لم يكن في البداية ما يُعرف بظاهرة "بيع الهواء"، أو ما يُشكل تحديًا أمام قنوات التليفزيون المصري، أو حتى يمثل متغيرًا في منظومة استضافة النجوم والمشاهير بوجه عام على شاشات القنوات، سواء الخاصة منها أو ماسبيرو في الفترة التي عُرفت باستثمار الوقت، والتي كان أوج تألقها من خلال برنامج "البيت بيتك".. وقتها لم يتنبه الكثيرون إلى أبعاد هذا التحول، واكتفى البعض بالحزن على ما آلت إليه بعض القنوات العامة، إذ قلّ ظهور النجوم على شاشاتها للحديث عن أعمالهم الجديدة..
وبدأت بعض القنوات، وبخاصة المتخصصة والإقليمية والتعليمية وغيرها، تشهد تراجعًا تدريجيًا في استضافة كبار النجوم؛ إذ أصبحت إدارة أعمال بعض الفنانين تفضل مسارات أخرى للتسويق..
والحق يقال، إن هناك من يؤمنون حتى اللحظة بأهمية التليفزيون الرسمي للدولة، ويعتبرون الظهور فيه رسالة تقدير للمؤسسة التي صنعت الوعي الإعلامي، إلا أن ظروف السوق الإعلامي الجديد فرضت واقعًا مختلفًا جعل بعض النجوم يترددون في الظهور دون مقابل مادي يوازي ما تقدمه الفضائيات الأخرى.
إن ظاهرة "بيع الهواء" ليست بالطبع أمرًا غريبًا عن الإعلام، فهي نظام معمول به في العديد من الشبكات التليفزيونية حول العالم، لكنها تنجح أكثر عندما تأتي في إطار منظومة متكاملة تحترم الإعلام والمشاهد والنجم، وتضمن هامشًا من المجانية لإعلام الخدمة العامة، تمامًا كالمرفق التعليمي والثقافي الذي تكفله الدولة.. فالتليفزيون القومي قائم في جوهره على تقديم رسالة إعلامية مجانية للمواطن، وكان الظهور فيه يُعد التزامًا أدبيًا وتواجدًا جماهيريًا مهمًا. وهنا تتداعى إلى الذاكرة تجارب سابقة، كان فيها كبار المنتجين يحصُرون التنسيق مع قطاع الإنتاج ووزارة الإعلام للحصول على موافقات عرض مسلسلات كبار النجوم، إدراكًا منهم أن الشاشة الوطنية هي البوابة الأولى للنشر والنجاح والجماهيرية.
وتكمن المفارقة في أن ماسبيرو، الذي كان يومًا ما المصنع الأكبر للنجوم والبرامج في العالم العربي، وجد نفسه أمام معطيات سوق إعلامية جديدة لا تعتمد على الخبرة والتاريخ العريق فحسب، بل تتطلب أيضًا قدرات تمويلية ضخمة لإنتاج واستقطاب الإعلانات.
وبين مرحلة كان الفنان يعتز فيها بالظهور على شاشة التليفزيون المصري، ومرحلة أصبحت فيها بعض الشاشات تعتمد على بيع المساحات الزمنية، تبدلت ملامح المشهد الإعلامي العربي، وبرزت ظاهرة «بيع الهواء» بوصفها تحولاً اقتصاديًا وإعلاميًا ممتد الآثار، ولا تزال تفرض أسئلة مهمة حول مستقبل الإعلام المهني ودوره في تعزيز القيم الثقافية.
كانت غالبية القنوات العربية في بداياتها تعمل وفق مفهوم الخدمة العامة، وكانت العلاقة بينها وبين الفنانين تقوم على التكامل وتبادل المنفعة؛ فالقناة تحصل على محتوى جذاب، بينما يحصل الفنان على التغطية الإعلامية المناسبة لأعماله. وحتى في الأسواق العالمية، كان المقابل المالي للضيوف يقتصر على حالات استثنائية أو حوارات حصرية لشبكات كبرى، ولم يكن قاعدة عامة.
ومع انطلاق شبكة ART في عام 1993 بدأت مرحلة جديدة في الإعلام العربي؛ حيث اعتمدت الشبكة على استقطاب النجوم عبر إنتاج برامج تعتمد على الظهور الحصري، مدعومة بإمكانات مالية كبيرة. وتلتها مجموعة MBC، ثم روتانا، التي بنت منظومة إعلامية متكاملة جعلت الفنان جزءًا من مشروع اقتصادي وإعلامي شامل، يمتد من الإنتاج والتوزيع إلى الحفلات والظهور التليفزيوني.
في تلك الأثناء تتالية التحولات في الإعلام الفضائي، وأصبح الاستفسار عن المقابل المالي جزءًا من ترتيبات اللقاءات الإعلامية لدى بعض الجهات، ومع احتدام المنافسة التجارية بين الفضائيات، تحولت بعض المقابلات التليفزيونية تدريجيًا إلى عنصر من عناصر التسويق، وأصبح حضور النجم يمثل استثمارًا يرتبط بنسب المشاهدة والعوائد الإعلانية.
والليوم يمتلك ماسبيرو مقومات عديدة لتحديث أدائه، لا سيما مع وجود رؤى مهنية يُرجى منها إحداث الفارق، مثل التوجهات التي يحملها القائمون على الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام للتعامل مع معطيات المرحلة.. إن تفعيل عناصر الجذب، وإعادة دعم الإنتاج المتميز، وعرض الدراما الوطنية على الشاشات الرسمية، تشكل خطوات عملية لاستعادة التأثير، دون أن تكون آليات "بيع الهواء" هي المحرك الأساسي للعمل الإعلامي.
لقد كان الفنان يفتش عن البرنامج الأكثر تأثيرًا والأوسع انتشارًا، بينما أصبحت إدارة الأعمال في السنوات الأخيرة تدير الظهور الإعلامي وفق حسابات تسويقية وتجارية يرتبط بها الأجر ونسب المشاهدة والمنصات الرقمية، وهو ما غيّر طبيعة الحوارات الفنية وجعلها تقترب من الحملات الترويجية المنظمة.
يبقى دور الإعلام المصري محوريًا في تشكيل الوعي ورسم خريطة الإعلام العربي، والبحث عن حلول لتطوير القنوات العامة يتطلب العمل المستمر والتفكير المبتكر، للعبور نحو آفاق أرحب تستعيد بها الشاشة الوطنية بريقها ورسالتها السامية.