بعد عام على رحيل زياد الرحباني.. حازم شاهين يروي حكاية أخ لم يغب | حوار

5-8-2026 | 19:10
بعد عام على رحيل زياد الرحباني حازم شاهين يروي حكاية أخ لم يغب | حوارحازم شاهين مع فرقة زياد الرحباني
حوار - رشا سعد

لم يكن العثور على موعد مع حازم شاهين خلال إجازته القصيرة في القاهرة أمرًا سهلًا. كانت أيامه موزعة بين ارتباطات شتى، وتسجيل عمل موسيقي ، والاستعداد للعودة إلى الرياض، حيث يعمل أستاذًا في بيت العود. ومع ذلك، كان حريصًا على أن يقتطع من وقته ساعات لهذا اللقاء.

موضوعات مقترحة

حازم شاهين، عازف العود المعروف، والحائز على عدد من الجوائز الموسيقية، والمصري الوحيد الذي غنى بوصفه المغني الرئيسي في فرقة زياد الرحباني، كان يمكن أن يتحدث عن تجربته الفنية الطويلة، لكنه لم يشأ. طوال ساعات الحوار، كان كل ما يريد الحديث عنه هو زياد.

وحين شكرته لأنه وجد وقتًا لهذا اللقاء وسط إجازة قصيرة ومزدحمة، اكتفى بأن يقول: "أي حاجة علشان زياد".

بعد عام على رحيل زياد الرحباني، لا يزال حازم غير قادر على مشاهدة حوار تليفزيوني له، أو الاستماع إلى أغنية مصورة يظهر فيها.

سألته إن كان الزمن خفف شيئًا من وقع الغياب. هز رأسه بالنفي: "أنا أصلًا مش حاسس إنه بقاله سنة. هو عودني في علاقتنا على إنه موجود في مكان ما، وعلى تواصل دايمًا، بس مش بنشوف بعض كتير. ده اللي كان بيحصل فعلًا. بالنسبة لي هو موجود".

ولا يحاول أن يفسر هذا الإحساس. "الله أعلم.. بحس إنه بيبعتلي حاجة، أو يقولي كويس، أو وحشتني. يمكن ده يبقى صح ويمكن لأ.. الله أعلم.. الناس دي ما بتموتش". 

اللقاء الأول

يعود بذاكرته إلى عام 2010، حين كان يتابع بروفات زياد الرحباني في مهرجان القاهرة للجاز.
كانت تلك أول مرة يراه عن قرب.
وكان يحمل انطباعًا بأنه شديد العصبية في البروفات.
لكن ما رآه كان مختلفًا تمامًا.
"كان عندي فكرة إنه عصبي جدًا في البروفة.. طلع مش عصبي خالص".

يتذكر كيف كان يتحرك بين العازفين بهدوء، يتابع كل واحد منهم على حدة، وإذا أراد أن يلفت نظر أحدهم إلى ملاحظة، اقترب منه وتحدث إليه بصوت خافت، بعيدًا عن الجميع.
أما إذا لم تستقر مقطوعة كما يريد بعد أكثر من محاولة، فلم يكن يغضب أو يرفع صوته.
"لو مقطوعة ما اتعملتش صح مرتين ورا بعض في البروفة، بيشيلها.. مهما كانت مهمة للحفلة". بعد انتهاء البروفة، قرر أن يذهب إليه.

عرّف بنفسه، وأخبره أنه سبق أن أرسل إليه تسجيلاته الموسيقية أكثر من مرة عن طريق أصدقاء مشتركين.
رد زياد بأن هذه التسجيلات لم تصله.
ثم فاجأه بأنه يتذكر حفلة قديمة أقامها حازم في لبنان، وكان من المفترض أن يحضرها، لكنه لم يتمكن من ذلك.
وبينما كان الحديث بينهما مستمرًا، جاء رجل فرنسي ليتحدث إلى زياد.
استغرق الحوار بينهما وقتًا طويلًا.وقف حازم يستمع من بعيد، قبل أن يفاجأ بزياد يلتفت إليه بين الحين والآخر، ويترجم له ما يدور في الحديث.
يقول إن هذه اللفتة بقيت عالقة في ذهنه.
لم يكن مضطرًا إلى أن يفعل ذلك.
كان يمكن أن يواصل حديثه مع ضيفه، ويتركه واقفًا لا يفهم شيئًا، لكنه حرص على ألا يشعر بأنه خارج الحديث.
وبعد انتهاء اللقاء، سأله زياد: "إنت تعرفني منين؟ فأجابه: "من موسيقاك... ومن آرائك... ومن كل اللي سمعته عنك".

وفي الحديث نفسه، فتح زياد موضوعًا كان يسمعه كثيرًا عن اتهامه بأنه يكره مصر.
يقول حازم إنه رفض هذا الكلام تمامًا.
وقال له إن مصر حاضرة بوضوح في موسيقاه، وإن تأثير سيد درويش، ومحمد عبد الوهاب، وزكريا أحمد، وصل إليه عبر الأخوين رحباني، ثم أصبح جزءًا أصيلًا من تجربته.
"قلت له: مصر موجودة في موسيقاك... وفي أغاني كتير جدًا".
فابتسم زياد ووافق قائلاً: ده صحيح

زياد الرحباني

من القاهرة إلى بيروت

لم تكن تلك آخر مرة يلتقي فيها بزياد. بعد سنوات، وخلال ظهور زياد الرحباني في برنامج للإعلامي يسري فودة، قال على الهواء إنه فقد رقم حازم شاهين، وطلب الوصول إليه. تواصل فريق إعداد البرنامج مع حازم، وبعدها دعاه زياد إلى مشاركته الغناء في حفلاته بالقاهرة. كانت تلك أول مرة يقف فيها إلى جواره على المسرح. وبعد انتهاء الحفلات، سأله ببساطة: "عندك مانع تيجي لبنان؟». ومن هناك بدأت الرحلة التي تحولت فيها المعرفة إلى صداقة، ثم إلى علاقة كان حازم يصفها دائمًا بأنها أقرب إلى الأخوة.
بعد أسابيع، وصل شاهين إلى بيروت للمشاركة في حفلات زياد. كانت البروفات تبدأ صباحًا في الاستوديو، ثم تمتد ساعات طويلة، قبل أن يتلقى اتصالًا لم يكن يتوقعه و لكن يتمناه..

بعد انتهاء البروفات، وبينما كان يقيم في الفندق، تلقى اتصالًا من زياد.
"قال لي: أنا عارف إنكوا جايين عشاني، بس الشغل مخلّاناش نعرف نقعد مع بعض. بعد ما نخلص الحفلات... تعالى اقعد عندي".
انتقل حازم، برفقة العازف هاني بدير، إلى بيت زياد.
استمرت الزيارة نحو أسبوع.
ويقول إن تلك الأيام كانت البداية الحقيقية للعلاقة بينهما.
لم تكن تجمعهما الموسيقى فقط، بل ساعات طويلة من الحديث، تمتد أحيانًا حتى الصباح.
وكان أكثر ما لفت انتباهه في البيت بساطة صاحبه.
فزياد، الذي كان ينام ساعات قليلة جدًا، لاحظ أن ضيفه مرهق، فجهز له مكانًا لينام ويرتاح.
يقول: "كان فاهم نفسيتي... فاهم إني تعبان".

زياد الرحباني وحازم سمير

بعدها أصبحت لقاءاتهما تتكرر كلما سنحت الفرصة.
لم تكن لقاءات منتظمة، لكنها كانت طويلة.
ويضحك وهو يستعيد واحدة منها استمرت نحو ستة وثلاثين ساعة.
بدأت قبل الحفل، ثم امتدت بعد انتهائه وحتى صباح اليوم التالي.
قبل الحفل، قال له حازم إنه يريد أن ينام قليلًا حتى يكون مستعدًا للغناء.
فرد زياد ببساطة: "ده شيء... وده شيء".
ابتسم، وبقي.
وبعد انتهاء الحفل، ظن أن السهرة انتهت، وعاد إلى الفندق.
لكن وهو يمر أسفل شرفة غرفة زياد، سمع صفيرًا.
نظر إلى أعلى.
كان زياد  يشير إليه أن يصعد.
صعد.
واستمر الحديث حتى التاسعة صباحًا.
يقول حازم إنه لا يتذكر كل ما قيل في تلك الساعات، بقدر ما يتذكر إحساسًا لازمَه طوال سنوات معرفته بزياد.
"أنا طول الوقت كنت بحاول أعيش كل لحظة... لأن ما حدش عارف بكرة فيه إيه، ولا العلاقة دي هتفضل قد إيه". 

كانت الأحاديث تمتد إلى كل شيء.
الفن، والموسيقى، والسياسة، والثورة، والناس، والحياة.
مصر في قلب زياد
وكانت مصر حاضرة دائمًا كانت مصر حاضرة دائمًا في أحاديثهما.
يقول حازم إن زياد لم يكن متأثرًا بالموسيقى المصرية فحسب، بل كان يحب المصريين أيضًا، وبخاصة "ابن البلد». ويضيف أن أثر سيد درويش، ومحمد عبد الوهاب، وزكريا أحمد، ظل حاضرًا في تكوينه الفني، بعدما انتقل إليه عبر تجربة الأخوين رحباني. وكان يرى أن هذا الامتداد طبيعي، لأن زياد نشأ في بيت تشكلت ملامحه الموسيقية على تلك التجربة.

وعندما أسأله عن أكثر أعمال زياد رحباني التي تحمل طابعًا مصريًا، يرفض حصرها في أغنية واحدة.
"في أغاني كتير.. "حبيتك تنسيت النوم"، و"سألوني الناس"، و"أنا مش كافر"... التأثير المصري موجود في أعمال كتيرة".
ويرى أن زياد لم يكن يتعامل مع هذا التأثر باعتباره محاولة واعية لاستعارة الموسيقى المصرية، وإنما كان جزءًا من تكوينه الفني.
"أي حاجة كانت بتدخل المكنة دي كانت بتطلع بحاجة مختلفة. الناس فاكرة إنه بيعمل ده قاصد، لكن لو كان مقصود ما كانش هيطلع بالشكل ده. دي موهبة ربنا خلقه بيها".
ويضيف أن العبقرية الحقيقية لا تأتي بالحساب وحده.
"فيه دراسة للتأليف طبعًا، لكن فيه كمان الحاجة اللي بتيجي من الغيب... الحاجة اللي بتسمعها، مش اللي بتقعد تصنعها. 

ويكشف حازم معلومة ربما تُذكر للمرة الأولى، وهي أن محمد عبد المطلب كان المطرب المصري الأقرب إلى قلب زياد الرحباني، لأنه كان يرى فيه نموذج "ابن البلد» الذي أحبه دائمًا، لا في مصر وحدها، بل في أي مكان.
"اللي إنت فيه ده بيمرق»
في أواخر عام 2018، كان حازم يمر بأصعب فترات حياته.
كان يعيش تجربة انفصال تركته، كما يقول، "بنفسية مدمرة»، وفي الوقت نفسه كان يحاول أن يبدأ تسجيل ألبوم جديد.
كان زياد يتابع ما يمر به عن قرب.
ويقول حازم:
"قال لي: لازم تشتغل".
لم تكن نصيحة عابرة.
يتذكر أنه طلب منه أن يغمض عينيه للحظات.
"قال لي: عايزك تتخيل معايا، ولو تلات ثواني، إن اللي إنت فيه ده بيمرق. أعرف إن ده صعب جدًا... بس خليك عارف إنه هيمرق".
يقول حازم إن تلك الكلمات بقيت معه، لأنها جاءت في وقت لم يكن يرى فيه نهاية لما يمر به.

في الفترة نفسها، كان يستعد لتسجيل ألبومه الجديد" ذكر" . 
سأله زياد عن تكلفة المشروع، وعرض أن يساعده.
لكن حازم رفض أن يحصل على المال منه مباشرة.
"قلت له: أنا مش عايز فلوس منك... أنا عايز مؤسسة تعمل تمويل للمشروع 
لم يناقشه زياد.

وبعد أيام، دعاه إلى اجتماع مع مسؤولي إحدى المؤسسات.
جلس معهم يناقش فكرة الألبوم، وتكاليف التسجيل، والميزانية المطلوبة، ثم بدأ العمل.
ومع تقدم التسجيل، احتاج المشروع إلى تمويل إضافي.
وفّرت المؤسسة المبلغ، واستكمل الألبوم.

انتهى التسجيل، وصدر الألبوم.
بعدها، اتصل حازم بالمؤسسة ليشكر القائمين عليها، ويتحدث معهم عن حقوقهم في المشروع.
لكن المفاجأة كانت في انتظارِه.
"قالوا لي: إحنا ممولناش الألبوم".
لم يفهم.
ثم أضافوا: "كل اللي حصل ده كان من ترتيب زياد... إنت قلت له إنك مش عايز تاخد فلوس منه، وإنك عايز مؤسسة، فراح قال لنا: اعملوا مؤسسة. زياد هو اللي موّل المشروع كله".
"لا يزال شاهين يتوقف عند تلك اللحظة وكأنها حدثت بالأمس. يصمت قليلًا، وتلمع عيناه بالدموع  وهو يستعيدها، ثم يقول: "مين يعمل كده غير زياد؟»"

بعدها، اتصل بزياد.
لم يكن يريد أن يشكره فقط.
كان يريد منه شيئًا آخر.
أن يسمع الألبوم.
"قلت له: أنا عايزك تسمعه، لأن اسمك متصدر في المشروع. ولو شايف إن فيه حاجة مش قد المستوى، قولي".
لكن زياد رفض.
لم يطلب نسخة، ولم يناقش تفاصيل التسجيل.
واكتفى بجملة قصيرة.
"شغلك معروف يا حازم".
كانت تلك آخر مكالمة حقيقية بينهما.
بعدها، تباعدت اللقاءات، وجاءت جائحة كورونا، ثم ازدادت عزلة زياد، وتراجع حضوره، بينما ظل التواصل بينهما قائمًا على فترات متباعدة، كما اعتادا دائمًا.

هو موجود

وبعد ساعات من الحديث، يعود السؤال الأول من جديد.
بعد عام على رحيل زياد الرحباني... هل تغيّر شيء؟
يهز حازم رأسه بالنفي.
"أنا أصلًا مش حاسس إنه بقاله سنة. هو عودني في علاقتنا على إنه موجود في مكان ما، وعلى تواصل دايمًا، بس مش بنشوف بعض كتير. بالنسبة لي... هو موجود".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة