الكويت «بالثقافة نعود أقوى»

6-8-2026 | 15:24

هناك حروبٌ تبدأ بصاروخ.. وحروبٌ تبدأ بكلمة.. الأولى تهدم البيوت، والثانية تهدم الإنسان.. وكلتاهما تتركان خلفهما سؤالاً واحدًا: ماذا بقي للحياة؟

اللعنة على الحروب.. واللعنة على كل يدٍ تمتد إلى إنسانٍ كان قبل دقائق يعيش حياته العادية؛ يشرب قهوته، يضحك مع أطفاله، يخطط لغده، ثم يجد نفسه فجأة رقمًا في نشرة الأخبار. لا أحد ينتصر في الحرب، حتى المنتصر. الجميع يخسر شيئًا لا يمكن تعويضه.

ولقد جاءت المواجهة الإيرانية الأمريكية الأخيرة قاسية على المنطقة بأسرها، وألقت بظلالها الثقيلة على الخليج، بعدما تحولت سماء آمنة إلى فضاءٍ يترقب الصواريخ، وأصبح القلق ضيفًا دائمًا على البيوت. 

في مثل هذه اللحظات يظن الناس أن الثقافة آخر ما يمكن التفكير فيه، بينما الحقيقة أنها أول ما ينبغي أن نفكر فيه؛ لأن الحرب لا تقتل البشر وحدهم، بل تحاول قتل قدرتهم على الحلم.

ولذلك كان أجمل ما فعلته الكويت أنها لم تجعل الخوف يتحول إلى أسلوب حياة؛ فما إن هدأت العاصفة، حتى أعادت فتح النوافذ أمام الفن والكتاب والموسيقى والمسرح، وكأنها تقول إن الرد على الضجيج ليس ضجيجًا أكبر، وإنما صوت الإنسان وهو يستعيد نفسه.

لهذا استوقفتني كلمات الدكتور محمد خالد الجسار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، في افتتاح مهرجان «صيفي ثقافي 18».. لم يكن يتحدث عن مهرجان عابر، بل عن رسالة.. قال إن هذه الدورة تمثل أول مهرجان ثقافي وأول فعالية جماهيرية كبرى بعد الأحداث الاستثنائية التي مرت بها دولة الكويت، مؤكدًا أن قوة الكويت الحقيقية كانت دائمًا في وحدتها الوطنية، وفي تماسك مجتمعها، وفي قدرة شعبها على الوقوف من جديد كلما ظن الآخرون أنه سيتعب.

ولم يتوقف عند ذلك، بل أعاد تعريف الثقافة نفسها. فهي ليست حفلاً ينتهي مع انطفاء الأضواء، وليست نشاطًا لتزجية الوقت، وإنما ركيزة لبناء الإنسان، وحارسٌ للهوية، وذاكرةٌ تحفظ الوطن من النسيان.

أما شعار المهرجان: «بالثقافة نعود أقوى»، فليس مجرد عبارة جميلة تعلق على اللافتات. إنه فكرة كاملة. فالأمم لا تستعيد قوتها بالدبابات وحدها، وإنما تستعيدها أيضًا بالمكتبة، وبالمسرح، وبالقصيدة، وبالطفل الذي يدخل معرض كتاب للمرة الأولى.

تأملت برنامج المهرجان، فوجدت فيه ما يشبه الحوار بين الأزمنة.. انطلقت الفعاليات من مسرح الدراما في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي بأمسية «سماري مع العماري». والسمري.. ذلك الغناء الذي كان يرافق أهل الكويت في لياليهم القديمة.. عاد اليوم ليجلس على خشبة مسرح حديث، وكأن التراث لا يشيخ، وإنما ينتظر من يمنحه فرصة جديدة للكلام.

وفي اليوم التالي، فتحت مكتبة القادسية أبوابها لمعرض الكتاب، واستقبلت مكتبة الكويت الوطنية الأطفال في نادي المبدعين، بينما احتضن برج الحمراء معرض «فن الكويليت». للوهلة الأولى تبدو هذه فعاليات متفرقة، لكنها في الحقيقة خيوط سجادة واحدة.

وهنا تكمن الفكرة التي أعجبتني.. الكويت لا تقدم التراث باعتباره قطعة في متحف، ولا تقدم التكنولوجيا باعتبارها قطيعة مع الماضي. إنها تجعل السدو يجاور التصميم الحديث، والفنون الشعبية تتحاور مع الذكاء الاصطناعي، والحكواتي يلتقي بورش الكتابة الرقمية. لا أحد يلغي الآخر. الماضي لا يخاف من المستقبل، والمستقبل لا يخجل من جذوره.

وهذا هو الفارق بين أمة تستخدم الحداثة، وأمة تذوب فيها.

تخيل طفلاً يبدأ نهاره مع حكاية من التراث، وينهيه وهو يتعلم كيف يوظف أدوات الذكاء الاصطناعي ليكتب قصة جديدة. ماذا نصنع هنا؟ نحن لا نصنع قارئًا فقط، بل نصنع إنسانًا يعرف من أين جاء، وإلى أين يريد أن يذهب.

وأنا أنظر إلى هذا المشهد، خطر لي سؤال قديم يتجدد دائمًا: لماذا لا يصبح الصيف العربي موسمًا للوحدة الثقافية؟ لماذا لا يمتد هذا الخيط من الكويت إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى بقية العواصم العربية؟ لماذا لا تنتقل الفرق الموسيقية، والمسرحيون، والكتاب، والخطاطون، وورش الإبداع، كما تنتقل الطيور بين الفصول؟

الثقافة لا تعرف الحدود إلا عندما نصنعها نحن.

ولعلنا في مصر نملك تجارب ثرية في المسرح والسينما والكتاب والموسيقى، ومنذ أسبوع كان الفنان أحمد السقا والفنانة ياسمين عبدالعزيز في الكويت لافتتاح فيلمهما المشترك.. والمعنى أن التعاون لا يتوقف.

ولأن الكويت تملك تجربة جديرة بالتأمل في جمع هذه الفنون داخل رؤية واحدة، تجعل المدينة كلها مسرحًا مفتوحًا للمعرفة.. وما أجمل أن تتحول هذه التجارب إلى جسور دائمة، لا إلى لقاءات عابرة.

في زمن تمتلئ فيه الشاشات بالأخبار المقلقة، يصبح الكتاب فعل مقاومة، وتصبح الأغنية دفاعًا عن الحياة، ويصبح المسرح إعلانًا بأن الإنسان ما زال قادرًا على الابتسام.

لهذا أعجبني شعار «بالثقافة نعود أقوى»؛ لأنه لا يتحدث عن مهرجان، بل عن فلسفة حياة.. فالفراغ لا يبقى فراغًا.. إما أن تملأه بالجمال، وإما أن يملأه الخراب.. والأوطان التي تعرف كيف تحتفي بكتابٍ، أو مسرحية، أو طفلٍ يقرأ، هي الأوطان التي تعرف أيضًا كيف تنتصر على آثار الحروب، مهما كانت قاسية.

الحرب قد تفرض الصمت مؤقتًا.. أما الثقافة، فهي التي تعيد للإنسان صوته.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: