حرب موازية خلف الكواليس

8-8-2026 | 14:28

ثمة أمور غامضة كثيرة حدثت خلال حرب إيران لا يمكن تفسيرها بالنظرة السطحية للأحداث؛ أمور مثل رد الفعل السريع والمفاجئ والشامل لإيران ضد الضربة الساحقة التي حدثت أول الحرب في أواخر فبراير الماضي.. الدقة الشديدة للصواريخ الإيرانية.. سرعة التماسك المخابراتي لإيران بعد اختراقات كثيرة تسببت في اغتيال خامنئي والصفوف الأولى من الجيش الإيراني.. قدرة إيران على قلب المنضدة في وجه أمريكا، القوة الأولى عسكرياً، وإجبارها مراراً على السعي للتفاوض.. تمكن إيران من التعافي السريع للضرر الكبير الذي حدث خلال الهجمات المكثفة للطيران الأمريكي طوال الحرب.. قدرة إيران على التحكم في مضيق هرمز رغم الحصار الأمريكي بأسطوله الضخم الذي لا يبارى ولا يقارن بالأسطول الإيراني المتواضع! 

كلها أمور تشير، في رأيي، إلى حقيقة واضحة شديدة الجلاء أن هناك عقلاً ثالثًا أدار المعركة في الخفاء. يد قوية ثقيلة قادت المعركة لمصلحتها، وحولت دفة الحرب في كل منعطف من منعطفاتها لصالح إيران لغرض يخدم مصالح تلك القوة الثالثة؛ التي هي الصين بلا ريب..

الدليل على ذلك أن ترامب قرر فجأة في مايو الماضي، في غمرة أحداث الحرب، التوجه للقيام بزيارة تاريخية للصين لمناقشة الحرب الإيرانية، وكأنها القائد الفعلي للحرب، أو كأنها ملِك خفي في رقعة شطرنج افتراضية في لعبة طويلة بدأت منذ سنوات حتى وصلت للجولة الأخيرة على أرض إيران!

معركة العِقد الأخير

منذ الولاية الأولى لترامب، ثم رئاسة بايدن، تحول الهدف الإستراتيجي لأمريكا من مكافحة الإرهاب، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، إلى عرقلة الصين ومنعها من تجاوز النفوذ الأمريكي تكنولوجياً واقتصادياً وعسكريًا.. 

وفيما اتخذت أمريكا إجراءات عنيفة بهذا الصدد، ردت الصين بتوسيع تحالفاتها الاقتصادية والسياسية، وتعزيز حضورها داخل تجمع "بريكس"، ومنظمة شنغهاي للتعاون، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، مع توسيع مبادرة الحزام والطريق التي شملت عشرات الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بما منح بكين نفوذاً اقتصادياً وسياسياً متزايداً خارج إطار المنظومة الغربية، وخلال العامين الأخيرين ازدادت حدة الخلافات بشأن تايوان، وبحر الصين الجنوبي، والتكنولوجيا، وأمن سلاسل الإمداد، وأصبحت اللقاءات الثنائية بين القوتين تركز على إدارة الصراع أكثر من البحث عن حلول، وهو ما عَكس يقين الطرفين أن المعركة ستغدو طويلة ومفتوحة..

يمكننا القول إن الحرب بدأت تجارية منذ عام 2018، الذي مثل نقطة التحول الكبرى؛ فقد فرضت واشنطن رسومًا جمركية على مئات المليارات من الدولارات من الواردات الصينية، وردت بكين بإجراءات مماثلة، لكن المواجهة لم تتوقف عند الرسوم الجمركية، بل تطورت إلى ما يسمى اليوم "فك الارتباط الانتقائي" (Selective Decoupling)، أي تقليل الاعتماد المتبادل في القطاعات الحساسة مثل الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والاتصالات. وقد أظهرت الصين قدرة كبيرة على التكيف. فما زالت ثاني أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي يقترب من 19 تريليون دولار، كما حافظت على مكانتها بوصفها أكبر قاعدة صناعية وأكبر مصدر للسلع عالمياً، بينما تجاوز فائضها التجاري حاجز التريليون دولار خلال عام 2025، بخلاف التفوق العسكري الذي شهده العالم في الاستعراض العالمي الشهير الذي أقامته الصين لتأكيد صدارتها، تلاه استعراض روبوتات أثبت تفوقاً تكنولوجياً لافتًا للصين.

مظاهر حرب الظل

الصراع له بُعد أقل وضوحاً لكنه أكثر خطورة؛ يتمثل في المواجهة الاستخباراتية التي تدور بعيداً عن الأضواء. فخلال السنوات الأخيرة تبادلت واشنطن وبكين اتهامات متكررة بالتجسس الإلكتروني، وسرقة الأسرار الصناعية، واختراق البنى التحتية الرقمية، واستهداف مراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا.. ولم تقتصر الحرب السيبرانية الحالية على تحصيل المعلومات، بل أصبحت أداة لإضعاف الخصم اقتصادياً، وتعطيل البنية التحتية، والتأثير في الرأي العام، وقد تابع العالم مؤخراً هجوماً سيبرانياً أصاب مرافق المياه في عدة ولايات أمريكية، وقد اتهمت أمريكا إيران بالضلوع في ذلك الهجوم! وهل تملك إيران مثل هذه التكنولوجيا المتقدمة التي تخضع مرفق المياه الأمريكي وتهيمن عليه؟!

لا ننسى أن الصين اليوم تتصدر العالم في العديد من الصناعات المستقبلية؛ فهي المنتج الأول للبطاريات، والسيارات الكهربائية، وألواح الطاقة الشمسية، والمعادن النادرة المعالجة، كما تمتلك واحدة من أكبر قواعد تسجيل براءات الاختراع عالمياً، وهو ما جعل المنافسة تتجاوز الاقتصاد التقليدي إلى سباق على امتلاك أدوات الثورة الصناعية الرابعة.. الصين هي الأقدر اليوم على كسب معارك الظل لصالحها؛ خاصة أن الجالية الصينية عظيمة الحجم في أمريكا صارت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الأمريكي.. فلمن يكون ولاء تلك الجالية إذا احتدم الصراع المباشر بين أمريكا والصين؟! سؤال لا يحتاج لإجابة، لكنه يكشف أمراً خطيراً قد يبرز بوضوح طبيعة الصراع الخفي بين القوتين العظميين: أن كلاهما حريص على أن تظل المواجهة عن بُعد! 

حرب الخرائط

صحيح أن تايوان تظل النقطة الأكثر حساسية في الصراع الأمريكي الصيني، لكن يبدو أن الصين فضلت حل مشكلة تايوان على البارد؛ دون اضطرار لمواجهة عسكرية قد تتسبب في دمار للبنية التحتية في تايوان، بينما تريد الصين جني ثمرة تايوان كاملة بلا نقصان..

غير أن صراع الخرائط بين أمريكا والصين لم يقتصر على نقطة واحدة؛ بل إن أمريكا توجهت مباشرة للنقاط التي تقصم ظهر الصين اقتصادياً بحر الصين الجنوبي، ومضائق الشَمال ناحية جرينلاند، ثم أخيراً بدأت أمريكا في محاولة الهيمنة على مصادر الطاقة الرئيسية للصين من أمريكا الجنوبية إلى روسيا إلى إيران، وبدأت خطتها الكبري تلك بالسيطرة على نفط فنزويلا، وعندما جاء الدور على إيران، بدأت أصابع الصين تتدخل لتقلب لأمريكا ظهر المجن، وتعطل خطة أمريكا الواسعة لمحاصرة الاقتصاد الصيني.. وحينما اكتشفت إيران، ومن ورائها الصين، تلك القوة الهائلة التي يمتلكها مضيق صغير بسيط مثل مضيق هرمز لخنق الاقتصاد العالمي، تقدمت كل قوات الفريقين في رقعة الشطرنج الكبرى نحو هذه النقطة بالتحديد.. حتى أصبحت لعبة التلويح بالحرب الشاملة تارة وبالتفاوض تارة لعبة شد وجذب من الطرفين لن تنتهي بالربح لأي طرف؛ لأنها مجرد خطوة في لعبة طويلة لم تبدأ بحرب إيران ولن تنتهي بها..

الملك الخفي في رقعة الشطرنج

فى كلا الحربين؛ الأوكرانية والإيرانية، لعبت الصين دوراً رئيسياً خفياً غيرَ ظاهر للعيان لكنه مؤثر. والهدف الصيني ليس حسم المعركة هنا أو هناك، وإنما تطويل أمدها لأبعد حد بما يستنزف قدرات خصومها في المعسكر الغربي! 

التقارير الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي CFR ولجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية–الصينية USC، وعدد من مراكز الدراسات في واشنطن، تشير إلى أن الصين قدمت لروسيا شرياناً اقتصادياً بالغ الأهمية، حتى من دون إرسال قوات أو إعلان تحالف عسكري مباشر؛ فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى مستويات قياسية تجاوزت 240 مليار دولار، كما توسعت بكين في شراء النفط والغاز الروسيين.. كذلك عزز البلدان استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، بما خفف الاعتماد على الدولار، بالإضافة لما قامت به الصين من تصدير مكونات إلكترونية وآلات صناعية ومنتجات ذات استخدام مزدوج، يمكن أن تدخل في الصناعات الدفاعية الروسية. 

فى الفترة الأخيرة صدرت عدة تقارير صحفية أمريكية بعدة صحف ومواقع كبرى أكدت حدوث تدفق للأسلحة الصينية نحو إيران، حدث خلال فترة المناوشات الأخيرة بين طرفي الحرب الإيرانية، عبر طرق بحرية وجوية وبرية، وأن النفي الصيني لما جاء في تلك التقارير لا يعني شيئاً في ظل صراع يجري في الظل خلف الكواليس؛ حيث يحرص الطرفان؛ أمريكا والصين، على تأخير المواجهة المباشرة وتجنبها قدر الإمكان، وترك الساحة للوكلاء والبيادق!

خلاصة القول، كما تستنتج مراكز الفكر الأمريكية، أن الصين تتبع إستراتيجية "الربح دون الحرب"؛ فهي تسعى إلى الاستفادة من انشغال الولايات المتحدة بأزمات متعددة، واستنزاف مواردها العسكرية والمالية، مع تجنب تحمل أعباء الصدام المباشر. وبهذا المنظور، لا ترى بكين في الحربين فرصة لتوسيع نفوذها العسكري، بقدر ما تراهما فرصة ذهبية لتعزيز مكانتها الاقتصادية والدبلوماسية، وتسريع الانتقال نحو نظام دولي أقل خضوعاً للهيمنة الأمريكية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: