تقف المواقف السياسية الشجاعة المؤيدة للحقوق العربية والإنسانية، في كثير من الأحيان، عرْضة لموجات متتالية من الضغوط وتصفية الحسابات، وهو ما يتجلى بوضوح في تعامل محور الانحياز الصهيوني-الأمريكي مع الشعوب والحكومات والقادة والمنظمات الدولية التي أدانوا بوضوح جرائم الإبادة الجماعية وفضحوا سياسات الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة والضفة الغربية.
ومع توديع الرئيس الكولومبي اليساري، جوستافو بيترو، لمقاليد السلطة، تسلط التقارير والتصريحات المنسوبة إليه الضوء على حجم التحديات والمؤامرات الساعية لاستهداف القادة المتضامنين مع القضايا العادلة، بل ومحاولة التضييق على المؤسسات الدولية الموقرة وفي مقدمتها محكمة الجنايات الدولية.
وفي سياق الجدل المحتدم حول نتائج الانتخابات الكولومبية الأخيرة، تشير التصريحات المتداولة للرئيس بيترو إلى ادعاءات شابت العملية الانتخابية؛ حيث يرى أن فوز منافسه اليميني أبيلاردو دي لا إيسبرييا على المرشح اليساري إيفان سيبيدا جاء نتيجة تدخلات ونفوذ لجهات وأموال خارجية داعمة للسياسات الإسرائيلية، عبر التلاعب بأصوات الناخبين والتأثير في مئات مراكز الاقتراع في مناطق رئيسة مثل أنتيوكيا وبوجوتا ونوري دي سانتاندير.
وفي رسائل موجهة لسيادة بلاده، أكد بيترو أنه لا توجد دولة أجنبية تمثل بمفردها "شعب الله المختار"، فالبشرية جمعاء اختارها الله، داعيًا شعبه للتكاتف دفاعًا عن السيادة الوطنية. كما فنّد الاتهامات الموجهة إليه بالفساد، مؤكدًا مغادرته المنصب بنزاهة ودون تراكم أي أصول أو ثروات خاصة.
وكان الرئيس جوستافو بيترو، الذي اتخذ قرارًا تاريخيًا بقطع العلاقات مع إسرائيل عام 2024 وافتتاح بعثة دبلوماسية لدى دولة فلسطين في رام الله، قد أعلن مواقف صريحة ضد الجرائم المرتكبة في الأراضي العربية المحتلة، ودعا لفرض قيود على تسليح الكيان الصهيوني، ودعم قرارات الجنايات الدولية ضد مجرمي الحرب.
في المقابل، تثير توجهات الرئيس المنتخب، المدعوم بقوة من الإدارة الأمريكية، مخاوف حقيقية بشأن التراجع عن هذا الإرث؛ إذ تعهد بإعادة العلاقات مع تل أبيب وفتح سفارة بالقدس المحتلة، معتبرًا التحالف مع واشنطن وإسرائيل ركيزة رئيسة لأمن بلاده، ورافضًا وصف ما يجري في فلسطين بالإبادة الجماعية.
إن المحاولات الجارية لتصفية الإرث السياسي لجوستافو بيترو والتضييق عليه عقب مغادرته السلطة، تفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى استخدام الاتهامات القضائية والسياسية لتصفية المعارضين للسياسات الأمريكية والصهيونية في أمريكا اللاتينية، على غرار ما تعرض له قادة يساريون آخرون.
اليوم، يبدو أن هناك إعادة تشكيل خريطة للتحالفات الدولية في أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، عبر تصعيد حكومات يمينية تكرس نفوذ واشنطن وتل أبيب، مما يضع العديد من القادة والدول المدافعة عن الحق الفلسطيني، سواء في أمريكا اللاتينية أو إفريقيا أو أوروبا، في مرمى استهداف هذه التحالفات السياسية.
[email protected]