منذ أن شنت إسرائيل حربها الوحشية على غزة، اضطلعت مصر بدور محوري في التحرك السياسي والدبلوماسي الهادف إلى حماية القضية الفلسطينية، ووقف نزيف الدم، ومنع تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ولم يقتصر هذا الدور على الجهود الإنسانية والإغاثية، بل امتد إلى قيادة مسار تفاوضي بالغ التعقيد، استند إلى ثوابت السياسة المصرية التي ترى أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة يبدأ من التوصل إلى سلام عادل وشامل، يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وعلى امتداد اتصالاتها المكثفة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وظفت مصر أدواتها الدبلوماسية بكفاءة عالية، مستفيدة من ثقلها السياسي، ومصداقيتها التاريخية، وعلاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف، بهدف التوصل إلى اتفاق يضع حدًا للعمليات العسكرية الجائرة، ويضمن الإفراج عن المحتجزين والأسرى، ويفتح الطريق أمام مسار سياسي يعيد الأمل في إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وقد أثمرت هذه الجهود عن إبرام اتفاق يمهد لبدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وهي مرحلة ذات أهمية خاصة، لأنها تمثل انتقالًا من التهدئة المؤقتة إلى خطوات أكثر استدامة، تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، وتوسيع دخول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، وفتح الباب أمام تسوية سياسية أوسع نطاقًا.
ولا يختلف اثنان على أن ما تحقق يُعد إنجازًا جديدًا للدبلوماسية المصرية في إدارة واحدة من أعقد الأزمات وأكثرها تشابكًا في الشرق الأوسط. فقد نجحت مصر في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، وعملت بصبر وهدوء على تقريب وجهات النظر، بعيدًا عن الضغوط والحسابات الضيقة، واضعة في مقدمة أولوياتها حماية المدنيين، وصون الحقوق الفلسطينية، ومنع اتساع رقعة الصراع الذي يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
كما استطاعت القاهرة إخراج ملف غزة من حالة الجمود، والتغلب على المماطلات الإسرائيلية المتكررة، بما حال دون الالتزام الكامل باستحقاقات التهدئة وإحلال السلام في القطاع، وذلك رغم ما يحيط بالإقليم والعالم من تحديات وأزمات متلاحقة. وظلت مصر، كعهدها دائمًا، داعمة للقضية الفلسطينية ومساندة لها بكل ما تملك، ولا سيما في أصعب وأحرج الأوقات.
ولم تغب الجهود الإنسانية عن المشهد، إذ تحملت مصر مسئولية كبيرة في إدخال المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية إلى غزة، واستقبال المصابين والجرحى لتلقي العلاج، فضلًا عن استمرار التنسيق مع المنظمات الدولية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، رغم التحديات الأمنية واللوجستية التي فرضتها ظروف الحرب، وكذلك محاولات عرقلة دخول المساعدات من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، بما زاد من معاناة الفلسطينيين وعمق أزماتهم.
كما رفضت مصر منذ البداية أي محاولات لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، مؤكدة أن هذه الطروحات تمثل تهديدًا مباشرًا للقضية الفلسطينية ولأمن المنطقة برمتها. وتمسكت القاهرة بموقفها الرافض لتصفية القضية الفلسطينية أو فرض حلول لا تستند إلى الشرعية الدولية، وهو موقف حظي بتقدير واسع عربيًا ودوليًا.
إن بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة يمثل خطوة مهمة نحو بناء مسار سياسي أكثر استقرارًا، وهو ما يتطلب استمرار الجهود الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الدور المصري، لضمان تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وتجاوز العقبات التي قد تعترض طريق التنفيذ، وصولًا إلى تسوية شاملة تحقق الأمن والاستقرار لشعوب المنطقة كافة.
لقد أثبتت التجربة أن مصر تظل الطرف الأكثر قدرة على أداء دور الوسيط النزيه والمسئول، بفضل خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات والقضايا الإقليمية، وإيمانها الراسخ بأن السلام الحقيقي يتحقق بالحوار، واحترام القانون الدولي، وإنصاف الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، تبقى القاهرة ركيزة أساسية لأي تحرك يهدف إلى استعادة الاستقرار في الشرق الأوسط، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي الإستراتيجي، وإنما أيضًا بحكم مكانتها السياسية ودورها التاريخي. ومن ثم، فإن نجاح الجهود المصرية في الدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة يمثل محطة مهمة في مسار حماية القضية الفلسطينية، ويؤكد أن الدبلوماسية المصرية ما زالت قادرة على صناعة الفارق، وفتح آفاق جديدة أمام سلام عادل ودائم، يحفظ الحقوق، ويضع حدًا فاصلًا لمعاناة الشعب الفلسطيني، ويعزز أمن واستقرار الشرق الأوسط.