أرحام وأكفان.."3 – 2"

8-8-2026 | 14:29

شاء قدر الله، سبحانه، أن تنبت قوى الشر عند أشرف بقعة مقدسة على الكوكب، أرض فلسطين، مهبط الأنبياء، ومسرى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ومعراجه، ومهد السيد المسيح، عليه السلام، وموطن المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين، وفي ظل هذه القداسة التي تنمو فيها الرحمة وتتوالد فيها الأرحام، لم تتوقف فيها الصهيونية، طوال العقود الثمانية الماضية، عن إبادة الأرواح، فلم تتوقف الأكفان عن الزيادة، أو المقابر عن الانتشار.

وإذا كانت نساء فلسطين، وما زلن، هن الأكثر عرضة ومواجهة للظروف الكارثية في القطاع، فإن صبر الرجال في فلسطين على قهر الاحتلال، وتحمل المرض وابتلاء الحرب، والذي يشتركون فيه مع النساء، هو صبر تئن منه الجبال، فقد جسدته شهادة حية واقعية لمواطن فلسطيني حضر إلى مصر للعلاج، ليكتشف أن الطريق والسير في شوارع مصر ولقاء أهلها هو جزء مهم من العلاج.

كلمات سطرها الدكتور الفلسطيني نهاد رفيق السكنى في رحلة علاجه بمصر، فقد نشر على صفحته باسم "الكوخ الفلسطيني" بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، تجربته وحالته التي تشبه الملايين من الإخوة والأخوات في فلسطين وخارجها، كتب يقول: "حين وصلت إلى مصر قبل عامين، لم أكن أحمل حقيبة سائح، ولا كاميرا تلتقط المعالم، ولا برنامجًا لزيارة الآثار.. كنت أحمل ملفًا طبيًا، وأسئلة أكثر من الإجابات.. جئت في رحلة عنوانها العلاج، ومعركة كنت أتمنى أن أخرج منها منتصرًا على السرطان.. لكنني لم أكن أعلم أن رحلة العلاج ستقودني إلى رحلة أخرى، لم تكن مكتوبة في أي تقرير طبي، ولم يصفها لي أي طبيب، وبين مواعيد المستشفيات، وجلسات العلاج، وثقل الجرعات الكيماوية والبيولوجية، وآثار الكورتيزون المزعجة، وحقن المناعة التي كانت تستنزف الجسد والنفس معًا".

هل يكون الطريق والمسار إلى مصر جزءًا من العلاج.. نعم هو بالفعل كما يقول: "ذهبت للعلاج، فأصبح الطريق جزءًا من العلاج.. وخلال عامين، قطعت أكثر من خمسين ألف كيلومتر داخل مصر، ولم أغادر حدود هذا البلد يومًا واحدًا.. وللمفارقة، لم يحتج جواز سفري إلى ختم واحد طوال تلك الرحلة.. ولم أتنقل بسيارة خاصة، بل عشت مصر كما يعيشها ملايين المصريين كل صباح؛ بالقطارات، والمترو، والميكروباص، والأتوبيسات، والمونوريل، وقطار العاصمة، رأيت القاهرة من زاوية لا يراها السائح، بل من الزاوية التي يراها ملايين المصريين كل صباح"..

يستطرد واصفًا مشاهداته: "الساعة السادسة صباحًا.. رائحة القهوة تسبق أصحابها إلى رصيف المترو. عامل يحمل حقيبة أدواته، وطالب يراجع محاضرته للمرة الأخيرة، وسيدة تضم طفلها النائم إلى كتفها. يصل القطار، فتفتح الأبواب، ويبتلع الجميع في ثوان.. ثم حملتني الطرق إلى الإسكندرية، ومدن القناة، والدلتا، والصعيد، والعين السخنة، وغيرها من المدن.. لم تكن هذه مجرد أسماء على خرائط... كانت لكل منطقة رائحتها، ولهجتها، وإيقاعها، وحكايتها.. وفي باب الشعرية لا تمشي وحدك، حتى لو كنت وحدك، الأرصفة تضيق بالناس، والباعة ينادون على بضائعهم، وروائح الخبز والبهارات والقهوة تختلط في الهواء، وعلى امتداد هذه الرحلات، لم أشاهد الطرق فقط، بل شاهدت مدينة تتغير أمام عيني"..

ويسجل مشاهداته حول الطرق والأماكن: "استخدمت موقف السلام عندما كان بسيطًا وعشوائيًا، ثم رأيته يتحول إلى مجمع حديث متعدد الطوابق، وكنت من رواد موقف السيدة عائشة عشرات المرات، وشهدت انتقاله إلى موقعه الجديد، ورأيت كيف أعيد تنظيم المنطقة وربطها بمحوري صلاح سالم والأوتوستراد، ولذلك، عندما عدت إلى المنطقة خلال رحلة علاجي، ورأيت حجم التحول الذي شهدته، فمصر هي الناس.. نعم، فكم مرة عرف سائق أو محصل أنني من غزة، فأعاد إلي الأجرة أو رفض أن يأخذها أصلاً.. وكم من مرة وجدت من يدلني على الطريق، أو يحمل عني حقيبة، أو يطمئن علي بعد جلسة علاج كيماوي ثقيل، دون أن يسألني من أكون.. ولم تكن تلك المواقف استثناءات، بل تكررت حتى أصبحت أخجل أحيانًا من كثرة الامتنان الذي أحمله في قلبي.. هذه المواقف لا تسجل في نشرات الأخبار، لكنها هي التي تصنع صورة الأوطان في القلوب.. قد يختلف الناس في السياسة، وقد تختلف الآراء في الاقتصاد أو الخدمات، لكن هناك حقيقة لا يستطيع أحد أن ينزعها من ذاكرتي أنني جئت إلى هذا البلد مريضًا، واحتضنتني شوارعه قبل مستشفياتها، وخففت عني وجعي وجوه لم تكن تعرف اسمي، لكنها عرفت أنني غريب، وأنني من غزة، فاختارت أن تعاملني كأحد أبنائها".

ويستطرد المواطن الفلسطيني قائلًا: "أقولها بكل صدق، لا مجاملة ولا مبالغة لم أتعرف إلى مصر من كتب التاريخ، ولا من نشرات الأخبار.. بل عرفتها من رصيف المترو، ومن مقعد القطار، ومن دعوة أم مصرية أراها لأول مرة، وما زلت حتى اليوم أعيش بين أهلها، فبعض الديون تسدد بالمال، أما دين المحبة والإنسانية، فلا توفيه الكلمات، وسيبقى في عنقي ما حييت، ولو طلب مني أحد أن أرسم خريطة مصر، فلن أرسم الطرق ولا المحافظات.. سأرسم وجوه الناس الذين التقيتهم عليها".
مصر.. بكيانها ومكانتها، وبناسها وروحها، كم هي حاضنة لكل البشر، وهم هنا أهلها وناسها وجيرانها.. الأسبوع المقبل نواصل الحديث عما يحدث لنساء فلسطين المحتلة بواسطة "القاتل الصامت".

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة