سناء البيسي... نصف دنياي!!

5-8-2026 | 13:32

هناك أشخاص يمرون بحياتنا، نذكر أسماءهم ثم نطوي الصفحة. وهناك قلة نادرة لا يمرون فقط، بل يتركون شيئًا منهم في داخلنا، فنمضي بقية العمر نحمل بصمتهم دون أن نشعر.. يسكنون تفاصيلنا الصغيرة؛ في طريقة تفكيرنا، وفي الكلمات التي نختارها، وفي المواقف التي نمر بها، فنجد أنفسنا نردد ما تعلمناه منهم دون أن ندرك.

كانت الأستاذة «سناء البيسي» واحدة من هؤلاء.

لم تكن بالنسبة لي مجرد اسم كبير في عالم الصحافة، أو رئيسة تحرير لمجلة صنعت تاريخًا مثل «نصف الدنيا»، بل كانت اليد التي امتدت في اللحظة المناسبة لتأخذ بيد صحفية شابة كانت تبحث عن مكان لها وسط زحام المهنة والمهنيين.

كانت أستاذة بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ علمتني أن الصحافة ليست خبرًا أو تحقيقًا أو كلمات على الورق، بل مسئولية ورسالة وروح . كانت تمنحنا الثقة قبل أن تمنحنا التكليف، وتكتشف الموهبة قبل أن يكتشفها صاحبها، وترى في كل إنسان حكاية تستحق أن تُحكى..

وفي الثالث من أغسطس من كل عام، يوم ميلادها، لا أبحث عن كلمات تهنئة عابرة، بل أفتح دفترًا من العمر اسمه «نصف الدنيا»، وأستعيد زمنًا لم يكن مجرد محطة عمل، بل سنوات تشكلت فيها ملامح الصحفية والإنسانة بداخلي.

فـ«نصف الدنيا» لم تكن مجلة نسائية بالمعنى التقليدي، بل كانت بيتًا للأسرة المصرية، ومنبرًا للثقافة، ونافذة يطل منها الإنسان على أخيه الإنسان.

كانت تؤمن أن المرأة ليست صورة على صفحة، ولا موضوعًا عابرًا، بل عقل وقلب ورسالة؛ ولذلك صنعت تجربة صحفية سبقت زمنها، وبقيت حاضرة في ذاكرة كل من عمل بها أو قرأها..

دخلت عالم الصحافة وأنا أحمل حلمًا أكبر من عمري، لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالموهبة وحدها. كانت هناك أبواب تُفتح أحيانًا بالوساطة، أما أنا فلم يكن معي سوى قلم، وإيمان بأن الاجتهاد لا بد أن يجد يومًا نافذته.

كنت أعمل في جريدة «العمال»، وأدرس في الجامعة، وأجري وراء الخبر والتحقيق كما يجري طفل خلف حلمه الأول.

هناك تعلمت كيف أمسك بالقلم، وكيف أكتب الخبر والتحقيق والقصة الإنسانية، وكان الفضل بعد الله لأساتذة كبار تعلمت منهم معنى المهنة قبل أدواتها؛ أحمد حرك، وعلي عثمان، وعبدالمعطي أحمد أساتذة البدايات.

ثم جاءت تجربة «الأهرام العربي» في أواخر التسعينيات، فقلت: لعلها تكون الخطوة التي تقودني إلى حلم الأهرام.

كان الحلم أكبر من الإمكانات، لكن حب المهنة كان رأس المال الحقيقي. كنا نعشق ما نفعل، حتى رائحة ورق الدشت الأصفر ما زالت عالقة في ذاكرتي.

كنا نعود إلى بيوتنا متعبين، لكن سعداء، لأننا كنا نعيش الصحافة كما حلمنا بها، هناك التقيت بالأستاذ الراحل محمد همام، ذلك الإنسان النبيل الذي آمن بي، ورأى في حماسي ما لم أكن أراه في نفسي..

وحين غادر المجلة، شعرت أن الباب الذي ظننته بوابة القدر قد أُغلق فجأة في وجهي. عدت إلى «العمال» وأنا أبكي حلمًا حسبته انتهى قبل أن يبدأ، لكنني أدركت فيما بعد أن بعض الأبواب لا تُغلق... وإنما يُؤجلُ موعدُ فتحِها.

ظللت على تواصل مع الأستاذ محمد همام، حتى قرأت، ذات صباح، خبر توليه منصب مدير التحرير في مجلة «نصف الدنيا»، المجلة التي طالما تمنيت أن أكون جزءًا منها.

أرسلت إليه برقية تهنئة، كما كانت العادة في ذلك الزمن الجميل، ثم اتصلت به في اليوم التالي. وما زلت أسمع صوته حتى الآن:
«إنتِ فين يا بنتي؟ تعالي حالًا... أنا بدور على تليفونك»، وكانت تلك الجملة بداية فصل جديد في حياتي وفي «نصف الدنيا».
ومنذ اللحظة الأولى تعلمت درسًا مهمًا في الصحافة
قال لي الأستاذ محمد همام:
«أنا مش عايز أشوفك هنا... سلّمي شغلك وامشي على طول»!

تعجبت من طلبه وقتها، لكنني فهمت بعد ذلك أنه كان يرى ما لم أكن أراه؛ كان يريد أن يعرفني الناس من خلال ما أكتب، لا من خلال وجودي في المكاتب.

قضيت عامًا كاملًا أعمل من الخارج. كنت أكتب التحقيقات، وألاحق القصص الإنسانية، وأشعر بسعادة كبيرة كلما وجدت أحد حواراتي أو موضوعاتي على غلاف «نصف الدنيا».

كان ذلك يمنحني الحماس لأواصل الطريق، وأثبت أن القلم وحده قادرعلى فتح الأبواب، في اجتماعات التحرير، كانت الأستاذة سناء البيسي تشير بيديها بتلك الحركة التي تشبه جناحي حمامة، كلما جاء ذكر موضوع مميز أو سبق صحفي، وكان السؤال يتكرر: «مين صاحب الموضوع؟».

ولم أعرف إلا بعد سنوات، من زميلي الراحل الفنان محمد حجازي، أنها كانت قد أطلقت عليّ لقب «الحمامة» أو «اليمامة».

ضحكت كثيرًا عندما عرفت، لكنني أدركت بعدها أن أجمل الألقاب والشهادات هي تلك التي تُمنح للإنسان في غيابه، دون أن يطلبها أو ينتظرها..

وبعد عام كامل من العمل والإنجازات الصحفية، طلبت الأستاذة سناء البيسي أن تقابلني!

كان اللقاء بالنسبة لي حدثًا كبيرًا! فقد كانت المرة الأولى التي أجلس فيها أمامها كصحفية أصبحت جزءًا من المجلة، وليس فقط صاحبة موضوعات تصل إليها من بعيد.

تعاملت مع هذا اللقاء كأنه موعد لا يتكرر! ذهبت أبحث عن بدلة جديدة أرتديها، واشتريتها خصيصًا لهذا اليوم. كنت أريد أن تكون صورتي الأولى أمامها كما أتمنى، لأن بعض اللحظات الأولى تبقى في الذاكرة طويلًا!

دخلت عليها وأنا أحمل فرحتي وتوتري معًا!

استقبلتني ببساطتها ودفئها المعتاد، ونظرت إلى بدلتي بابتسامة وقالت: «اللون ده لايق عليكِ».

كانت جملة بسيطة، لكنها بقيت في ذاكرتي حتى اليوم؛ لأنني شعرت وقتها أنني لم أدخل مكتب رئيسة تحرير فقط، بل دخلت مساحة إنسانية تمنحك الأمان قبل أن تطلب منك الإنجاز، ثم قالت:
«من هنا ورايح إنتِ معانا... احضري اجتماعات التحرير مع زملائك، إنتِ بقيتِ واحدة من المجلة..».

كانت جملة قصيرة، لكنها بالنسبة لي كانت إعلانًا بأن الحلم الذي سعيت إليه بدأ يصبح حقيقة!

في تلك اللحظة فهمت حكمة محمد همام. كان يريد أن يصنع اسمي من خلال عملي، لا من خلال وجودي في المكان.

وعندما عرف الزملاء أنني لست الصحفية المخضرمة التي تخيلوها، بل فتاةٌ صغيرةٌ جاءت وحدها بلا واسطة، تحمل قلمها فقط، بدأت الاختبارات والأسئلة والمناوشات.

شعرت بالخوف أحيانًا، لكن ما زرعته الأستاذة سناء بداخلي من ثقة جعلني أواصل الطريق كانت تقول لي: «ما تخافيش... أنا وراكي»!

ولم تكن هذه الجملة مجرد دعم معنوي، بل كانت إحساسًا حقيقيًا بأن هناك من يؤمن بك ويدفعك إلى الأمام.

كانت سناء البيسي خط الدفاع الأول عن الصحفيين الشباب في «نصف الدنيا». لم تكن فقط رئيسة تحرير تدير العمل، بل كانت تصنع أجيالًا، وترى في كل واحد منا مشروعًا صحفيًا يستحق أن يكتمل!

لم يكن عطاؤها مجرد مكافآت أو كلمات تشجيع، بل كان احتواءً وثقة ومسئولية. كانت تجعلنا نشعر بأننا قادرون على الوصول، وأن لكل منا مكانًا ينتظره إذا اجتهد وأخلص لقلمه!

كانت تفرح بأبسط خبر، وتشجع دون أن تجرح، وتقول بابتسامتها التي لا تُنسى: «برافو يا حبيبتي... هايلة»!

وكأنها تمنحك وسامًا لا مجرد كلمة، وكانت تؤمن بأن للكاتب شخصية، وأن مقدمة الموضوع تكشف روح صاحبه، لذلك كانت تطلب من زملاء الديسك الاحتفاظ بالمقدمات الجميلة.

كانت تعلمنا أن الصحافة ليست معلومات فقط، بل إحساس ورؤية وإنسانية.

وحين أرسلتني الأستاذة إلى بورسعيد لتغطية الأحداث الساخنة عند تحويلها إلى منطقة حرة، كانت تمنحني فرصة وثقة ومسئولية في الوقت نفسه!

كنت هناك مع زميلي المصور محمد السهيتي، وخلال يومين فقط كنا قد أنجزنا معظم تفاصيل التغطية، ولم يتبقَّ سوى الحوار مع المحافظ، ولكنها، بحسها الإنساني قبل خبرتها المهنية، شعرت بالقلق عليّ، وخافت أن تكون الظروف أكبر من قدرة صحفية شابة تخوض تجربة بهذه الصعوبة؛ ولذلك أرسلتِ زميلنا الراحل مصطفى الجمل، رحمه الله، ليلحق بنا، لم يكن ذلك نقصًا في الثقة، بل كان فائضًا من الأمومة.

وهذه هي الكلمة التي كلما بحثت عن وصف يليق بها وجدتها تسبق كل الصفات.

لم تكن سناء البيسي رئيسة تحرير فقط، بل كانت أمًا لكل موهبة شابة. تعرف متى تشجع، ومتى تعاتب، ومتى تدفعك خطوة إلى الأمام. كانت ترى في كل واحد منا منطقة لا نراها نحن في أنفسنا، ثم تصر على أن نصل إليها، وحين بدأت أكتب ملفات الصحة، لم يكن ذلك مصادفة، كانت هي التي دفعتني إلى أن أجد صوتي الخاص، وأن أختار مجالاً أستطيع من خلاله أن أقدم للقارئ معرفة حقيقية تمس حياته.

