على جانبي الحدود المصرية الشرقية في سيناء عند مدن مثل العريش، ورفح، نشأت علاقات قرابة ومصاهرة وترابط على مدى عشرات السنين بين المواطنين المصريين ونظرائهم في فلسطين، وتظهر هذه الروابط في التلاحم المجتمعي والدعم المستمر والتواصل والتراحم المتبادل بين الشعبين في مختلف الظروف والحروب والأوقات والأزمات.
ومع استمرار الصراع والحروب المروعة التي تشنها الصهيونية على الأشقاء في فلسطين، لم تتوقف الجهود المصرية، سواء الرسمية أو الشعبية، عن تقديم يد العون والغوث والمساعدة الواجبة عليهم لإخوانهم القادمين من فلسطين، حيث تستقبل المستشفيات المصرية دومًا الجرحى والمرضى الفلسطينيين القادمين من قطاع غزة لتلقي العلاج، وتوفر لهم الرعاية الطبية والإنسانية بالتنسيق مع الجهات المعنية والهلال الأحمر المصري عبر معبر رفح البري، حيث تجري لهم الفحوصات الأولية، وتنقل الحالات إلى مستشفيات محافظة شمال سيناء أو المستشفيات المتخصصة في المحافظات المصرية الأخرى حسب الحالة الصحية، كما يرافق الهلال الأحمر المرضى منذ وصولهم لتقديم الدعم الإنساني والإغاثي حتى إتمام العلاج وترتيب عودتهم عند التعافي.
والظاهرة الجديدة التي تواجه الجهود الطبية هناك، هي حالات من الإصابات يتعرض لها النساء، لم يواجهها القطاع الطبي من قبل، أو ما يسمي ب "الجريمة الصامتة"، بسبب القنابل الفوسفورية في الحرب على القطاع والتي تؤدي إلى قتل الاجنة في ارحام السيدات بسبب استنشاق الفوسفور الأبيض، بعد أن اكتظت سماء القطاع بالسموم لتحول أجساد النساء وأرحامهم إلى مقابر للأجنة، إضافة إلى إحداث تشوهات للأرحام بسبب المخاطر شديدة السمية، المسببة للحروق العميقة، ومضاعفات كارثية تهدد حياة الأم والجنين، لتتحول فرحة السيدات الحوامل بالأمومة إلى كابوس ومأساة.
والفوسفور الأبيض أخطر أثرًا وتدميرًا من قنابل النابالم الحارقة، ولديه قدرة تدميرية هائلة، وهناك العديد من الجرحى المصابين بحروق جسيمة بسبب هذا الفسفور، وتم نقلهم إلى مصر للعلاج، خاصة إذا كانوا بحاجة إلى رقع جلدية، حيث مستشفيات غزة لا يمكنها توفير الرعاية الملائمة.
وقال طبيب في القاهرة يعالج سكان غزة لـ هيومن رايتس ووتش: "لدينا الكثير من الحروق، في واقع الأمر هي حروق كيماوية، وأغلبها حروق من الدرجة الثالثة، وهي تبدو كيماوية وليست بالحروق العادية، إذ لا يوجد جلد على الحرق وأحياناً لا توجد عضلات".
أين تذهب السيدات الحوامل من هواء غزة المعبأ بأكسيد المتفجرات والفوسفور الأبيض وغبار القنابل، تستنشقها الحوامل، حيث ينوه المدير العام للسجل المدني خليل العطار إلى السجلات المطوية، إلى أن ما حدث يتجاوز مفهوم الخسائر البشرية التقليدية، إنه هبوط حاد وغير مسبوق في المنحنى البياني الديموغرافي لقطاع غزة، لعقود طويلة، فقد تميز القطاع بمعدلات خصوبة عالية، حيث النمو السكاني كآلية دفاع مجتمعية، لكننا نشهد الآن هبوطاً قياسياً نتيجة الارتفاع الحاد في معدلات الإجهاض وموت الأجنة، والعقم البيولوجي الناجم عن الصدمات والمجاعة وتلوث البيئة.
وتكشف أجهزة الكشف، أن الأجنة في الأرحام لا تظهر كما تظهر الأجنة العادية، حيث يبدو كائناً غريباً، فالجمجمة غير مكتملة، والأطراف مشوهة وضامرة، والقلب الصغير يخفق بإيقاع مرتعش ومتقطع، وهناك حالات لأجنة بلا رأس كما تظهر اجهزة الفحص لكثير من النساء، وبشهادة الأطباء هناك، فإن هذا كله بسبب استنشاق النساء الحوامل يومياً الأدخنة الكثيفة والغازات السامة التي تنبعث من المتفجرات والفوسفور الأبيض.
والمؤكد أن ما يفعله الكيان الصهيوني ويحسبه خيرًا، بل هو شر، وهو أحد ما فعله هذا الكيان مع زلزال فنزويلا مؤخرًا، حيث استغل الزلزال في كاراكاس لأغراض دعائية، والدافع هو إحساس هذا الكيان السرطاني الصهيوني، بالعزلة على الساحة الدولية، والتي تتزايد كل يوم، ومحاولاتها اليائسة لتوطيد أي علاقات ممكنة، مثلما حدث في الزلزال الذي شهدته فنزويلا في أمريكا اللاتينية، فعلى الرغم من انقطاع العلاقات الدبلوماسية، بين الكيان وفنزويلا، منذ عام 2009، إلا أن حكومة الاحتلال أرسلت وفداً من وزارة الخارجية وقيادة الجبهة الداخلية التابعة للجيش لتقديم "المساعدات والاستجابة للكوارث، بإشراف سفير الكيان لدى المكسيك، بالترويج لجهود الإنقاذ الإنسانية، في تناقض صارخ مع دورها في غزة، حيث قتل هذا الكيان أكثر من 73 ألف شخص منذ أكتوبر 2023، وتحول قطاع غزة إلى ركام، ولم يهتم بإزالة أنقاض قطاع غزة القريب منه، وبسببه، إلا أنه يهتم بازالة أنقاض زلزال فنزويلا التي تبعد آلاف الأميال عن فلسطين المحتلة.
هذا الكيان يحمل في ذاته وداخله، أسس فنائه، كما بدأ غريبًا عن المكان والمجتمع العربي، سيرحل ويفنى غريبًا وقريبًا ايضًا، فالعزلة تتزايد، حيث نشأ كيانًا لديه طاقة فنائه الذاتية بداخله، فهو كيان يثير دومًا المشاعر المعاكسة لكل ماهو إنساني..
"أليس الصبح بقريب".
[email protected]