوال عشرين عامًا إلى الثمن الذي يدفعه كي يستعيد إنسانيته. هذا هو الفارق الذي يجعل أوديسة نولان إعادة كتابة لفكرة التطهير ذاتها، متجاوزة كونها مجرد إعادة كتابة لملحمة قديمة؛ إعادة توزيع للهدية التي تحدث عنها أرسطو قبل أكثر من ألفي عام. هدية انتقلت هذه المرة من الجمهور إلى البطل.
يصعب العثور في تاريخ التراجيديا على بطل يضحي من أجل راحته الداخلية. فالتضحية داخل المسرح اليوناني تحمل وظيفة اجتماعية وجمالية أكثر مما تحمل وظيفة شخصية. حيث نرى البطل يقف في قلب العاصفة، ثم يتلقى الضربة الأخيرة، فيتولد داخل المتفرج ذلك المزيج الذي وصفه أرسطو بالشفقة والخوف. المشاهد في هذه اللحظة يرى إنسانًا يشبهه، ثم يراه يدفع ثمن اختياراته كاملة، فيخرج من المسرح وقد اكتسب خبرة أخلاقية وانفعالية جديدة. بينما البطل، في هذه المعادلة، يشبه الجسر. الجميع يعبر فوقه. أما هو، فيظل حيث سقط.
هذه الصورة تكاد تتكرر في معظم التراجيديات الكبرى. أوديب يحمل خطيئته حتى آخر لحظة، وأنتيجون تدخل قبرها بإرادتها، وأجاممنون يستقبل موته داخل القصر الذي عاد إليه منتصرًا. يظل الألم محتفظًا بمكانه لدى هؤلاء الأبطال حتى إسدال الستار، غائبين عن أي مصالحة داخلية بالمعنى الحديث، لأن قيمة الألم تكمن في أثره داخل الجمهور.
أما نولان فيقلب هذه العلاقة من جذورها. فأوديسيوس يحمل الحرب داخله منذ المشهد الأول، ويحمل معها شعورًا متراكمًا بالمسؤولية عن الدم الذي سال في طروادة. هذا الشعور يرافقه في كل محطة، حتى يبدو البحر نفسه امتدادًا لذاكرته. كل جزيرة يرسو عندها تفتح بابًا جديدًا من أبواب الماضي، وكل لقاء يقوده خطوة إضافية نحو الحقيقة التي يحاول الوصول إليها. وتتمثل الحقيقة في الثمن بعينه، مبتعدة عن هوية القاتل أو وسيلة العودة.
كم يبلغ ثمن مدينة احترقت؟ كم يبلغ ثمن آلاف القتلى، سواء من أعدائه أو من رجاله الذين حرموا من تكريمه بدفنهم؟ كم يبلغ ثمن حصان واحد دخل المدينة بوصفه قربان سلام؟ الفيلم يقدم جوابًا مختلفًا عن كل الإجابات التي قدمتها الملحمة؛ الثمن يساوي حياة كاملة.
حين يصل أوديسيوس إلى إيثاكا، يحمل كل ما حلم به طوال عشرين عامًا. الزوجة تنتظره، والابن كبر، والعرش يستعد لاستقباله. في الملحمة الأصلية تمثل هذه اللحظة اكتمال الدائرة. في حين تمثل عند نولان بداية الحساب. فالانتصار يتحول إلى سؤال أخلاقي، والعودة تتحول إلى امتحان، والعرش يتحول إلى عبء.
من هذه اللحظة تبدأ التضحية في اكتساب معناها الحقيقي. ففي الوقت الذي نعتقد فيه أن أوديسيوس عاد ليمتلك كل شيء، يبدأ في التخلي عنه ببطء، كأن كل خطوة يتقدم بها نحو السلام الداخلي تستلزم ترك شيء خلفه. يعترف أولًا. ثم يسلم الحكم. ثم يختار الرحيل. تسلسل الأحداث يحمل دلالة شديدة الأهمية. فالاعتراف وحده يبدو قاصرًا، والندم وحده يظل عاجزًا، وبالتأكيد تقصر الدموع وحدها عن بلوغ الغاية. الفيلم يبحث عن فعل يوازي حجم الجريمة التي ارتكبها أوديسيوس، ويجد هذا الفعل في التضحية. كأن نولان يقول إن الإنسان يصل إلى السلام حين يصبح مستعدًا لدفع ثمن أخلاقي يساوي خطأه، أو يقترب منه قدر الإمكان.
وهذه الفكرة هي التي تمنح النهاية قوة استثنائية لأن التنازل عن العرش يحمل قيمة رمزية تتجاوز السياسة والسلطة.. فبينما نتابع رحلة البطل من البداية ندرك أن إيثاكا تمثل الحلم الذي تحركت من أجله الملحمة كلها، حيث كانت كل معركة وعاصفة وخسارة تقود مباشرة إلى هذه الجزيرة. وحين يصل البطل أخيرًا، فإنه يفتح يده ويترك الحلم يرحل.
هذه اللحظة وحدها تكشف مقدار التحول الذي صنعه نولان. فإذا كان هوميروس كتب ملحمة عن العودة، فإن نولان كتب فيلمًا عن الاستحقاق والتضحية.. فأوديسيوس حين يصل إلى الوطن، يسأل نفسه سؤالًا جديدًا: هل أستحق هذا الوطن بعد كل ما جرى؟ والإجابة تأتي عبر التضحية. هذا القرار يحول أوديسيوس من قائد عسكري إلى قاض يحاكم نفسه.. الحكم يصدر من داخله. والعقوبة يختارها بنفسه. والسلام يأتي نتيجة لهذا الاختيار.
عند هذه النقطة تحديدًا ينتقل الكاثارسيس من مقاعد الجمهور إلى قلب أوديسيوس. فالجمهور يشاهد رجلًا يتطهر، بينما كانت التراجيديا القديمة تمنح هذا التطهير للمشاهد نفسه بعيدًا عن البطل. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. التضحية التي اعتادت أن تصنع خلاص الآخرين، أصبحت تصنع خلاص صاحبها.
أوديب وأوديسيوس: مسافة بين اليقين المفروض والاختيار الواعي
المسافة بين أوديب وأوديسيوس تبدو لأول وهلة مسافة بين شخصيتين، بينما هي في حقيقتها مسافة بين تصورين كاملين للإنسان. فأوديب يكتشف الحقيقة، ثم يعيش داخلها حتى النهاية. هنا تأتي المعرفة بوصفها قدرًا، ويرافقها العقاب بوصفه الوجه الآخر للحقيقة. وهذه النهاية تترك أثرها العميق في الجمهور، لأن أوديب يتحول إلى مرآة يرى الناس فيها هشاشتهم أمام القدر.
أما أوديسيوس عند نولان فينتمي إلى زمن آخر. حيث تسكنه الحقيقة منذ البداية وتلازمه خطواته كلها، بدلًا من هبوطها المفاجئ عليه. هو يعرف تمامًا ماذا فعل، ويعرف أن حصان طروادة فتح بابًا أغلق تاريخًا كاملًا وفتح تاريخًا آخر. فالمعرفة هنا تسبق الرحلة، أما الرحلة نفسها فتبحث عن وسيلة للعيش مع هذه المعرفة.
وهذا اختلاف يغير طبيعة الدراما كلها. فالتراجيديا اليونانية تنطلق من سؤال: ماذا يحدث حين يكتشف الإنسان الحقيقة؟ أما نولان فينطلق من سؤال آخر: كيف يعيش الإنسان بعد أن يكون قد عرف الحقيقة بالفعل؟ وفي رأيي أن هذا السؤال يحمل روحًا معاصرة بامتياز.
القرن الحادي والعشرون انشغل طويلًا بآثار الصدمة، وبالندم، وبالذاكرة، وبالشعور المزمن بالذنب. فالتحليل النفسي وأدبيات العلاج جعلت الإنسان يهتم بما يحدث بعد الكارثة أكثر من اهتمامه بالكارثة نفسها. لهذا تبدو أوديسة نولان ابنة عصرها. فالحرب تنتهي قبل بداية الفيلم، أما آثارها فتبدأ مع اللقطة الأولى. وتمثل كل محطة من الرحلة مرحلة خالصة من مراحل التعامل مع الذنب. فكاليبسو تمنح أوديسيوس مساحة للهروب، وبينيلوبي تمنحه مساحة للاعتراف، والتنازل عن العرش يمنحه مساحة للفداء، ثم يأتي الرحيل ليمنحه مساحة للحياة من جديد.
وفي رأيي أن هذا البناء يقترب كثيرًا من أن يكون رحلة علاج طويلة؛ الجلسة الأولى تمنح المريض فرصة للحديث، الجلسات التالية تستدعي الذاكرة، ثم تأتي مواجهة الذات، ثم يبدأ التغيير في السلوك، ثم يولد إنسان جديد يحمل التجربة كلها داخله. هذه المراحل تكاد تظهر في الفيلم بالتسلسل نفسه.
وهنا أعود للسؤال الذي طرحته في البداية: هل ما شاهدناه ما زال تراجيديا؟ أم أننا أمام شكل جديد يستخدم أدوات التراجيديا ويصل إلى غاية مختلفة؟ والإجابة في ظني تكمن في التضحية مرة أخرى. فإذا كانت التراجيديا الكلاسيكية تنتهي حين يسقط البطل، فإن نولان يبدأ من سقوط البطل. فهذا السقوط يتحول إلى نقطة انطلاق، وكل ما يأتي بعده يمثل محاولة لإعادة بناء الإنسان. واعتقد أن هذه الفكرة تكاد تغيب عن المسرح الإغريقي، بينما تحضر بقوة في السينما الحديثة.
فالإنسان المعاصر يبحث عن إمكانية النجاة، بينما اليوناني القديم كان يبحث عن معنى المصير. والفارق بين السؤالين هو الفارق بين أوديب وأوديسيوس: أحدهما يحمل العقوبة، والآخر يحمل مسؤولية إصلاح ما يستطيع إصلاحه. لهذا تبدو تضحية أوديسيوس نولان قرارًا واعيًا أكثر منها استجابة لحكم أعلى، وهذا الاختيار يغير تعريف البطولة نفسه؛ فالبطل القديم ينتصر على خصومه، بينما البطل الحديث ينتصر على رغبته في الاحتفاظ بكل شيء.
أبطال نولان: تكرار فلسفة التضحية والبحث عن المعنى
ومن المدهش أن هذه الفكرة تتكرر في سينما نولان بصورة لافتة: دوم كوب في Inception يترك العالم الذي صنعه بنفسه، ويختار العودة إلى الواقع مهما بلغت قسوته. كوبر في Interstellar يترك أبناءه لإنقاذ مستقبلهم، ثم يعود وقد دفع عمره ثمنًا لهذا القرار. بروس واين في The Dark Knight Rises يضع حياته كلها في كفة، والمدينة في الكفة الأخرى، ثم يختار المدينة. وأوبنهايمر يحمل مشروعه العلمي حتى النهاية، ثم يعيش بقية عمره داخل دائرة السؤال الأخلاقي الذي صنعه بنفسه.
كل هؤلاء يخسرون شيئًا جوهريًا، وتتحول خسارتهم إلى طريق للمعنى. غير أن أوديسيوس يذهب أبعد من الجميع. فكل الأبطال السابقين يضحون من أجل فكرة، أو مدينة، أو مستقبل، بينما يضحي أوديسيوس من أجل استعادة إنسانيته.
وفي رأيي أن هذه الإضافة تمنح الفيلم بعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود الاقتباس الأدبي. إنه يستخدم هوميروس كي يناقش سؤالًا معاصرًا: كيف يمكن لإنسان ارتكب فعلًا يطارده طوال حياته أن يستحق السلام مرة أخرى؟
ومن جديد يأتي جواب نولان عبر التضحية. بينما جواب أرسطو كان يأتي عبر التراجيديا. وبين الجوابين تمتد أكثر من ألفي سنة من تطور فكرة الإنسان نفسها.
أوديسيوس
أوديسيوس
أوديسيوس
أوديسيوس
زين العابدين خيري
أوديسيوس
أوديسيوس
أوديسيوس
أوديسيوس
أوديسيوس
أوديسيوس