ثمة خيبات أمل، وشعور بالعجز في مواجهة عواصف الحياة، مثلما روعتنا الأوبئة، التي اقتحمت عالمنا، مثل كوفيد، واختطفت منا أحبتنا. ولا زال جرح فلسطين ينزف، والهجرة غير الشرعية تستمر في القذف بشباب جميل للموت على شواطئ أوروبا. ولم تزل الحروب التي لا تنتهي تأخذ العالم ومنطقتنا رهينة، وتلقي بالكثيرين في متاهة "اللايقين".
وفي مثل هذه اللحظات يتساءل الإنسان: هل يستحق الطريق كل هذا العناء؟ وهل يأتي الغد بما هو أفضل حقًا؟
هذه الأسئلة ليست علامة ضعف، بل جزء من التجربة الإنسانية. غير أن الفارق بين من يتوقف ومن يواصل المسير ليس غياب الألم، وإنما حضور الأمل.
والأمل ليس ترفًا نفسيًا، ولا مجرد أمنية جميلة، بل هو القوة التي دفعت الإنسان إلى اكتشاف القارات، وبناء الحضارات، ومقاومة الأمراض، وإعادة إعمار المدن بعد الحروب. ولو استسلم البشر لليأس عند أول عثرة، لما بقي على الأرض هذا القدر من الإنجازات.
وحاولت أن أطارد الأمل هربًا من اليأس الذي يحاول أن يسيطر على الأجواء، ووجدت أن هناك عشرة أسباب تجعلنا نتمسك بالحياة، ونؤمن بأن القادم قد يكون أفضل مما نتخيل.
أولًا: لأن التاريخ يعلمنا أن الأزمات لا تدوم. لم تعرف البشرية عصرًا بلا أوبئة أو حروب أو أزمات اقتصادية، لكنها عرفت دائمًا طريقًا للخروج منها. فقد خرجت أوروبا من أنقاض الحرب العالمية الثانية لتبني واحدة من أكثر مناطق العالم استقرارًا وازدهارًا، ونهضت اليابان من الدمار النووي في هيروشيما وناجازاكي لتصبح قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية. هكذا يؤكد التاريخ أن أقسى الأزمات ليست نهاية الحكاية.
ثانيًا: لأن الإنسان أقوى مما يظن. تظهر القوة الحقيقية عندما تضيق الخيارات. أمضى نيلسون مانديلا سبعةً وعشرين عامًا في السجن، لكنه خرج داعيًا إلى المصالحة لا إلى الانتقام، ليقود بلاده نحو مرحلة جديدة. وأثبتت حياة نيك فوجيسيتش، الذي وُلد بلا أطراف، أن الإرادة قد تتغلب على ما يبدو مستحيلًا.
ثالثًا: لأن الفشل معلم عظيم. لم يولد نجاح كبير من المحاولة الأولى. فقد احتاج توماس إديسون إلى آلاف المحاولات قبل تطوير المصباح الكهربائي، وكانت كل محاولة تضيف إليه معرفة جديدة. كما رفض عدد من دور النشر المخطوط الأول لروايات جي. كيه. رولينج، قبل أن تصبح سلسلة "هاري بوتر" واحدة من أكثر الكتب انتشارًا في العالم.
رابعًا: لأن الزمن يغير كل شيء. لا يبقى الحزن على حاله، ولا تستمر الخسارة إلى الأبد. لقد فقد كثير من الناس أحباءهم أو أعمالهم أو أوطانهم، ثم وجدوا مع مرور الزمن القدرة على البدء من جديد. الزمن لا يمحو الألم، لكنه يخفف حدته ويمنح الإنسان منظورًا أوسع للحياة.
خامسًا: لأن الفرص تأتي أحيانًا دون موعد. قد يغير لقاء عابر أو فكرة بسيطة مسار حياة كاملة. بدأت شركات عالمية مثل "آبل" و"مايكروسوفت" في مرائب ومشروعات صغيرة، ولم يتوقع مؤسسوها أن تتحول أفكارهم إلى مؤسسات تغير العالم. لذلك فإن الاستسلام المبكر قد يحرم الإنسان من فرصة لم تصل بعد.
سادسًا: لأن المعرفة تنمو مع التجربة. كل تجربة، حتى المؤلمة منها، تضيف إلى الإنسان شيئًا جديدًا. فالطبيب يزداد خبرة مع كل مريض، والكاتب ينضج مع كل كتاب، والباحث يتعلم من كل فرضية لم تثبت صحتها. وهكذا تصبح التجارب الصعبة استثمارًا للمستقبل لا عبئًا عليه.
سابعًا: لأن العطاء يمنح الحياة معناها. السعادة الحقيقية لا تأتي فقط من الإنجاز الشخصي، بل من أثر الإنسان في حياة الآخرين. وقد كرست شخصيات إنسانية مثل الأم تيريزا حياتها لخدمة الفقراء، بينما أثبت آلاف المتطوعين حول العالم أن أبسط أعمال الخير يمكن أن تمنح الآخرين أملًا جديدًا.
ثامنًا: لأن السعادة ليست في انتظار حدث استثنائي. كثيرون يؤجلون سعادتهم حتى يتحقق هدف كبير، بينما تكمن السعادة غالبًا في التفاصيل الصغيرة؛ في جلسة عائلية، أو كتاب ممتع، أو صباح هادئ، أو فنجان شاي مع صديق. هذه اللحظات البسيطة هي التي تمنح الحياة توازنها الحقيقي.
تاسعًا: لأن لكل إنسان قيمة لا تتكرر. ليس المطلوب أن يصبح الجميع مشاهير أو أصحاب ثروات. فالمعلم الذي يغيّر حياة طلابه، والطبيب الذي ينقذ مريضًا، والصحفي الذي يدافع عن الحقيقة، والعامل الذي يؤدي عمله بإخلاص، جميعهم يتركون أثرًا لا يقل أهمية عن إنجازات الشخصيات الشهيرة.
عاشرًا: لأن الغد ما زال مفتوحًا على الاحتمالات. لا أحد يعرف ما يحمله المستقبل. فكم من شخص ظن أن حياته انتهت بعد خسارة قاسية، ثم اكتشف أن تلك اللحظة كانت بداية مرحلة أكثر نجاحًا ونضجًا. إن أجمل ما في المستقبل أنه لم يُكتب بعد، وأن الحياة كثيرًا ما تفاجئ الصابرين بما لم يكن في الحسبان.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي احتفظت بالأمل نهضت، وأن الأفراد الذين رفضوا الاستسلام صنعوا قصصًا ألهمت العالم. أما اليأس، فلم يبنِ وطنًا، ولم يحقق اكتشافًا، ولم يغير مصير إنسان.
الحياة ليست عادلة دائمًا، لكنها تمنح الجميع فرصة جديدة ما دام القلب ينبض، وما دام العقل يحلم، وما دامت الإرادة قادرة على النهوض بعد كل سقوط.
ولعل أجمل ما قاله الأديب الروسي ليو تولستوي: "ما دام الإنسان حيًا، فكل شيء ممكن." أما الطبيب وعالم النفس فيكتور فرانكل، الذي نجا من معسكرات الاعتقال النازية، فقد لخّص فلسفة الأمل بقوله إن الإنسان يستطيع أن يتحمل أي معاناة إذا وجد لها معنى. وربما لهذا السبب، لا يكون السؤال الحقيقي: هل هناك ما يدعو إلى الأمل؟ بل: كيف يمكن أن تستمر الحياة من دون أمل؟ ويبقى أن الأمل ليس وعدًا بأن الطريق سيكون سهلًا، وإنما هو الإيمان بأن السير فيه يستحق كل خطوة. وفي النهاية ربما يجب أن نسأل هؤلاء الذين أرهقتهم قسوة الحياة، وخيبات الأمل: أليس هناك شخصًا أو شيء تحبه؟! أرجو أن تجهزوا الصالة لأن الأيام الحلوة قادمة لا محالة.