خمسون يومًا من مقاطعة الصحابة انتهت بآيات تُتلى إلى يوم القيامة.. كيف أنقذ الصدق كعب بن مالك؟| إنفوجراف

7-8-2026 | 14:17
خمسون يومًا من مقاطعة الصحابة انتهت بآيات تُتلى إلى يوم القيامة كيف أنقذ الصدق كعب بن مالك؟| إنفوجرافكيف أنقذ الصدق كعب بن مالك؟
سارة إمبابي

في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف تكشف أن أعظم النجاة قد تكون في كلمة صدق، حتى وإن بدت في ظاهرها سببًا للهلاك. ومن أروع هذه المواقف قصة كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، الصحابي الذي تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، ثم وقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم معترفًا بخطئه، رافضًا أن ينجو بالكذب كما فعل بعض المنافقين.

موضوعات مقترحة

وبسبب هذا الصدق، عاش كعب رضي الله عنه خمسين يومًا من أصعب أيام حياته، قاطعه فيها المسلمون جميعًا تنفيذًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نزلت توبته من فوق سبع سماوات، فخلد الله قصته في القرآن الكريم، لتبقى درسًا خالدًا لكل مسلم.

من هو كعب بن مالك؟

هو كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، من بني سلمة بالمدينة المنورة.

كان من كبار شعراء الأنصار، ومن أهل السابقة إلى الإسلام، وشهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وكان من الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة.

وقد ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن حجر في الإصابة، وعدوه من كبار الصحابة وأهل الفضل.

ورغم أنه لم يشهد غزوة بدر، لأنه خرج مع المسلمين في مهمة أخرى قبل وقوع القتال، فإنه شهد سائر المشاهد بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لماذا تخلف عن غزوة تبوك؟

في السنة التاسعة للهجرة، دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين للخروج إلى غزوة تبوك، وكانت من أشق الغزوات؛ لشدة الحر، وبعد المسافة، وقلة الزاد.

وكان كعب رضي الله عنه في أفضل حالاته من حيث القوة والمال، حتى قال عن نفسه: "والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". رواه البخاري ومسلم.

لكنه أخذ يؤجل الاستعداد يومًا بعد يوم، حتى خرج الجيش، وبقي في المدينة، ثم أدرك أن الفرصة قد فاتته.

الصدق الذي أنقذه

عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، جاءه المتخلفون يعتذرون بأعذار مختلفة، فقبل منهم ظاهر كلامهم، ووكل سرائرهم إلى الله.

أما كعب رضي الله عنه، فقد دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الحقيقة كاملة، معترفًا بأنه لم يكن له عذر.

قال: "والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله". رواه البخاري ومسلم.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". وكانت هذه الكلمة بداية أعظم اختبار في حياته.

خمسون يومًا من المقاطعة

أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ألا يكلموا كعب بن مالك وصاحبيه: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهما. فاستجاب الصحابة جميعًا، حتى أقرب الناس إليهم.

ووصف كعب تلك الأيام وصفًا مؤثرًا في الحديث الطويل الذي رواه البخاري ومسلم، فقال إن الأرض ضاقت عليه بما رحبت، وإن نفسه أصبحت تضيق عليه.

وبعد أربعين يومًا، جاءه أمر جديد بأن يعتزل زوجته أيضًا، فازداد البلاء شدة، لكنه ظل ثابتًا، لم يندم على صدقه، ولم يتراجع عنه.

وخلال هذه الفترة، وصلت إليه رسالة من ملك غسان يدعوه فيها إلى ترك المدينة والالتحاق به، مستغلًا ما يمر به من محنة.

لكن كعبًا أدرك أن ذلك فتنة، فألقى الرسالة في النار، مفضلًا البقاء على طاعة الله ورسوله.

إنفوجراف- الصحابي كعب بن مالك

التوبة التي نزل بها القرآن

بعد خمسين ليلة، أنزل الله سبحانه وتعالى توبة الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118]

فلما سمع الناس الآية، أسرعوا يبشرون كعبًا رضي الله عنه، وكان أول ما فعله أن خر ساجدًا لله شكرًا.

ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه يشرق من الفرح، وقال له: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك". رواه البخاري ومسلم.

عهدٌ قطعه على نفسه

بعد أن تاب الله عليه، قال كعب رضي الله عنه: "يا رسول الله، إن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت".

ثم قال بعد سنوات: "فوالله ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله". رواه البخاري.

فكان يرى أن أعظم نعمة أن الله وفقه للصدق، وأنه لم يلجأ إلى الكذب لينجو مؤقتًا، فكانت عاقبة الصدق خيرًا في الدنيا والآخرة.

شاعرٌ مجاهد وصاحب مواقف

إلى جانب قصته المشهورة، كان كعب رضي الله عنه من شعراء الإسلام، يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم بشعره، كما شارك في الغزوات بعد توبته، وظل من أهل العلم والفضل حتى توفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

وقد ظل الصحابة والتابعون يروون قصته؛ لأنها من أوضح الأمثلة على أن التوبة الصادقة لا تكون إلا بالاعتراف بالخطأ، والرجوع إلى الله دون تبرير أو خداع.

الصدق الذي خلد صاحبه

لم يكن كعب بن مالك رضي الله عنه معصومًا من الخطأ، فقد اعترف بنفسه أنه أخطأ عندما تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر.

لكن الذي خلد اسمه في القرآن والسنة لم يكن الخطأ، وإنما الطريقة التي واجهه بها؛ إذ اختار الصدق في لحظة كان الكذب فيها أسهل، فكان جزاؤه أن أنزل الله توبته قرآنًا يُتلى إلى قيام الساعة.

ولهذا بقيت سيرته رسالة لكل مسلم بأن الصدق قد يحمل صاحبه مشقة في البداية، لكنه يقوده في النهاية إلى أعظم النجاة، وأن الاعتراف بالخطأ خير من التمادي فيه. وهكذا أصبح كعب بن مالك رضي الله عنه أحد أعظم النماذج المضيئة في تاريخ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورمزًا خالدًا لصدق التوبة والعودة إلى الله.

المصادر: القرآن الكريم، صحيح البخاري، صحيح مسلم، الطبقات الكبرى لابن سعد، السيرة النبوية لابن هشام، سير أعلام النبلاء للذهبي، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، البداية والنهاية لابن كثير، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: