12-8-2026 | 11:53

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى معجزة كي يبدأ من جديد، وإنما يحتاج فقط إلى لحظة صادقة مع نفسه، يقول فيها: «كفاية.. أنا عايز أرجع لنفسي». 

فالجروح لا تختفي بمجرد أن نقرر نسيانها، والسنوات الصعبة لا تمحى من الذاكرة، ولا نستطيع أن نستيقظ ذات صباح فنجد أنفسنا كما كنا قبل الألم. نحن نعود بالتدريج؛ نضمد جراحنا، نلتقط أنفاسنا، ونتعلم من جديد كيف نضحك، ونثق، ونحب الحياة. 

كثيرون يبتعدون عنك في لحظات التعب، ومنهم من يحول ضعفك إلى حكاية يتداولها الآخرون. لكن هناك أيضًا من يقترب أكثر؛ لا يسألك لماذا سقطت، ولا يعايرك بما حدث، وإنما يمد يده إليك حتى تستطيع الوقوف. 

هنا يظهر معدن الأشخاص الحقيقيين؛ الأصدقاء والعائلة ومن يحبوننا بصدق. 

وربما لهذا السبب توقفت طويلًا أمام عودة شيرين عبدالوهاب. لم أرَ في عودتها مجرد فنانة تعود إلى المسرح بعد غياب طويل، وإنما شاهدت شيرين الإنسانة قبل الفنانة. رأيت امرأة مرت بسنوات لم تكن سهلة، وعاشت كثيرًا من تفاصيل حياتها تحت أعين الناس وأحكامهم، وابتعدت عن جمهورها فترة، ثم قررت أن تعود. 

وحين ظهرت على مسرح حفلها في الساحل الشمالي، يوم الجمعة 7 أغسطس، شعرت أن المشهد أكبر من مجرد حفلة. 

كان هناك جمهور ضخم ينتظرها، يهتف لها، ويحيط عودتها بمحبة واضحة، وكأن آلاف الأصوات تقول لها: «وحشتينا.. حمد لله على السلامة». 

وهذه المحبة ربما كانت أهم من أي تقييم فني. فالإنسان عندما يعود من وجع طويل لا يحتاج إلى من يبحث عن أخطائه، وإنما يحتاج إلى كلمة طيبة، وإلى من يشعره بأنه ما زال محبوبًا. 

وهذا ما لفت نظري في حفلها. أصدقاء وزملاء من الوسط الفني كانوا حولها، وبناتها، ومواقف حملت دعمًا حقيقيًا. ومنها موقف الفنان محمود الليثي، الذي لفتني بما فيه من جدعنة، وكأنه يذكرني بقصة «معبودة الجماهير» لشادية وعبدالحليم حافظ، رحمهما الله. 
فالجدعنة لا تقاس بالكلام، وإنما بأن تكون موجودًا عندما يحتاجك صديقك، وأن تفرح بوقوفه من جديد، بدلًا من أن تذكره كل يوم بالأيام التي سقط فيها. 

نعم، ربما لم يكن صوت شيرين في الحفل بالقوة التي اعتدناها منها، وربما كانت طاقتها لا تزال في طريقها إلى التعافي، لكنني لم أجد في ذلك ما يستحق القسوة. على العكس، رأيت إنسانة تحاول.. وكانت جميلة. 

ومحاولة الإنسان أن يقف بعد فترة طويلة من التعب تستحق الاحترام. الصوت يحتاج إلى وقت، والقلب يحتاج إلى وقت أطول، والإنسان لا يستعيد نفسه بضغطة زر. 

لكنني رأيت في ضحكة شيرين شيئًا أحببته جدًا. رأيت لمحة من المرأة التي نعرفها؛ خفة ظلها، ورغبتها في الحياة. وهذا في حد ذاته انتصار. 

هناك أوجاع لا يصح أن تتحول إلى مادة للسخرية، ولا يجوز أن نختصر إنسانة كاملة في أخطائها أو قراراتها أو سنواتها الصعبة. 

شيرين إنسانة قبل أن تكون فنانة. امرأة لها قلب ومشاعر وبنات ينتظرنها، ولها حياة من حقها أن تستعيدها. 

ومن هنا تأخذ حكاية شيرين معنى أوسع، يتعلق بكل امرأة أعطت أكثر مما ينبغي، أو ظلت في علاقة تستنزفها لأنها كانت تظن أن الحب وحده قادر على إصلاح كل شيء. 

الحب جميل، ولكنه وحده لا يكفي 
الزواج أمان واحترام واحتواء ورحمة وشراكة. والشخص الذي نختاره ليكون شريك حياتنا يجب أن يكون سكنًا نعود إليه عندما نتعب، لا عبئًا يثقلنا. يجب أن يفرح بنجاحنا، ويحتوينا في ضعفنا، ولا يستخدم نقاط ضعفنا. 

«مراية الحب عمياء»، فنرى فيمن نحبه ما نتمنى أن يكون موجودًا، ونغض الطرف عن أشياء كان يجب أن نتوقف أمامها منذ البداية. 

نعطي فرصًا كثيرة، ونسامح كثيرًا، ونبرر، ثم نكتشف أننا كنا نبحث عن الاحتواء في المكان الخطأ. 

وربما أهم ما نتعلمه من التجارب المؤلمة هو ألا نفقد أنفسنا. 

لا أحد يستحق أن نخسر حياتنا من أجله، ولا يوجد حب حقيقي يجعلنا أقل من أنفسنا. الحب الحقيقي يجعلنا أكثر أمانًا وطمأنينة، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة. 

ولهذا أتمنى أن تكون عودة شيرين هذه المرة مختلفة. أن تعود وهي تعرف قيمتها، وتهتم بصوتها وصحتها وراحتها، وتختار كل ما يضيف إليها، لا ما ينتقص منها. أن يحيط بها من يرفعها، لا من يهدمها، ومن يمنحها الأمان، لا من يستغل ضعفها. 

فالإنسان، مهما طال به الطريق، يستطيع أن يعود. قد نتعب، وننكسر، ونخطئ في الاختيار، لكن الحياة لا تنتهي عند هذه النقطة. وأحيانًا تكون أجمل بداية هي تلك التي تأتي بعد أصعب نهاية. 

ولهذا، وأنا أتابع شيرين في حفلها، لم أكن أنتظر منها أن تكون بكامل قوتها. كنت أنتظر فقط أن أراها واقفة أمام جمهورها، تضحك، تغني، تحاول وهذا يكفي الآن. 

أما الصوت القوي والطاقة التي اعتدناها منها، فعلى يقين أنها ستعود. ربما تحتاج إلى وقت، لكنها ستعود؛ لأن الفنان الكبير قد يتعب صوته، لكن روحه لا تنطفئ. 

أراهن على الأيام القادمة، وعلى الفنانة التي أمتعتنا لسنوات، وعلى الإنسانة التي تستحق أن تعيش بقية عمرها في سلام. 

وربما تكون أجمل رسالة في عودة شيرين أن الإنسان يستطيع أن يبدأ مرة أخرى. ليس عليه أن يكون كما كان، يكفي أن يكون أفضل مما كان، وأن يأخذ ما تعلمه من وجعه ويترك الوجع نفسه خلفه، ويفتح بابًا جديدًا للحياة ويقول لنفسه ما زلت هنا وشيرين كانت هنا. 

وهذه العودة وحدها تستحق الاحتفال.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة