في البدء كانت «الأهرام»

6-8-2026 | 12:10

هذه الإطلالة على «بوابة الأهرام الإلكترونية» منحة ثمينة من رئيس التحرير، الكاتب الصحفي والباحث والمحلل السياسي محمد إبراهيم الدسوقي، غمرتني بسعادة استثنائية بالغة في واقع الأمر، خاصة وأنها جاءت مصادفة بالتزامن مع مرور 150 عامًا على صدور العدد الأول من جريدة الأهرام، صدر في 5 أغسطس 1876، فالـ«الأهرام» المؤسسة والجريدة لهما مساحة شاخصة متجذرة في تكويني، أنا المحتفي بعامي الـ55 من عمري الشهر المنقضي يوليو.

صلة وثيقة متواصلة ومستمرة نحو نصف قرن الآن، بدأت بمشهد لفتني وأنا بعد طفلًا تتفتح عيناه قبل وعيه على الدنيا وما فيها بمنتصف السبعينيات، جريدة الأهرام تأتي صباح كل يوم معززة مكرمة في موعد لا تخلفه لتأخذ مكانها المهيب المخصص في بيت العائلة العريق بحي السيدة زينب، مع تحذير تربوي من الكبار بعدم الاقتراب حفاظًا عليها من لهو الصغار، ونفس المشهد الملفت بتفاصيله أرصده في بيت جدي لوالدي بحي العباسية، هذه الهيبة كانت الدافع الأول وراء كشف ماهية الشيء ومحتواه.

خطت قدماي عتبات ألف باء الهجاء والكتابة، فسعيت مهرولًا نحو أعداد «الأهرام» المقروءة من الوالدين وآخرين، كانت الجريدة في هذا الحين تتداولها الأسرة والجيران والمحيطون، اجتهدت في مطالعة العناوين ومشاهدة الصور وقراءة بعض الفقرات الجاذبة لطفل في باكورة سنوات دراسة المرحلة الابتدائية، واجتهدت في نقش الكلمات والعناوين والفقرات، كما اجتهدت في الأسئلة حد الإلحاح، دون أن يبخل أو يمل والدان كريمان رفعا راية التربية والتعليم والمعرفة عمرًا كاملًا بالإجابة والإسهاب، سنوات تمر والعادة اليومية تتعاظم بلا انقطاع، حتى أصبحت «الأهرام» نافذتي الأولى صباح كل يوم على الدنيا، وباب اتصالي وتواصلي مع عالم صاحبة الجلالة الصحافة الخلاب، بصحفه ومجلاته القومية والمعارضة، ثم المستقلة لاحقًا بعدة سنوات.

مفاهيم عديدة عززها «الأهرام» في شخصي اتصالًا بقيمة المعرفة، الاحترام، المهنية، المصداقية، الاتزان، وغيرها كثير، منه أيضًا تعلمت أن السياسة هي فن الممكن، وأن الدبلوماسية أن تغير موضوع الحديث دون أن تغير أفكارك، وأن المرجعية في المصادر هي مرجعية مؤسسات قبل أن تكون مرجعية أفراد، ولم تكن تقارير مراسليه في مختلف أنحاء العالم إلا قنوات اتصال وانفتاح حية على الآخر، أضف إلى هذا التحقيقات الصحفية، والصفحات المتخصصة، اقتصاد ورياضة وخلافه. 

أما صنوف الفكر والفن والثقافة فكانت حاضرة دائمًا بتنوع وثراء ساهما بفاعلية في الارتقاء بالوجدان ورفع الوعي، كتّاب ومفكرون ونقاد أعلام من مختلف الاتجاهات والتيارات، وفي مواعيد يومية وأسبوعية منتظمة نترقبها ولا يخلفونها، احترام القارئ فوق أي وكل اعتبار، عروض وفصول من مؤلفات أو روايات منشورة أو تحت الطبع، تغنيك عن قراءة الكتب بذاتها أو تأخذ بيدك لناصيتها، وكل هذا وفق سياسات تحريرية لها ضوابط ومعايير تأتي أولًا وفوق الجميع.

إذًا في البدء كانت «الأهرام» جريدة ومؤسسة أطلقت إصدارات تنوعت فيما بين الصحف والمجلات والكتب، كلها ساهمت في تكويني وأخذت مكانها تباعًا على قائمة اهتماماتي كأحد أهم روافد المعرفة على امتداد العمر، وأيضًا في البدء كانت «الأهرام» بمفهوم الريادة والعمل المؤسسي، وإن سبقتها زمنيًا صحف تلاشت مع الوقت حتى وإن حقق بعضها حضورًا مؤثرًا وفاعلًا، وإن لحقتها مدارس صحفية مختلفة خرجت أجيالًا من المواهب الفذة، يظل «الأهرام» هو مرادف العمل المؤسسي في رحاب صاحبة الجلالة.

عمر طويل بأكمله مر أمامي، وفيض ذكريات لا ينتهي استعدته حاضرًا، كان لا بد وأن تحوز إطلالتي الأولى على «بوابة الأهرام الإلكترونية» بعضًا من ملامحها، في زمن اختلفت فيه رؤى العمل الصحفي وقواعده وآلياته وأدواته، وأيضًا تحدياته في مواجهة سطوة التكنولوجيا، لا مفر من مواكبة رقمنة الحياة وإلا عشت خارج الزمن، كان شعار الحديث عن المستقبل زمان «المستقبل يبدأ الآن» تعبيرًا عن أهمية الاستعداد في مواجهة ما تجهله، الآن تستطيع بكل سهولة أن تبدأ من المستقبل، فقد صار متوقعًا إلى حدٍ كبير، بحكم منهجية تطور نسخ التقنيات التكنولوجية المتعاقبة، وفي كافة مجالات الحياة الشخصية والمهنية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: