وراء أرقام مليارية قياسية على منصات التواصل الاجتماعي، تكمن ظاهرة جديدة غيرت بشكل جذري طريقة مناقشة الحزن علنًا؛ حيث حصد وسم (#grief) أكثر من 1.4 مليار مشاهدة على منصة «تيك توك»، بينما تجاوز وسم (#griefjourney) حاجز الـ 5.8 مليار مشاهدة، وفقًا لبيانات المنصة الرسمية.
موضوعات مقترحة
خلف هذه الأرقام الفلكية، تحولت حسابات شخصية تروي فواجع فقدان الشريك أو الوالدين أو الأطفال إلى حسابات مستقرة تضم عشرات أو مئات الآلاف من المتابعين، لينتقل صناعها لاحقًا إلى تقديم خدمات استشارية وبيع منتجات خاصة. هذا التحول وضع منطق الخوارزميات وصناعة المحتوى في مواجهة مباشرة مع المشاعر الإنسانية، وهو ما بات مدعومًا بأدلة ودراسات أكاديمية ملموسة.
من الفقد إلى «العيش بهدف»
تُجسّد حالة "آويفي مولكاهي"، التي وثّقتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في يوليو 2016، المسار النموذجي للعديد من هذه الحسابات. فبعد أن فقدت مولكاهي شريك حياتها، بدأت بنشر مقاطع فيديو على منصتي «تيك توك» و«إنستجرام» تتناول تجربة الحزن، ومقاطع توعوية حول ما لا يجب قوله للمكلومين، وتوصيات بالكتب، جنبًا إلى جنب مع لمحات من حياتها اليومية بعد الفقد.
منشوراتها التي حصدت مئات الآلاف من المشاهدات كانت بداية لمرحلة جديدة، حيث أوضحت لـ بي بي سي: «أن تكون مؤثرًا في مجال الحزن لا يشبه أن تكون صانع محتوى عاديًا يجني المال من ذلك.. كانت تجربتي ببساطة وسيلةً للعيش بهدف».
لكن هذا المسار ليس فرديًا؛ إذ كشفت دراسة نُشرت في المجلة الإسكندنافية لدراسات الإعلام بعنوان «العمل على الحزن على إنستجرام: المؤثرون المرنون والحزن المُستغل»، بعد تحليل حسابات الأرامل، عن أربع مراحل متكررة يمر بها صناع هذا المحتوى:
-بناء سردية الفقد.
-الانضباط الذاتي والتخلي عن الاستسلام للحزن.
-إظهار المرونة من خلال العمل على الذات.
-التحول إلى قدوة للآخرين.
وأشارت الدراسة إلى أن ذروة هذه العملية غالبًا ما تتوج ببيع برامج تدريبية وأدلة تعليمية ومنتجات تحمل عبارات عن الحداد والتغلب على الألم؛ وهو ما صنفه الباحثون بـ «تسليع الحزن الشخصي» في اقتصاد المنصات الرقمية.
خوارزميات تشجع على «سردية الألم»
هذا البُعد الاقتصادي وجد بيئة تقنية محفزة؛ ففي ديسمبر 2023، أطلقت منصة «تيك توك» برنامجها الإبداعي الذي أتاح لمُنشئي المقاطع الطويلة كسب عوائد تصل إلى 20 ضعفًا مقارنة بصندوق دعم المُنشئين السابق.
وبحسب دراسة بعنوان «انضموا إليّ في رحلتي مع الحزن: روايات شخصية عن الحزن على تيك توك»، يربط هذا البرنامج بين حوافز الربح وأهداف المنصة الإعلانية، مما يدفع صناع المحتوى لإنتاج مقاطع أطول وأكثر قدرة على جذب الجمهور. وتلائم طبيعة الحزن السرد المتسلسل بطبيعتها — عبر الذكريات السنوية، والتواريخ المؤثرة، وتحديثات رحلة التعافي — وهو ما تتطلبه الخوارزميات تمامًا.
ولا يتوقف الأمر عند الأرباح؛ إذ أظهرت الأبحاث المقترنة بوسم (#grief) على «تيك توك» أن أنظمة التوصية تربط المستخدمين الذين يمرون بتجارب فقد متشابهة.
وفي هذا الصدد، فحصت دراسة نُشرت في مجلة Social Media Society بعنوان «التقارب الخوارزمي في الحداد: لغة الوسم #grief على TikTok» نحو 100 مقطع فيديو، وأظهرت كيف يتم إدماج أدوات المنصة — مثل المقاطع الثنائية (Duets)، والدمج (Stitch)، والصوتيات الشائعة (Viral Sounds) — في سرديات الخسارة. ورغم أن هذا الدمج يتحدى المعايير الاجتماعية التقليدية للحداد، إلا أنه ينتج نمطًا مكررًا من المنشورات السهلة التحديد.
مساحة تضامن أم حلبة للتفاعل؟
بالنسبة للكثيرين، توفر هذه المساحات الرقمية لغة مشتركة، وتضامنًا، ودعمًا يفتقرون إليه في محيطهم الاجتماعي التقليدي، حيث يغدو الحزن ثقيلًا على الدوائر القريبة.
إلا أن ورقة بحثية نُشرت في مجلة Illness, Crisis & Loss حول الحزن الرقمي بين جيل الألفية، بعنوان «Death Immortalized: The Phenomenology of Social Media Mourning Among Filipino Millennials»، سلطت الضوء على هذا التناقض المعقد؛ إذ حددت تأثيرات مزدوجة للمنصات: فهي تساعد وتخفف وتثري التجربة، لكنها في الوقت ذاته تغزو وتكثف وتخفي جوهر الخسارة.
هذه الطبيعة المزدوجة تجعل السؤال الأخلاقي حول نية صانع المحتوى غير كافٍ، فالأزمة تكمن في «البنية التقنية» للمنصات؛ إذ إن الخوارزميات لا تميز بين الرغبة الصادقة في التعبير وبين الاستعراض والمحاكاة، بل ترتب المنشورات وفقًا لمقاييس التفاعل والاهتمام. وفي هذا الإطار، تتحول منشورات الذكرى السنوية وإعادة بناء الحياة إلى محتوى متوقع ومكرر يخضع للغة الأرقام.
الآن أصبح الجمهور جزءًا رئيسيًا في هذه المنظومة؛ فإعجابات المستخدمين وتعليقاتهم وإعادة نشرهم ليست مجرد مشاركة عاطفية، بل هي وقود تقني يمنح السردية انتشارًا أكبر، ويُبقي صانع المحتوى تحت ضغط الاستمرار في نشر ألمه لإرضاء الخوارزميات التي تُكافئ الاستمرارية.
موضوعات قد تهمك:
عقلك لا ينام.. كيف يكشف الذكاء الاصطناعي تحول ضغوط الواقع إلى سيناريوهات ليلية؟