هو جنديٌّ من جنود الله تعالى، وواحدٌ من مظاهر طلاقة قدرته، جلت قدرته.
الثالثة تمامًا، قُبيل فجر القاهرة، بأقل من ساعتين، تهتز أركان المكان، تتمايل السواكن، وترتجف الثوابت، وتدور الدنيا برؤوس العباد.
النائم يستيقظ فزعًا، والمستيقظ يُهرول فزعًا، والوجوم يخيم على الجميع، والكل يصبو للحظة الخلاص. والسؤال الحائر، هل ستأتي هذه اللحظة فعلاً؟! أم سيكون لأمر السماء شأنٌ آخرُ!
ثوانٍ معدودة، تقترب من النصف دقيقة، نعم نصف دقيقة فقط، ثوانٍ حُبست فيها الأنفاس، وتخشبت معها الأجساد، وانقطع فيها الرجاء، إلا من الله.
الله سبحانه وتعالى، هو الملجأ الأخير دوماً.
سألَ أحدُهم شيخاً: ما الدليلُ علي وجودِ اللهِ؟
وكانَ السائلُ يعملُ صياداً، فأجابَ الشيخُ: هل رَكِبتَ البحرَ يوماً؟ قالَ: نعم. هل هبتْ عليكَ الريحُ العاصفُ، وخِفتَ الغرقَ؟ قالَ: نعم. هل انقطعَ رجاؤكَ من المركبِ والملاحين؟ قالَ: نعم. هل أحسستَ أن هُناك مَنْ يستطيعُ أن يُنقذَكَ مما أنتَ فيه؟ قالَ: نعم.
فقالَ الشيخُ: ذلكَ هو اللهُ!
الناس تُقارن بين زلزالين في مصر، بينهما أربع وثلاثون سنةً، في العامين 1992 و2026 وكانت الساعة الثالثة توقيتًا ثابتًا، في المرتين، مع فارق واحد، أنها في الأول، كانت عصراً، وفي الثاني، كانت فجراً.
كلاهما أقل قليلاً من 6 ريختر.
وكلاهما امتد لثلاثين ثانية، غير أن الأول، وكان مركزه دهشور بالجيزة، خَلَّفَ وراءه خسائر بشرية تخطت الخمسمائة ضحية، وما يزيد عن ستة آلاف مصاب، وانهيارات عقارية، قاربت أربعمائة منزل!
فيما الثاني، وكان مركزه منطقة خليج السويس، لم يخلف أية خسائر!
والسؤال، لماذا هذه الفوارق الكبيرة، في آثار الزلزالين؟!
هل لاختلاف مركز كل منهما؟ فالأول قريب جداً من العاصمة، الأكثر كثافة في كل شيء؟ ربما.
ولم يسلم الزلزال من النزاعات السياسية! فالمعارض يقول: هو غضبٌ من الله! والمؤيد العادي! يقول: هو إشارة رضي من الله! والمؤيد السوبر! يقول: هو تأكيد على قوة ومتانة البنية التحتية، التي نفذتها مصر، في السنوات الأخيرة.
وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا..
رسائل الآيات متنوعة، ومنها رسائل التنبيه والتخويف، فبقدر فوائد الزلزال، لثبات واستقرار قشرة الأرض، والتنفيس عما بجوفها، بقدر الخوف والفزع الذي يوجده في قلوب الناس، حتى إن السيدة التي اعتادت على نَشْر الثِّيَاب، في شُرْفَة بيتها، بشكل قد لا يتناسب مع قواعد الذوق والأدب واللياقة، غير عابئة بشيء، هي نفسها التي ألقت بإسدالها على جسدها، في هذا الوقت الضيق العصيب، للمزيد من التستر، إذ ربما تلقي ربها حالاً، فيكون اللقاء وهي في أعلى درجات الاحتشام.
وهذا الذي يجلس على المقهى، لهذه الساعة المتأخرة من الليل، وبيده سيجارة، ها هو ذا يُلقي بها على الأرض، قبل اكتمال احتراقها، إذ ربما استشعر، ولأول مرة في حياته، أن التدخين حرام!
تنتهي ثواني الزلزال المعدودة، وينتهي بعدها الخوف تدريجياً، ويصلي الناس قيام الليل! ويستقبلون صلاة الفجر، بتقوى وحماس شديدين!
خاف الناس! نعم خافوا! إذ كان الموت قريباً، وكلمة النهاية، توشك أن تُلقي بظلالها علي شاشة الحياة الكبيرة!
عام 1976 كانت الصين على موعد مع واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية، على مر التاريخ، إذ اهتزت مدينة تانغشان الصناعية والمناطق المحيطة بها، على وقع زلزال مدمر، أسفر عن مقتل قرابة نصف مليون إنسان!
الزلزال بلغت شدته 7.8 درجة على مقياس ريختر، وكانت المدينة على موعد أيضاً، مع مجموعة من الأحداث الغريبة، التي سبقت وقوع الزلزال، وكأنها إشارات كونية، لفاجعة إنسانية، قد لا تتكرر مرةً أخرى، فاجعة ستحدث خلال ساعات!
فقبل يوم واحد من الكارثة، شهد مستوى مياه الآبار ارتفاعاً، قبل أن ينخفض تدريجياً! وغادرت الجرذان قنوات تصريف المياه المستعملة، راكضةً بشكل هستيري، في جميع أرجاء المدينة! وامتنعت الحيوانات عن الطعام!
ثلاثون ثانية فقط! استمرها الزلزال، متسبباً في تدمير 90% من مباني المدينة، واحمرّت سماء المدينة، بسبب تساقط أعمدة الكهرباء، والانفجارات التي هزت المصانع، وانعزلت المدينة تماماً عن العالم الخارجي، نتيجة الدمار الرهيب الذي لحق بشبكات السكك الحديدية والطرق، مع خسائر مالية بلغت مليارات اليوانات، وفي نهاية النفق المظلم، وجدت مئة وستون ألف عائلة نفسها في العراء، بلا مأوى.
ثلاثون ثانية، قلبت الدنيا رأساً على عقب، ثلاثون ثانية، حولت الطمأنينة فزعاً، والأمان دماراً.
إذن كم كان الزلزال المصري رحيماً!
وهي يقيناً، رحمة الله، لا الزلزال.
فماذا لو استمرّ دقيقة؟! ماذا لو تجاوزت قوته 6 ريختر.
أي زادت الهزة، مع زيادة المدة، والنتيجة بالطبع، زيادة انهيارات المباني، علي قاطنيها، والبقية تعرفونها جيداً.
هو إذن لطف الله الخفي.
سورة الزلزلة (8 آيات) سورة مدنية، بأسلوب مكي.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تأكيداً على منزلتها: إِذَا زُلْزِلَتْ، تعدِلُ نصفَ القرآنِ..
والسورة تتحدث عن زلزال القيامة، لا زلزال الدنيا.
والزلزال، رجفة أرضية عنيفة، تصاحبها مساحة هائلة من الدمار والخراب.
سأل سائل، وما ذنب الأبرياء؟
وكأنني برسول الله، صلي الله عليه وسلم، لما سألوه، يا رسولَ اللَّهِ، أنَهْلِكُ وفينا الصَّالحونَ؟ قالَ: نعَم، إذا كثُرَ الخَبثُ.
والقاعدة الأصيلة أنه، ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة.
وفي النهاية، وكما في الحديث الشريف: إنَّما يُبعَثُ النَّاسُ على نيَّاتِهم.. فالظالم والمظلوم، الغادر والمغدور، حسابهم جميعاً، بيدي خالقهم سبحانه.
والآخرة يقيناً، أهم من الدنيا كثيراً، والله أعلم بشؤون كونه وملكه وملكوته، فلا تشغل بالك، لماذا حدث هذا؟! وكيف؟! ولا تضع موازين للعدل، من تلقاء نفسك، فالعدل يعلمه الله، لا غيره.
الزلزال، تأكيد القدرة الإلهية، وتنبيه بحتمية العودة إلي الله، وقد يكون تدريباً بسيطاً للغاية، على زلزال الآخرة.
إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا (1) وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا (2) وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا (3) يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا (5) يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ (6) فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ (7) وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ (8)
الأرض، هي الأرض الجديدة، التي تبدلت، لكنها ما زالت تحوي كل ذرات الأرض القديمة (أرض الدنيا).
وهي أكبر بكثير من الكون كله.
وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا.. ذهول وتعجب، مصحوبان بخوف وفزع.
يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا..
وما أخبارها؟ قرأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هذه الآية: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها، أن تشهد على كل عبد وأَمَة، بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها.
زُلۡزِلَتِ، من الألفاظ الاهتزازية، في القرآن الكريم!
تأمل لفظة (زل زل) فهي تكرار لحرفين، حرفين! وتستشعر معها معنى الاهتزاز فعلاً، فاللفظ نفسه مجرداً، يهتز علي شفتيك، ويوضح المعنى، توضيحاً جلياً، وكأنك تسمع صوتاً، وتشاهد صورة!
ولا عجب، فهو كلام الله، الذي تفرد عن كل كلام.
الزلزال، قد يكون عقاباً، وقد لا يكون كذلك، لكنه في جميع الأحوال رسالة، نأخذ منها قدراً عظيماً من العبر والعظات..
دائماً ندعو ربنا، جلت قدرته، بالسلامة والأمان، والنجاة من فواجع الأقدار، ومما لا نستطيع معه صبراً.
دائماً نسأله، سبحانه وتعالى، الإمهال، وحُسن الخاتمة.
دائماً نرجوه، جل شأنه، العفو والرحمة، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم.
اللهم آمين..