في ظل ضغوطات الحياة، وعلى الرغم من أن التفكير يساعدنا على حل المشكلات، إلا أن التفكير المفرط يؤثر في جودة الحياة وعلى الصحة النفسية.
التفكير الزائد ليس دليلًا على الذكاء، بل قد يصبح عائقًا أمام الاستمتاع بالحياة؛ لأن التفكير الزائد يجعل عقلنا وكأنه خلية نحل؛ أفكار تتصارع، وطوفان من الذكريات السيئة، وقلق من المستقبل، ومشاكل حياتية.
العقل الذي يساعدك على أن تفكر وتعيش حياة هادئة، هو نفسه الذي يجعلك تعاني من القلق والتوتر؛ فالشخص الذي يعاني من التفكير الزائد يعيش في دائرة مغلقة من القلق؛ نفس الفكرة والحدث والموقف، يفكر ويصل إلى نقطة الصفر التي ليس لها نهاية، وكأن عقله جهاز إنذار يعمل طوال الوقت، في اتصال مباشر بين مركز الخوف في الدماغ ومناطق التفكير التحليلي والاجتماعي.
في علم النفس يُعرف هذا بـ "الاجترار الفكري"، حيث يظل الشخص يدور في حلقة من الأفكار السلبية، فيعيد التفكير في المشكلة أو الذكريات المؤلمة مرارًا وتكرارًا دون أن يصل إلى حل. ولكن التفكير الزائد أوسع من ذلك؛ فهو يشمل القلق بشأن المستقبل، والإفراط في تحليل القرارات، والتردد قبل اتخاذ أي خطوة.
وهناك دراسات حديثة استخدمت تصوير المخ لدى الأشخاص الذين يعانون من التفكير الزائد والمستمر، ووجدوا أن هناك منطقتين تنشطان بشدة: اللوزة الدماغية التي تعمل وقت الخطر وتجعلك في حالة تأهب مزمن، ومنطقة التفكير الاجتماعي المسئولة عن مراجعة مواقفك مع الناس.
ولا نستطيع أن ننكر أن هناك أسبابًا نفسية تؤثر على طريقة التفكير، مثل الأشخاص المثاليين الذين يمتلكون معايير عالية في محاسبة أنفسهم ليصلوا إلى المثالية، ولا يمكن للنفس الوصول إلى المثالية؛ لأن الكمال لله وحده. وكذلك الصدمات النفسية كالفشل والخيانة؛ حيث يبحث الشخص دائمًا عن إشارة خطر، كما أن البيئة التي يعيش فيها الإنسان وتتسم بالقلق المستمر وتوقع السيئ، تجعل عقله مبرمجًا بشكل تلقائي على التفكير الزائد.
التفكير الزائد ليس عادة، ولكنه خليط معقد من التجارب النفسية، والعوامل النفسية، ونمط الحياة، وهو الذي يؤدي إلى النوم المتقطع.
عزيزي القارئ.
ولكي نحد من التفكير الزائد، علينا اتباع طريقة العلاج المعرفي السلوكي (CBT)؛ وهي من أهم طرق العلاج، وتعلما كيف نفكر بطريقة جديدة، وكيف نستطيع التحكم في الأفكار السلبية، والتفريق بين ما إذا كانت الفكرة ناتجة عن مشاعر لحظية أم من وقائع مؤكدة (أي فرضية)، وكأننا نحطم أوتوماتيكية التفكير الزائد ونبني داخل العقل نظامًا جديدًا من الأفكار الإيجابية.
ولكن، كيف نطبق هذه الطريقة عمليًا في حياتنا اليومية؟ لتحقيق ذلك، يمكننا دمج خطوات العلاج المعرفي السلوكي مع الممارسات السلوكية الداعمة لتكوين خطة تعافٍ متكاملة، وذلك من خلال الآتي:
- التفريغ الذهني والكتابة العلاجية:
- الخطوة الأولى للتحكم في الأفكار هي إخراجها من حيز العقل المزدحم. قم بتدوين أفكارك ومواقفك؛ لأن الكتابة تخرج الفكرة من الدماغ على الورق، فالفكرة المكتوبة تفقد قوتها الغامضة.
- تحليل المواقف وتحدي الأفكار:
- بعد كتابة الفكرة، ابدأ في محاكمتها بالمنطق لتعرف هل هي حقيقة مؤكدة أم مجرد افتراض مبني على مشاعر لحظية، ومن ثم استبدلها بفكرة أكثر واقعية وتوازنًا.
- تمارين التنفس واليقظة الذهنية:
- لتشتيت العقل عن الأفكار المزعجة، هناك أيضًا تمارين التنفس والاسترخاء مثل تمرين (4-7-8)، وتمارين اليقظة الذهنية، فهي تقلل نشاط المراكز المسئولة عن الاجترار في الدماغ.
- ممارسة الرياضة: وكذلك ممارسة الرياضة بكافة أنواعها؛ فالرياضة تعمل توأمة بين العقل والروح.
- وأخيرًا، الوعي الذاتي والإيجابية تعلمنا كيف يدير الشخص ذاته وأفكاره حتى يوازن بين التفكير المنطقي والعمل، ليصل إلى حياة أكثر هدوءًا واستقرارًا.