النيل.. مياه تكفي الجميع

6-8-2026 | 16:03

بداءة دعنا نتفق عزيزي القارئ على نقطة انطلاق مهمة ألا وهي أن استخدامات مياه نهر النيل ليست ذات طبيعة ولا أهمية واحدة بالنسبة لجميع دول الحوض، وبما يستوجب الانتباه إلى مدى التنوع والاختلاف بين مصالح الدول المشاطئة للنهر، وتأثير ذلك على الاحتياجات الحالية، وأيضاً الطموحات المستقبلية لتلك الدول.

في مصر، يعتبر نهر النيل هو المصدر الرئيسي والوحيد للمياه اللازمة للوفاء بكافة الاحتياجات، حيث لا يتوافر لديها بدائل مائية أخرى يمكن اتخاذها مصدراً رئيسياً للمياه وبديلاً لمياه النيل. 

في الوقت نفسه نجد باقي دول الحوض تعتمد في الزراعة – المستهلك الرئيسى للمياه - اعتماداً كاملاً على مياه الأمطار التى تسقط بوفرة طوال العام - وبخاصة في المناطق الاستوائية - إضافة إلى المصادر البديلة الأخرى المتوافرة لديهم والمتمثلة في أحواض أنهار أخرى، ومياه جوفية غير عميقة يسهل استخراجها واستخدامها. 

ولطالما سمعت زملاء من مختلف دول الحوض يتساءلون: عن أي مشكلات مائية يتحدث هؤلاء! إن مزارعينا يلقون فقط بالبذور، ثم تقوم السماء بدورها، أي ترسل الأمطار فتروي الزرع. 

لذلك ورغم العديد من التوقعات حول احتمال نشوب مشكلة مستقبلية حول المياه، إلا أننا لم ولن نفقد الأمل في أن تتفهم دول الحوض حقيقة أزمتهم، وتتعامل معها بمنتهى الواقعية باعتبارها ليست أزمة ندرة ولا عجز في الموارد المائية، بقدر ما هي أزمة إدارة تعاونية لتلك الموارد، وأكرر كلمة "تعاونية" ملايين المرات لعل أحدًا يسمع ويعي. إن الصراع الذي نشهده بين دول الحوض ما هو إلا نتاج تراث فكري خاطئ ترسخ في العقول فحجبها عن رؤية الواقع وفرصه الحقيقية الكامنة. 

ويكفي أن نذكر مراراً وتكراراً أن إجمالي مياه الأمطار التي تسقط على حوض النيل يصل سنويًا إلى حوالى 1680 مليار متر مكعب، لا يصل منها كجريان سطحي إلا حوالي 84 مليار متر مكعب سنويًا أي ما يعادل 5% فقط من ذلك الإجمالي، في حين يذهب الباقي لخدمة أغراض مختلفة ومتنوعة في دول الحوض تقوم بدورها في خدمة شعوب تلك الدول ودعم اقتصادياتها، فكيف نتجاهل احتسابها ضمن مياه النيل ونركز فقط على اقتسام القليل الذي تراه العين في مجرى النهر!!!!

لا تلعب الزراعة المروية دورًا يذكر في دول الحوض، فمن المعلوم أن دول الحوض تعتمد على الزراعة المطرية، ولا يعتمد على مياه النيل إلا كلما اتجهنا شمالا، أي نحو المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية؛ سبب ذلك هو اختلاف معدل سقوط الأمطار التي تبلغ حوالي 1800 مم سنويًا في منطقة البحيرات الاستوائية ووسط إفريقيا، في حين نجدها تسقط على الهضبة الأثيوبية طوال العام تقريبا، ثم تقل تلك النسبة إلى حوالي 1500 مم في منطقة جنوب السودان وتظل تتناقص حتى تصل إلى 200 مم في الخرطوم... ثم تكاد تنعدم كلما اتجهنا شمالا نحو مصر. 

