لعقود، جرى التعامل مع تغير المناخ وأمن الطاقة باعتبارهما ملفين متداخلين، لكن لكل منهما أجندته الخاصة. كان المناخ يعني خفض الانبعاثات والتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، بينما كان أمن الطاقة يعني تأمين الإمدادات، وتنويع المصادر، وحماية البنية الأساسية ومواجهة المخاطر الجيوسياسية.
لكن هذه المعادلة تتغير بسرعة. فالمناخ لم يعد مجرد تحدٍ بيئي يفرض على قطاع الطاقة خفض انبعاثاته، بل أصبح عاملًا مباشرًا يمكن أن يؤثر في قدرة منظومات الطاقة نفسها على العمل.
وجاءت أحدث الإشارات من أوروبا. فقد اضطرت المجر إلى إغلاق محطة باكس النووية بالكامل بعد تراجع منسوب نهر الدانوب إلى مستويات شديدة الانخفاض، بما أثر في توافر مياه التبريد اللازمة للمفاعلات. وتكتسب الواقعة أهمية خاصة لأن المحطة، التي تضم أربعة مفاعلات بقدرة إجمالية تقارب 2000 ميغا واط، تمثل مصدرًا رئيسيًا للكهرباء في البلاد، بينما جاءت الأزمة في خضم موجة حر ترفع الطلب على الكهرباء بسبب التبريد.
ولا تقف الدلالة عند حدود المجر. فقد شهدت محطات نووية أوروبية أخرى قيودًا على الإنتاج خلال فترات الحرارة الشديدة، مع ارتفاع درجات حرارة الأنهار وانخفاض مستويات المياه.
المفارقة أن الطاقة النووية، التي ينظر إليها باعتبارها مصدرًا مهمًا للكهرباء منخفضة الكربون، يمكن أن تتأثر بدورها بظروف المناخ. فالمفاعل قد يكون سليمًا، والوقود متوافرًا، والشبكة جاهزة، لكنه يحتاج في النهاية إلى موارد مائية كافية للتبريد.
وهنا يتغير مفهوم أمن الطاقة. فلم يعد السؤال فقط: هل لدينا ما يكفي من الوقود ومحطات التوليد؟، بل أصبح أيضًا: هل تستطيع منظومة الطاقة الاستمرار في العمل في عالم أكثر حرارة وجفافًا؟.
هذا السؤال سيزداد أهمية خلال السنوات المقبلة، لأن موجات الحر يمكن أن تضرب منظومة الطاقة من اتجاهين في الوقت نفسه: ترفع الطلب على الكهرباء، خصوصًا للتبريد، بينما قد تؤدي درجات الحرارة المرتفعة وشح المياه إلى تقليص قدرة بعض محطات التوليد.
إنها معادلة يمكن وصفها بـ"الضغط المناخي على الطاقة": المزيد من الطلب في الوقت الذي تصبح فيه بعض مصادر الإمداد أكثر عرضة للاضطراب.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم جديد لأمن الطاقة يقوم على المرونة المناخية، إلى جانب تنويع مصادر التوليد، وتطوير شبكات الكهرباء، والتخزين، والربط بين الدول، وتحسين تقنيات التبريد، وإدخال السيناريوهات المناخية المستقبلية في تصميم البنية الأساسية للطاقة.
لكن هذه القضية تكتسب أهمية مضاعفة في الشرق الأوسط. فالمنطقة تواجه درجات حرارة مرتفعة وضغوطًا متزايدة على المياه، وفي الوقت نفسه تشهد نموًا سريعًا في الطلب على الكهرباء. غير أن المنطقة تمتلك أيضًا واحدة من أهم الفرص في التحول العالمي للطاقة، بفضل وفرة الشمس، والمساحات المتاحة، والخبرة المتراكمة في قطاع الطاقة، ورؤوس الأموال، والموقع الجغرافي الذي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وهنا تبرز عُمان بصورة خاصة. فمسقط لا تدخل النقاش المناخي من موقع المتلقي فقط، وإنما من موقع يمكن أن يجمع بين خبرة الدولة في قطاع الطاقة، وإمكاناتها في الطاقة المتجددة، وطموحاتها في الهيدروجين الأخضر، وحاجتها إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة التحولات العالمية.
وهذا ما يجعل أسبوع عُمان للمناخ 2026، المقرر عقده في مسقط خلال الفترة من 14 إلى 16 سبتمبر، أكثر من مجرد فعالية مرتبطة بالمناخ.
