- اللوحة الحية تولد من رحم العفوية والمصادفة
موضوعات مقترحة
- أعمالي نتاج تراكمات لتجارب وخبرات علي مر السنين
حين يلتقي الحنين بجماليات التشكيل المعاصر، وتتداخل دقات الزمن مع إيقاع الفرشاة، تتشكل عوالم بصرية تنبض بالصدق والعفوية. في هذا الحوار، تقودنا الفنانة التشكيلية نرمين حكيم في رحلة ممتعة عبر الزمن والذاكرة، لتكشف عن خبايا معرضها الأخير "كان يا مكان"، وتجاربها التي تمزج بين التشخيص والتجريد. بين ثنايا فلسفتها في الحياة، ودراستها للعلوم السياسية التي أثرت وعيها الإنساني، وصولاً إلى أسرار العمل الفني وطبيعة التلقائية في صياغة اللوحة، تقفز تساؤلاتنا لترسم معها لوحة متكاملة عن الشغف، المعاناة، ومتعة الاكتشاف الدائم في عالم الإبداع.
جاء معرضكِ بعنوان "كان يا مكان" بجاليرى باشون؛ كيف تحولت تيمات مرور الزمن والذكريات إلى خطوط وألوان مجردة على قماش اللوحة؟
معرض (كان يا ماكان ) هو معرض عزيز علي قلبي، فهو يعبر عن نوستالجيا لصور من الذاكرة لأشياء محملة بكم من المشاعر نتوق إليها، وفي بعض الأحيان نفتقدها. فتيمة مرور الزمن كانت هي المدخل لتداعيات صور من الماضي تدفقت بغزاره علي اللوحات بكثير من العفوية تليق بزمن طفولي تطغي عليه التلقائية و البراءة.
تستأثر الطبيعة بمختلف تضاريسها على أهتمامك حتى تكاد تكون قالبًا أساسيًا بتجاربك الفنية عبر كل معرض.. ولكن كيف تتجاوزين عدم الوقوع في فخ التكرار؟
بالتأكيد الطبيعة من أكبر المؤثرات ومصدر رئيسى يستقي ويستلهم منه الفنان، فهي خلق يستمر و يتغير و يتبدل باختلاف المواسم و الإضاءة والموقع وعليه فلا مجال للتكرار.
أما بالنسبه للفنان فأسلوب المعالجة هو ما يميزه عن غيره ويميز عمل الفنان نفسه عما سبق. فربما أتناول مشهد في مرحله ثم أتناوله مره آخرى في مرحلة تالية بأسلوب معالجة مختلف تمامًا.
ذكرت سابقًا أن دقات الساعة تذكرنا بأن الحياة مجرد ذكريات؛ فإلى أى مدى انعكست هذه الفلسفة على اختيارك للمجموعات اللونية في المعرض؟
اختيار الألوان عمومًا في أعمالي هو وليد اللحظة وعادة لا أخطط له وإذا حدث خططت له فمن الوارد جدًا تغييره اثناء العمل. فأنا أحب أن توجّهني اللوحة عمومًا وتفاجئني بما لم أتوقع وهذه متعة في حد ذاتها.
هل يعتبر المعرض الأخير امتدادًا لحالة العزلة الذاتية التي قدمتها في معرضكِ السابق "عزلة"، أم أنه يمثل مرحلة انطلاق وتصالح مع الذاكرة؟
تجربتي الأخيرة هي ناتجة عن تداعيات لمخزون بصري لمشاهداتي للطبيعه بمصر و الخارج. بالعكس أعتبرها انفتاحًا علي براح العالم و الطبيعة و احتفالاً به و خروجًا عن الذات لرحابة العالم باختلاف أشكاله.
التماهى بين أسلوبى التجريد والتعبيرى. سمة أساسية فى كثيرة من لوحاتك.. كيف وازنتِ بين إسقاط تفاصيل الواقع والحفاظ على جوهر المشهد الفني؟
هذا بالتحديد كان هدفي في كثير من أعمالي. الدمج بين التجريد و التشخيص. فالشخوص تظهر في هذه الأعمال بوضوح ولكني اتغاضي عن التفاصيل وعادة أستعين بالعديد من الحلول التجريدية الخاصة بي والتي تمثل أسلوبي في الخلفية أو في الشخوص أنفسهم. وفي الحقيقة هذه الأعمال كانت نتاج العديد من التجارب والتدريب والاستكشاف علي صعيد التجريد من جهة و التدريب و أسكتشات الفيجر والحركة من جهة أخرى.
اما عن الحفاظ علي جوهر المشهد الفني فأنا أعبر بأسلوبي وأترك قراءة العمل للمشاهد. كلُ يقرأه كما يروق له. واحياناً يفاجئني المتلقي بقراءة لم تكن لتخطر بذهنى، وربما تظهر بدون وعي مني اثناء العمل.
بدأتِ رحلتكِ برسم المناظر الطبيعية ثم انتقلتِ إلى التجريد؛ كيف ساهمت هذه الخلفية الواقعية في إثراء رؤيتكِ التجريدية الحالية؟
بدأت رحلتي بجاليري بيكاسو بمعرض جماعي قدمت فيه مجموعة أعمال تصور القوارب و انعكاساتها علي سطح الماء و إنعكاس الضوء علي أختلاف أوقاته علي الماء، ولكني قدمته بأسلوب تجريدي ثم تبعه معرض ثنائي لنفس التجربة بجاليري خان المغربي ولكن بقدر أكبر من التوسع ومن التجريد ثم توقفت تمامًا عن رسم المراكب واتجهت إلى ما يصفونه بالتعبيرية التجريدية و إن كنت لا أحبذ تصنيفات المدارس الفنية التي أشعر أنه لا مغزي لها الآن.
فأعمالي في الحقيقة هي نتاج تراكمات لتجارب وخبرات علي مر السنين. وحتي التجريد الخالص هو في الأساس مُستقي من الطبيعة وممارسات مستمرة سابقة لرسم الطبيعة. وبمرور الوقت ومع رغبة الفنان فى التجريب والتغيير يلجأ الي التسطيح و التبسيط و الاختصار مع المحافظه علي توازن العمل وتماسك التكوين. فأسلوب الفنان هو نتاج لعمله وممارسته للفن لسنين طويلة.
تعتمدين على الاتجاه التجريدي التعبيري؛ متى تشعرين أن اللوحة لم تعد بحاجة إلى تفاصيل تشخيصية وأن اللون وحده كافٍ لإيصال الفكرة؟
في الحقيقة من أصعب الأشياء بالنسبة لي هي أن تقرر أن اللوحة أكتملت. لذلك أترك اللوحة أمامي لأيام و في بعض الأحيان أسابيع و لكنها لا تكتمل باللون وحده أو تفاصيل تشخيصية وحدها، و لكنها تعتمد علي عوامل كثيرة أولها شعوري بالرضا عن التكوين ككل والقرب من التصور المسبق للوحه بالرغم من قيامي بالكثير من التغييرات اثناء العمل.
وفي النهاية لا أصل إلى الرضاء المطلق عن العمل فدائمًا. هناك شعور بأنني لم أحقق ما أرنو اليه بعد.
تمزجين في أعمالكِ بين ألوان الأكريليك والزيت والخامات المتعددة؛ كيف يخدم هذا التنوع التجريبي الفكرة الروحية للوحة؟
توقفت عن استخدام الألوان الزيتية من فترة واستبدلتها بالأكريليك لأسباب منها سرعة جفافه فيمكنني من استكمال اللوحة والحفاظ علي تلقائية وعفوية التعبير وأستخدم في بعض الأحيان خامات متعدده لتعطي ملامس و تأثيرات مختلفة علي سطح اللوحة. أما عن الفكرة الروحية فهي مرتبطه أكثر بموضوع اللوحة و ليست بالضرورة موجودة في كل الأعمال وكل عمل يفرض علي الفنان أسلوب معالجته وبالتالي خاماته المستخدمة وهذا يحدث أثناء العمل في اللوحة طبقاً لمتطلباته.
أشرت إلى أن اللوحة تأخذكِ أحياناً إلى "نهاية غير متوقعة"؛ إلى أي مدى تتركين مساحة للعفوية والمصادفة أثناء ضربات الفرشاة الأولى؟
في أعمالي الأخيرة أعتمد كثيرًا على العفوية والمصادفة وبالذات في البدايات تكاد تكون كلها ضربات عفوية عشوائية، ثم أترك العمل يوجّهني ويفاجئني بتصورات ورؤي مختلفة، في هذه المرحلة ابدأ بالتدخل مع محاولة ألا تطغي تدخلاتي على عفوية و تلقائية الضربات الأولي، وهنا تكون الصعوبة. في بعض الأحيان أمنع نفسي من الاسترسال في التفاصيل والتدخل بحساب للمحافظه علي انفعال اللحظات الأولي.
كيف تؤثر المعاناة والإحباطات التي تواجهكِ أثناء بناء اللوحة على النتيجة النهائية للعمل الفني؟
في الحقيقة الفن هو مزيج من المتعة والمعاناة والإحباطات. فالفنان يواجه الكثير من المعاناة و الإحباطات أثناء بناء العمل الفني ولكن هذه الإحباطات لا تزيدني إلا اصرارًا وهذا ليس بالضروره في صالح العمل الفني ففي بعض الأحيان يحتاج الفنان إلى البعد عن اللوحة لفترة ثم يعود اليها أو يبدأ في عمل آخر ثم يعود إليه و في بعض الأحيان أقوم بتغيير العمل كليةً. وفي هذه الحاله اشعر بمتعة البدايات مره أخري.
درستِ العلوم السياسية إلى جانب دراستكِ الحرة للفنون الجميلة؛ كيف أثر هذا المزيج الثقافي على نضج تجربتكِ البصرية؟
يجب على الفنان أن يكون متطلعا ومُلما بالعديد من الفنون والعلوم الإنسانية. والثقافة عامةً بالتأكيد تثري وتحفز فكر الفنان وتعمق من رؤيته وتعينه علي قراءة المشهد العام والأحداث الجارية بوعي وموضوعية.
أما عن دراستي للعلوم السياسيه فكانت عن رغبة مني في توسيع مداركي و أستكشاف عوالم أخرى و جديدة. بخاصة أن دراستها تحتاج إلى كثير من الاطلاع والبحث وبالتأكيد أفادتني هذه الدراسة بالرغم من أني لم أسع ولم يكن هدفي العمل بها ولكنها في الحقيقة دراسة ممتعة.
وهذه الرغبة في الاطلاع والتعلم والمعرفة هي عملية مستمرة علي مدي حياة الفنان ولا تتوقف بانتهاء الدراسة و لكنها شغف و طموح للمعرفه لاينتهي و بالتأكيد يؤثر علي عمل الفنان و رؤيته للعالم من حوله و تشكيل وجدانه بالطبع كل هذا ينعكس علي أفكاره و بالتالي علي أعماله.
نرمين حكيم
معرض كان يا مكان
معرض كان يا مكان
معرض كان يا مكان