زلزالان يفصل بينهما 34 عامًا، لكن المقارنة بين زلزال 12 أكتوبر 1992 وزلزال 3 أغسطس 2026 لا تبدأ من قوة الهزة وحدها، بل من توقيتها أيضًا، ومن الطريقة التى استقبل بها المصريون كل حدث.
ففى عام 1992 اهتزت الأرض في الثالثة عصرًا تقريبًا، بينما جاء زلزال 2026 قبيل الفجر، وكأن الطبيعة أرادت أن تذكرنا، في توقيتين مختلفين تمامًا، بأن الأرض تحت أقدامنا ليست ساكنة كما نظن. أما الفارق الحقيقي، فلا يكمن في عقارب الساعة، بل في طريقة تعاملنا مع الهزة.
جيولوجيًا، ضرب زلزال 1992 بقوة قُدّرت بنحو 5.8 درجة على مقياس ريختر، وكان مركزه بالقرب من دهشور جنوب القاهرة، بينما جاء زلزال 2026 أخف قليلاً، إذ بلغت قوته نحو 5.5 درجة، وكان مركزه في خليج السويس.
ورغم أن الفارق في القوة ليس كبيرًا، فإن موقع الزلزال وعمقه، وقربه من المناطق المأهولة، عوامل لا تقل أهمية عن الرقم الذي يتصدر عناوين الأخبار.
أما اجتماعيًا، ففي عام 1992 لم يكن هناك فيسبوك ولا واتساب ولا منصات بث مباشر، لذلك كان رد الفعل الطبيعي هو الخروج إلى الشوارع والاطمئنان على الجيران والأقارب.
أما في 2026، فقد استُبدل النزول إلى الشارع بالنزول إلى "الترند".
امتلأت الهواتف بفيديوهات الثريات وهى تتمايل، وتسجيلات صوتية للجيران، وتحليلات لا تنتهي، بينما كانت الجهات المختصة لا تزال تجمع البيانات لتحديد تفاصيل الهزة. وبدا أحيانًا أن سرعة تداول الأخبار سبقت اكتمال المعلومات الرسمية.
وفي الذاكرة الجمعية، تحول زلزال 1992 إلى مرجع يقاس عليه كل اهتزاز لاحق، حتى أصبحت عبارة "إحنا شفنا زلزال 92" جزءًا من الذاكرة الشعبية. أما زلزال 2026، فقد منح جيلاً جديدًا تجربة سيظل يرويها لسنوات، رغم أنها عضوية في ناد لا يتمنى أحد الانضمام إليه.
ومع كل هزة أرضية يعود الحديث عن كود البناء المقاوم للزلازل، وعن سلامة المباني، وجودة التنفيذ، والصيانة الدورية. والحقيقة أن قدرة أي مبنى على تحمل الزلازل لا ترتبط بعمره وحده، بل بطريقة تصميمه وتنفيذه، وحالته الإنشائية، وطبيعة التربة التي أُقيم عليها.
لكن المفارقة أن هذا النقاش يشتعل مع كل زلزال، ثم يخفت تدريجيًا بمجرد أن تعود الأرض إلى سكونها، تمامًا كما ننسى تعليمات السلامة على متن الطائرة بعد دقائق من الإقلاع.
وفي النهاية، الفارق الأعمق بين الحدثين ليس في قوة الزلزال ولا في عدد الثواني التي استمر فيها، بل في الرسالة التي يحملها كل منهما. فالأرض تُذكرنا، بين حين وآخر، بأننا نعيش في منطقة لها نشاط زلزالي معروف، وهي منطقة خليج السويس، بينما نتعامل نحن غالبًا مع الأمر باعتباره حكاية تُروى بعد أن يهدأ كل شيء.
وربما يكون السؤال الأهم ليس: كم بلغت قوة الزلزال؟ بل: هل أصبحنا أكثر استعدادًا للهزة التالية؟ لأن الزلازل لا يمكن منعها، ولا حتى التنبؤ بها بدقة حتى الآن، لكن آثارها يمكن تقليلها بالعلم، والالتزام بمعايير البناء، والوعي بكيفية التصرف عندما تهتز الأرض. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى خالدًا أول ما يقوله المصري بعد كل هزة "الحمد لله... ربنا ستر."