لذلك لا يمكن لأحد اتهام تلك السطور بالمحاباة أو المجاملة إذا قلنا إن الواقع يفرض حقيقة واضحة لا يمكن أن ينكرها أحد، وهى أن مصر هى أكثر دول الحوض احتياجا لمياه النيل، وجميع المؤشرات تؤكد تلك الحقيقة، سواء لكونها أكثر دول الحوض من حيث الكثافة السكانية، أو من حيث كون النهر بالنسبة لها المصدر الأساسى الذى تتضاءل أمامه أية مصادر أخرى. وقد كان ذلك هو السبب الرئيسى لحرص مصر على التفكير والاتجاه نحو مشروعات التخزين القرنى منذ أوائل القرن العشرين بغرض تأمين وصول المياه إليها للوفاء باحتياجات السكان. 

النقطة الهامة التي تعتبر "مربط الفرس" في تلك القضية هو أن تدرك دول الحوض وتفهم وتستوعب وتقتنع أن الفوائد المرجوة من مياه نهر النيل ليست واحدة بالنسبة للجميع. وهو أمر لن يتحقق إلا بالمناقشة الصريحة والاقتناع بحقيقة أن جميع دول الحوض - فيما عدا مصر - لديها موارد إضافية من المياه تكفى لخططها المستقبلية، بل وقد تفوق احتياجاتها المائية وبخاصة إثيوبيا والكونغو ورواندا وبوروندى.

في اعتقادنا أنه إذا صارحت دول الحوض نفسها بذلك وأدركت تلك الحقيقة، فسوف يكون ذلك مدخلاً جيداً للتعاون وتنسيق الأدوار، طالما ثبت لهم أن تضارب الاحتياجات غير وارد.

أقول لدول المنابع في حوض النيل وفى أي حوض نهر دولى آخر، أن كل دولة مشتركة في نهر دولى لها الحق كاملاً في الانتفاع بمياهه بداخل إقليمها، بل إن هذا الحق هو حق سيادي تتمتع به كل دولة يمر في إقليمها أو يحده مجرى مائي دولي. لكن يجب الانتباه إلى أن تلك السيادة ليست.. ولا يمكن.. ومن غير المقبول تفسيرها على أنها سيادة مطلقة تمنح امتيازاً لأحد في التصرف بشكل منفرد كما شاء.. ولا تعني بحال من الأحوال المناداة والإصرار على تقسيم المياه تقسيماً كميًا وفقًا لحصص متساوية بين الدول! وإنما تعني وجود حق لكل الدول في استخدام المجرى، والانتفاع بفوائده بطريقة منصفة ومعقولة، بحيث يتحدد هذا الإنصاف وتلك المعقولية من خلال الاحتكام إلى والموازنة بين العوامل ذات الصلة التى تتفق عليها الأطراف المعنية، والظروف الخاصة بكل حوض نهر دولى على حدة. 

إن الحديث عن اقتسام المياه هو حديث مشروع لا ينكره أحد، لكن لا بد وأن يتأسس على معيار نوعي وليس كميًا. بمعنى أن يتم اقتسام فوائد النهر وفقا لنوع الاحتياج، فالدول التي تحتاج إلى المياه بشكل أساسي ولا يكون لديها موارد إضافية تحصل على المياه، والدول التي لديها وفورات مائية، لن يجديها بالطبع الحصول على كميات أخرى بقدر ما يعنيها الحصول على فوائد أخرى من المياه، كتوليد الطاقة الكهربائية على سبيل المثال.
 
تلك الرؤية تضع دول الحوض أمام ضرورة وحتمية البحث عن صيغة للتعاون والعمل الجماعى، وتضع أمامنا التزامًا بضرورة البحث عن الحقيقة، حقيقة الموقف بين دول حوض النيل. بمعنى آخر، طالما أن المياه الموجودة تكفى لسد احتياجات الجميع، فما هي أسباب الفرقة والصراع الدائم على المياه؟ ما هي أسباب تمسك كل طرف بمواقف معاندة ومتعنتة في حين أن آفاق التعاون رحبة وتفتح أذرعها للجميع؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة