ثرواتنا في الخارج

11-8-2026 | 10:19

في عالم تتغير فيه معايير القوة، لم تعد ثروات الدول تُقاس فقط بما تختزنه الأرض من موارد، ولا بما تملكه الخزائن من احتياطيات، وإنما بما تمتلكه من عقول بشرية، وشبكات تأثير، وقدرة على الحضور خارج حدودها. وفي هذا السياق، تبدو الجاليات الوطنية المنتشرة في الخارج أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تراكمها الدول وتبني عليها سياساتها الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية. ومن هنا، فإن المصريين في الخارج لا يمثلون مجرد تجمعات سكانية غادرت الوطن بحثًا عن فرص أفضل، وإنما يشكلون امتدادًا طبيعيًا للدولة المصرية، وقوة ناعمة تتجاوز في تأثيرها الحدود الجغرافية، وشريكًا أصيلًا في معادلة التنمية.

مستوى غير مسبوق للتحويلات 

وتتحدث الأرقام بلغة لا تقبل التأويل. فوفقًا لتقديرات البنك الدولي بلغت تحويلات المصريين في الخارج نحو 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يعكس الوزن الحقيقي لهذه التحويلات في الاقتصاد الوطني. والأهم من ذلك أن هذه التدفقات لم تتوقف عند حدود الاستقرار، بل شهدت نموًا استثنائيًا، بعدما تجاوزت 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، ثم واصلت صعودها خلال عام 2026 لتصل إلى نحو 56.3 مليار دولار حتى يوليو الماضي، وهو أعلى مستوى في تاريخها. وقد رأى صندوق النقد الدولي في هذا التعافي انعكاسًا مباشرًا لاستعادة الثقة في السياسات النقدية والقنوات الرسمية بعد توحيد سعر الصرف، بما يؤكد أن استقرار الاقتصاد الكلي ينعكس سريعًا على سلوك المصريين في الخارج وثقتهم في وطنهم.

الثقة في السياسة النقدية 

ولعل احتلال مصر المرتبة السابعة عالميًا في تحويلات العاملين بالخارج لا يمثل مجرد تصنيف دولي، بقدر ما يعكس حجم الطاقة الاقتصادية التي يمتلكها نحو 11 مليون مصري يعيشون ويعملون في مختلف أنحاء العالم. 

*المعرفة والخبرة*

غير أن اختزال دورهم في بند التحويلات المالية وحده يحمل قدرًا من الظلم لهذه الثروة الوطنية. فالمال، مهما بلغت أهميته، يظل أحد وجوه القيمة التي يمثلها أبناء مصر في الخارج، بينما تبقى القيمة الأكبر كامنة في المعرفة والخبرة والعلاقات الدولية التي اكتسبوها عبر سنوات طويلة من العمل والنجاح في جامعات العالم، ومراكزها البحثية، وشركاته الكبرى، ومؤسساته الاقتصادية.

*شركاء التنمية *

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار اليوم ليس: كيف نحافظ على تحويلات المصريين بالخارج؟ بل: كيف نحول هذه الجاليات إلى شريك دائم في إنتاج المعرفة، وجذب الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري؟

*مبادرات ولكن *

لقد قطعت الدولة المصرية خطوات مهمة في هذا الاتجاه، سواء عبر المبادرات الاقتصادية التي أتاحت للمصريين بالخارج فرص المشاركة في المشروعات العقارية، أو من خلال مبادرة “مزرعتك في مصر”، والتيسيرات الخاصة باستيراد السيارات، وهي مبادرات حملت رسالة واضحة مفادها أن الدولة تنظر إلى أبنائها بالخارج باعتبارهم شركاء في التنمية لا مجرد مصدر للعملة الأجنبية.

وفي الوقت نفسه، برز الاهتمام بربط الأجيال الجديدة من أبناء المصريين في الخارج بجذورهم الوطنية، من خلال منصات تعليمية وتفاعلية مثل “مدرستك في مصر”، إدراكًا بأن الحفاظ على الهوية الوطنية لا يقل أهمية عن الحفاظ على الروابط الاقتصادية، وأن قوة أي جالية تبدأ من قدرتها على الاحتفاظ بانتمائها الثقافي والحضاري مهما ابتعدت المسافات.

*رؤية متكاملة *

لكن المرحلة المقبلة تتطلب ما هو أبعد من المبادرات المتفرقة. إنها تحتاج إلى رؤية مؤسسية متكاملة تجعل من خبرات المصريين بالخارج جزءًا من عملية صنع التنمية نفسها. فالدول التي نجحت في الاستفادة من جالياتها لم تكتفِ بدعوتهم إلى المؤتمرات أو الاحتفاء بنجاحاتهم، وإنما أنشأت قواعد بيانات دقيقة لكفاءاتها، وربطتها بمراكز البحث العلمي، والجامعات، والمناطق الصناعية، والشركات الوطنية، بحيث يصبح انتقال المعرفة عملية مؤسسية مستمرة، لا جهدًا فرديًا أو مناسبة موسمية.

وفي هذا السياق، يكتسب تنظيم النسخة السابعة من مؤتمر المصريين في الخارج أهمية خاصة، لأنه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن العلاقة مع أبناء الوطن في الخارج يجب أن تنتقل من إطار التواصل إلى إطار الشراكة. فالمؤتمرات تفتح أبواب الحوار، لكن النجاح الحقيقي يقاس بما ينتج عنها من سياسات وآليات تنفيذية وبرامج مستدامة.

*تطوير الخدمات *

ولا تكتمل هذه الشراكة إلا بتطوير الخدمات المقدمة للمصريين بالخارج. فسرعة إنجاز المعاملات القنصلية، واستكمال رقمنة الخدمات، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية والتأمينية، وإتاحة خدمات المعاشات الرقمية والتأمين الطبي، ليست مجرد تحسينات إدارية، وإنما رسائل سياسية وإنسانية تؤكد أن الدولة لا تنقطع صلتها بمواطنيها أينما كانوا، وأن اهتمامها بهم واجب أصيل وليس منحة أو استثناء.

*قوة مصر الناعمة *

إن المصريين في الخارج ليسوا مجرد جاليات تحمل جواز سفر مصري، وإنما يمثلون صورة مصر في العالم، وسفراءها غير الرسميين، وجسرًا للتواصل الاقتصادي والثقافي والعلمي مع مختلف الدول. وكل طبيب أو عالم أو مهندس أو مستثمر مصري يحقق نجاحًا في الخارج يضيف، بصورة أو بأخرى، إلى رصيد القوة الناعمة المصرية.

ولذلك، فإن المستقبل يفرض الانتقال من التفكير في المصريين بالخارج باعتبارهم مصدرًا للتحويلات، إلى النظر إليهم باعتبارهم ثروة بشرية واستراتيجية متكاملة. فالدول تُبنى بالأموال، لكنها تتقدم بالعقول، وحين تنجح مصر في تحويل خبرات أبنائها المنتشرين في العالم إلى جزء من مشروعها التنموي، فإنها ستكون قد استثمرت في أغلى ما تملك: الإنسان المصري، داخل الوطن وخارجه.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة