في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالٌ اشتهروا بالعلم، وآخرون عُرفوا بالحكمة، وغيرهم خلدهم التاريخ بشجاعتهم في ميادين القتال. لكن البراء بن مالك الأنصاري رضي الله عنه جمع بين الشجاعة النادرة والإيمان العميق، حتى وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لو أقسم على الله لأبرَّه، وهي شهادة عظيمة لم ينلها إلا أفراد قليلون من الصحابة.
موضوعات مقترحة
وكان البراء رضي الله عنه لا يبحث عن مكانة أو قيادة، بل كان يطلب أشد مواقع القتال، ويرى أن حياته لا تساوي شيئًا إذا كان فيها نصرٌ للإسلام. ولهذا ارتبط اسمه بأعظم معارك المسلمين في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى ختم حياته شهيدًا كما كان يتمنى.
من هو البراء بن مالك؟
هو البراء بن مالك بن النضر الأنصاري رضي الله عنه، من بني النجار من الخزرج، وأخو الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونشأ في بيتٍ عُرف بالإيمان والسبق إلى الإسلام، فكان أخوه أنس ملازمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، بينما اختار البراء طريق الجهاد في سبيل الله، حتى أصبح من أشهر فرسان المسلمين.
وقد ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن حجر في الإصابة، وعدوه من كبار المجاهدين من الصحابة.
أخو أنس بن مالك
كان البراء رضي الله عنه شقيق أنس بن مالك، الذي روى آلاف الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورغم أن الأخوين سلكا طريقين مختلفين في خدمة الإسلام، فإن كليهما بلغ منزلة عظيمة؛ فأنس خدم النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ سنته، أما البراء فكان من أشجع المقاتلين في سبيل الله.
وقد نقل أنس كثيرًا من أخبار أخيه، ومن أشهرها شهادة النبي صلى الله عليه وسلم في حقه.
"لو أقسم على الله لأبرَّه"
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرين لا يُؤبه له، لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم البراء بن مالك".
رواه الإمام مسلم، ووردت تسمية البراء في روايات صحيحة أخرى عند أهل الحديث.
وهذه الشهادة النبوية تدل على عظيم إخلاصه وقربه من الله، وأن منزلته عند الله كانت أعظم مما توحي به هيئته البسيطة وحياته الزاهدة.
البراء بن مالك
بطل معركة اليمامة
كانت معركة اليمامة من أعنف المعارك التي خاضها المسلمون ضد أتباع مسيلمة الكذاب.
ولما تحصن المرتدون داخل حديقة الموت وأغلقوا أبوابها، تعذر على المسلمين اقتحامها.
عندها قال البراء رضي الله عنه لرفاقه: "احملوني على ترس، ثم ارفعوني بالرماح حتى تلقوني داخل الحديقة".
فوافقوا، وألقوه داخل الحصن وحده، فقاتل قتالًا شديدًا رغم كثرة أعدائه، حتى تمكن من فتح باب الحديقة للمسلمين، فاندفعوا إلى الداخل، وكان ذلك من الأسباب المهمة في حسم المعركة.
وقد ذكر هذه القصة ابن كثير في البداية والنهاية، والذهبي، وابن حجر، واشتهرت في كتب التاريخ الإسلامي.
وأصيب البراء يومها بجراح كثيرة، حتى قيل إن في جسده أكثر من ثمانين جرحًا، وظل يُعالج مدة طويلة حتى تعافى.
سلسلة صحابة رسول الله
دعاءٌ غيّر مجرى المعركة
كان المسلمون يعرفون مكانة البراء عند الله، فإذا اشتدت المعارك طلبوا منه الدعاء.
وفي إحدى الوقائع قالوا له: "يا براء، أقسم على ربك". فقال: "اللهم امنحنا أكتافهم، وألحقني بنبيك".
فحقق الله للمسلمين النصر، ولم تمضِ مدة طويلة حتى نال البراء الشهادة التي كان يتمناها.
وقد أورد أهل السير هذه المواقف استدلالًا بما شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم من استجابة الدعاء.
استشهاده في فتوح فارس
واصل البراء رضي الله عنه الجهاد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وشارك في فتوح العراق وفارس.
وفي معركة تُستر سنة 20 للهجرة تقريبًا، قاتل قتالًا شديدًا حتى استشهد، بعد حياة قضاها في ميادين الجهاد.
وبذلك تحققت أمنيته التي كان يرددها في دعائه، أن يرزقه الله النصر للمسلمين ثم يلحقه بالشهداء.
رجلٌ لم يعرف المستحيل
لم يكن البراء بن مالك رضي الله عنه من كبار الخطباء أو الولاة، لكنه كان من أعظم رجال التضحية في تاريخ الإسلام.
شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بقربه من الله، حتى قال إنه لو أقسم على الله لأبرَّه، ثم أثبت في ميادين القتال أن الإيمان الصادق يصنع من صاحبه رجلًا لا يعرف الخوف، فاقتحم الحصون، وواجه الجيوش، وتمنى الشهادة حتى نالها.
ولهذا بقي البراء بن مالك رضي الله عنه واحدًا من أكثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلهامًا في الشجاعة والإخلاص، ورمزًا للمؤمن الذي جمع بين قوة اليقين وعظمة التضحية، حتى أصبح اسمه حاضرًا في كتب السنة والسيرة بوصفه واحدًا من أصحاب الدعوة المستجابة والبطولة النادرة.
المصادر: القرآن الكريم، صحيح مسلم، الطبقات الكبرى لابن سعد، سير أعلام النبلاء للذهبي، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، البداية والنهاية لابن كثير، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.