يُقال في المثل العربي الشهير "أهل مكة أدرى بشعابها" كدلالة على القدرة على امتلاك المعرفة بالأمور وأصولها وتفاصيلها، ويرجع هذا المثل الحجازي الأشهر إلى الطبيعة الجغرافية لمكة المكرمة؛ حيث تقع بين الجبال التي تلفها من كل جانب، وتتفرع فيها طرق وأودية ضيقة يطلق عليها الشعاب، وكان الزائر أو الوافد إلى مكة غالبًا ما يضل طريقه بسهولة بين تلك الجبال والشعاب الوعرة الضيقة، فكان دائمًا في حاجة لمساعدة أو إرشاد من أهل مكة حتى يستطيع بلوغ مبتغاه؛ حيث هم يعرفون دهاليز الطرق والممرات بين الجبال والتغلب على وعورتها وموانعها الطبيعية الحصينة، ومن هنا نشأ وتطور هذا المثل البليغ وأصبح عابرًا للزمن تتداوله الأجيال عبر العصور في كل الدول متجاوِزًا حدود المملكة ومتخطيًا الحاضنة البيئية والثقافية للأرض المقدسة؛ ليكون رمزًا للمعرفة وقوة الحجة ودلالة على الخبرة بأدق التفاصيل في الأمور وتعقيداتها.
وحين تستضيف مكة المكرمة قبل أيام مراسم التوقيع على اتفاقية دفاعية تجمع المملكة السعودية وتركيا وباكستان، فإن هذا الحدث المهم لا يخلو من رمزية لقداسة المكان ودلالة لا يمكن تجاهلها في أن اختيار مكة لتكون حاضنًا للإعلان عن هذا التحالف العسكري الردعي بين 3 دول إقليمية وازنة، يعيد إلى الذاكرة أن أرض الحرمين الشريفين ستظل عصية على الغزاة والطامعين، فهي أرض تيه وهلاك إلا لأهلها الذين هم أدرى بشعابها وقادرون على حمايتها والذود عنها.
والحقيقة الدقيقة التي جاءت بها هذه الاتفاقية تؤكد أن ثمة واقعًا أمنيًا جديدًا فرضته جبال الأزمات التي ابتُليت بها المنطقة، وخريطة تتشكل لموازين القوى بفعل الأحداث الجارية ونتاج 3 سنوات من الحرب على غزة وإيران شهدت تطورات جيوسياسية ألقت بظلالها وتداعياتها على دول المنطقة كافة وعلى دول الخليج خصوصًا، والتي تعرض فيها الأمن القومي الخليجي لتهديدات غير مسبوقة، وقد كان يُعتقد أن التهديد التقليدي يأتي من إسرائيل فإذا به يأتي أيضًا من إيران التي أصبحت تشكل خطرًا كبيرًا بعد السيطرة على مضيق هرمز واستخدامه ورقة ابتزاز للعالم وتهديدًا للخليج، وسعيها مؤخرًا عبر وكلائها لتهديد الملاحة في باب المندب مما عرض أمن ومقدرات دول الخليج والمملكة خاصة لخطر غير مسبوق، علاوة على دأبها مهاجمة دول الخليج منذ اندلاع الحرب مع أمريكا وإسرائيل إذ تعرضت خلالها المملكة إلى نحو ألف هجوم بالصواريخ والمسيرات على أصول وموانئ وحقول نفطية، ورغم نجاح الدفاعات السعودية في إسقاط وإفشال هذه الهجمات، إلا أن المملكة تحلت بالصبر الإستراتيجي إيمانًا منها بالعمل الدبلوماسي ودعم المساعي السلمية لحل الأزمة الراهنة وعدم إشعال المنطقة بحرب واسعة تحرق الأخضر واليابس وتفتح الباب أمام أطماع القوى الأجنبية للتدخل في الشئون الداخلية.
وأعتقد أن اتفاقية مكة الدفاعية التي تؤسس لآلية الدفاع المشترك جاءت لتحقق هذا الهدف الاستراتيجي الأسمى عبر مسارين؛ الأول دعم الإستقرار والسلام عبر القوة في المنطقة، والثاني بناء منظومة دفاع عسكري لردع مثل هذه المغامرات العدائية التي تنال من أمن واستقرار وسيادة دول الاتفاق وأولهم المملكة السعودية، حيث يوفر الاتفاق فرصًا للتعاون العسكري وتطوير صناعة الأسلحة عبر تبادل الخبرات في الدول الثلاث التي تتمتع بخبرات كبيرة ومتقدمة في الصناعات العسكرية، فقد أثبتت التطورات الجيوسياسية الأخيرة بالمنطقة ضرورة التحوط لمخططات التوسع التي يروج لها اليمين المتطرف الإسرائيلي الذي يسعى لإقامة ما يسمى بإسرائيل الكبرى وسعيه الخفي والمعلن إلى تأجيج الأزمات وتوسيع احتلال الأراضي، فقد قالها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو قبل أسابيع ويكررها مرارًا أن إسرائيل نجحت في القضاء على المحور الشيعي في المنطقة وتعمل حاليًا على إجهاض المحور السني الذي يتشكل، في إشارة إلى تحالف تركيا والسعودية وباكستان.
ولعل الإعلان عن اتفاقية مكة سيشعل عداء إسرائيل أكثر مما سبق وستسعى لإفسادها، ومن يطالع الصحافة الإسرائيلية ومعالجتها للاتفاقية سيرصد حجم الانزعاج الإسرائيلي والتحريض السافر ضد الاتفاقية مما يشير إلى أن رسالتها وصلت وأن هذا الكيان المحتل لن يروق له مثل هذا التحالف الذي يتصدى لمخططاته في ضرب استقرار المنطقة وإفساد أي محاولة لدعم السلام والاستقرار، وبنفس الدرجة من الأهمية الاستراتيجية يحمل الاتفاق رسالة ردع ضد مخططات إيران لتوسيع نفوذها في المنطقة على حساب الدول الخليجية وتهديد أمنها القومي وفي القلب منها المملكة السعودية، وهو ما لم يخفه مسئولون في مجلس الأمن القومي الإيراني الذين سارعوا إلى مهاجمة الاتفاقية فور الإعلان عنها. ولا شك أن هذا الانزعاج والرفض سواء جاء من تل أبيب أو من طهران فهو دليل قاطع على أهمية هذه الاتفاقية وأن رسالتها الردعية قد وصلت وأوجعت.
وفي تقديري أن هذا التحالف الوليد ربما يتوسع في القريب ليشمل العديد من دول المنطقة في ظل ما ستسفر عنه التطورات الجيوسياسية ووجود رغبة مشتركة بين الدول الإقليمية المحورية لقطع الطريق أمام دعاة الحروب والحالمين بأوهام التوسع، فقد بدأ حلف الناتو على سبيل المثال عام 1949 بـ 12 دولة فقط ثم توسع لاحقًا مع تطور الأحداث وتغير موازين القوى ليصل إجمالي عدد أعضائه حاليًا إلى 32 دولة.
وفي المقابل ربما يرى البعض أن هناك تحديات قد تواجه هذا التحالف الوليد، وهذا وارد وطبيعي في مثل هذه التحالفات، لكن في ظل وجود إرادة قوية للدول الثلاث يمكن التغلب على مثل هذه التحديات وبعضها قد يكون معقدًا خصوصًا في ظل وجود تباين في المصالح الإقليمية لأطراف الاتفاق وتعدد الارتباطات والتحالفات والاتفاقيات التي تجمع كل دولة مع دول أخرى، ثم يضاف إلى ذلك تباين العقيدة القتالية بين الجيوش الثلاثة واختلاف التهديدات التي تواجه كل دولة سواء كانت أزمات حدودية تؤرق باكستان مع الهند أو اهتمام تركيا بملفات شرق المتوسط وتوسيع مجالات النفوذ وارتباطها بحلف الناتو، فيما تركز المملكة على قضايا الأمن والاستقرار الخليجي ومحيطها العربي والإقليمي، ولا شك أن هناك خيطًا يمكن أن يجمع هذه القوى الإقليمية المحورية خصوصًا في مجالات التصنيع العسكري وتبادل المعلومات والخبرات مع امتلاك الدول الثلاث فائضًا كبيرًا من القوة العسكرية والاقتصادية والتي يمكن أن توفر سبل النجاح والتطور لهذا التحالف وجعله بالفعل قوة ردع وسلام لشعوب المنطقة.
المؤكد أننا أمام تحولات كبرى في المنطقة وبزوغ التحالف الجديد أحد أبرز ملامحها بعد أن ثبت بالدليل العملي القاطع أن بناء القدرات الذاتية الشاملة للدول هو أهم سلاح لتحصين الأوطان ضد أطماع القوى الأجنبية.
حفظ الله أرض الحرمين الشريفين.
[email protected]