فالبرنامج يتضمن مؤتمرًا للطاقة المتجددة وتغير المناخ، إلى جانب مؤتمر للإدارة المستدامة للنفايات، وورش عمل وبرامج تدريبية. وتوفر هذه الفعاليات منصة للحوار بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية والمستثمرين حول التكنولوجيا والتمويل والطاقة النظيفة والمرونة المناخية.
وتأتي أهمية هذا النقاش من أن التحول في الطاقة لم يعدمجرد مسألة بيئية. إنه أصبح قضية تتعلق بالتنمية والاستثمار والأمن الاقتصادي والسيادة على الموارد.
فالدول التي تستثمر اليوم في الطاقة الشمسية والرياح والتخزين والهيدروجين والشبكات الذكية لا تستثمر فقط في خفض الانبعاثات، وإنما تبني أيضًا خيارات جديدة لأمن الطاقة.
وبالنسبة لعُمان، يمكن أن يمثل هذا التحول فرصة لإعادة تعريف موقعها في اقتصاد الطاقة العالمي. فالتحول لا يعني بالضرورة الانتقال المفاجئ من اقتصاد قائم على النفط والغاز إلى اقتصاد يخلو منهما.
والأكثر واقعية هو بناء منظومة أكثر تنوعًا، تتعايش فيها مصادر الطاقة التقليدية، والطاقة المتجددة والهيدروجين، والتخزين، والتقنيات الجديدة، خلال مرحلة انتقال طويلة. وهنا يمكن لعُمان أن تستفيد من خبرتها في الطاقة التقليدية لبناء موقع في اقتصاد الطاقة الجديد.
لكن هناك بعدًا آخر لا ينبغي تجاهله: الماء. أزمة الدانوب تذكر العالم بأن المياه ليست قضية بيئية منفصلة عن الطاقة. ففي دول كثيرة، تعتمد محطات الكهرباء على الأنهار أو الموارد المائية في عمليات التبريد. ولذلك فإن الجفاف وارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يتحولا إلى مخاطر مباشرة على أمن الكهرباء.
وفي الشرق الأوسط، حيث المياه مورد إستراتيجي، تصبح هذه العلاقة أكثر وضوحًا. ومن ثم، فإن مستقبل الطاقة في المنطقة يجب أن يُبنى على التفكير في الطاقة والمياه والمناخ باعتبارها منظومة واحدة. وهذا يفتح مجالًا مهمًا أمام عُمان، بما لديها من خبرة في إدارة المياه والتحلية والطاقة، لربط الطاقة المتجددة بإدارة المياه والتخزين والصناعة في نموذج أكثر تكاملًا واستدامة.
إن الدرس الذي يأتي من الدانوب إلى مسقط واضح: المناخ دخل بالفعل حسابات أمن الطاقة.
ولذلك فإن النقاش حول مستقبل الطاقة لا ينبغي أن يقتصر على السؤال عن مصادر الكهرباء التي سوف تنتجها الدول، وإنما يجب أن يشمل قدرتها على الصمود أمام موجات الحر والجفاف والاضطرابات المناخية.
وهنا تأتي أهمية أسبوع عُمان للمناخ. فمسقط تستطيع أن تقدم منصة لحوار يتجاوز الثنائية التقليدية بين "الطاقة التقليدية" و"الطاقة النظيفة"، نحو سؤال أكثر واقعية: كيف نبني نظام طاقة أكثر نظافة، وأكثر أمنًا، وأكثر قدرة على الصمود؟
ويبقى أن هذا هو التحدي الحقيقي. فالتحول في الطاقة ليس مجرد سباق لتركيب المزيد من الألواح الشمسية وتوربينات الرياح. إنه إعادة صياغة مفهوم أمن الطاقة نفسه.
ومن الدانوب إلى مسقط، تتضح معادلة جديدة: المناخ والطاقة والمياه والأمن الاقتصادي لم تعد ملفات منفصلة، وإنما أصبحت أجزاء من معادلة إستراتيجية واحدة.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرح نفسه في مسقط ليس فقط: كيف نخفض الانبعاثات؟، بل.. كيف نبني نظام طاقة قادرًا على الصمود أمام المناخ الذي يتشكل من حولنا؟.
في الإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن يتحول الحوار المناخي من مجرد التزام سياسي إلى إستراتيجية اقتصادية واستثمارية، وأن تصبح عُمان واحدة من المنصات التي تساعد على صياغة ملامح هذه المرحلة الجديدة.