كانت تريد أن يكون وراء كل موضوع حكاية، وأن يشعر القارئ بأن الصحفي لا ينقل المعلومة فقط، بل يحمل معها إنسانيتها ودفئها وتأثيرها، وحتى عندما كنت أسافر خارج مصر لتغطية المؤتمرات الدولية، كانت توصيني بعبارتها التي لا أنساها:

«استمتعي... وبعدين اكتبي اللي حسيتي بيه»!

يا لها من جملة تختصر فلسفة الكتابة كلها!

فهي لم تكن تريد منا أن نكون آلات تجمع المعلومات، بل كانت تريدنا أن نعيش التجربة، أن نرى ونشعر، ثم نكتب بصدق.

ومعها لم أشعر يومًا أنني أمارس وظيفة، بل كنت أمارس هوايتي المفضلة؛ كنت أُخرج كل طاقتي في الصحافة، كما يُخرج الإنسان طاقته في شيء يحبه ويؤمن به.

كانت خفيفة الروح، طيبة القلب، قريبة من الجميع، وكان وجودها يمنح المكان دفئًا خاصًا..
وحين انتهت سنواتها بالعمل في «نصف الدنيا»، شعرت بفراغ كبير!

فقد كان وجودها جزءًا من معنى المكان. كانت الروح التي منحت المجلة دفئها وقربها وإنسانيتها.. ولا أعرف حتى اليوم لماذا لم تحصل هذه السيدة العظيمة على التكريم الذي تستحقه، فهي صاحبة مسيرة طويلة في الصحافة والكتابة، وأثرت الحياة الثقافية والإعلامية في مصر بهدوء قلمها وحضورها.

وكنت أتمنى أن تُرشح لجائزة الدولة التقديرية، فهذا أقل تكريم مسيرة عطرة قدمت خلالها الكثير للصحافة والثقافة في مصر، ولكن ربما كان أعظم تكريم لها هو هذا الأثر الذي تركته في أجيال من الصحفيين، الذين تعلموا منها أن الكلمة ليست مجرد حروف، بل مسئوليةٌ ورسالة.

في عيد ميلادك يا أستاذتي، لا أملك هدية تليق بكل ما منحتِه لنا، سوى هذه الكلمات التي خرجت من قلب تلميذة ما زالت ترى فيكِ بداية الطريق.

لقد تركتِ داخلي أكثر من درس في الصحافة؛ تركتِ إيمانًا بأن الموهبة تحتاج إلى من يراها، وأن الإنسان قبل القلم هو جوهر كل حكاية.

ولهذا، حين أقول:
سناء البيسي... نصف دنياي
فأنا لا أتحدث عن سنوات عمل فقط، ولا عن مجلة صنعت تاريخًا، بل عن عمر كامل من التعلم والامتنان والذكريات.

ستبقين كما بقيت «نصف الدنيا» في وجدان أجيال، علامة على زمن جميل، ودليلاً على أن الصحافة يمكن أن تكون إنسانية قبل أن تكون مهنة.

معكِ أنتِ مارستُ هوايتي المفضلة التي أحببتها بكل كياني، ومعكِ كان يكفيني فقط أن أكون بجانبكِ، حتى لو كان مكتبي بجوار البوفيه.

أما أنا، فسأظل تلك «الحمامة» التي رأيتِها يومًا في بدايتها، ومنحتِها جناحين لتعرف أن للسماء مكانًا لمن يؤمن بحلمه.

وستظل تلك الحمامة تحلق، تحمل اسمك في ذاكرتها، وفضلك في قلبها، وحكاية امرأة عظيمة علمتها أن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس فقط ما يكتبه... بل ما يزرعه في قلوب وعقول ووجدان الآخرين..

كل عام وأنتِ بخير يا أستاذتي...

كل عام وأنتِ نصف دنياي... بل كل دنياي!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: