هناك من يحاول التأثير في القرار المصري ليزج بأصحابه في أحداث لا توصف إلا بجنون قد أصاب الكل، هناك جهود حثيثة خبيثة تسعى من أجل إحداث فوضى تنتهي بمشهد عبثي لا يليق بتاريخ وحضارة مصر، هناك من نسي، بجهل منه أو بعلم، ما تلقاه من درس قاسٍ في أمسه القريب، كأنه يريد أن نذكره بما غاب عن ذهنه يوم أن طمس الدهر بعضًا من أثر علامات هزيمته، فأصبح مع مرور الوقت لا يذكر الألم بأكمله، أنكر على نفسه الإحساس بالخزي والعار والقهر.
الدروس لم تزل ممكنة التلقين من جديد، والنضال ليس بالحرب وحسب، مصر لم ولن تتهاون في حق لها بشهادة التاريخ فنحن من ابتدعنا الثأر، آمنا به واتخذناه سبيلًا مهما مرت العهود ومهما طال بنا العمر، مصر كما نعلم محفوظة باقية، هذا ذكر من الله ووعد منه منزل في كل كتاب، نقولها بملء الفم وبكل فخر.
من خانته ذاكرته عليه أن يراجعها، ومن راح في سبات عميق عليه أن يستيقظ، ومن استهان بمصر وقرر أن يبارزها فقد كتب على نفسه الفناء بلا أدنى شك، هذا وعد رب عادل ترجمته كلمات رسل، لا يغرنكم مجمل الصبر الذي يفرض علينا الصمت أحيانًا، فتحت رماد الحكمة هناك لهب مستعر، وعلى من بغى أن ينتظر درسًا قادمًا أقوى من كل دروس الماضي، وأعظم من كل ما مضى أو مر.
لسنا دعاة حرب فالمحبة عنواننا، ولكننا حين يحتدم الأمر فلا مفر من مواجهة لا تبقي ولا تذر.
الشجاعة هي كينونة أنفسنا والفداء غذاء تربينا عليه بعثًا للروح قبل القلب، نحن شعبٌ أَبِيٌّ له من الأهداف والسبل ما لا يُرى -إن عَلِمْتُم- عودوا لحجمكم الضئيل، واندبوا من تلك اللحظة حظكم العَثِر، فمصرُ لم تَمَلَّ من جهادٍ معلومٍ أو مستتر، مصرُ خُلِقَت لتبقى، أما أنتم فالزوال مصيركم وكل نصيبكم، عودوا للتاريخ وكرروا السؤال عليه: أبَقِيَ بخيرٍ كل من سَوَّلَت له نفسُه الإساءةَ لمصر؟!
كلما تعرضنا لشر أو لسوء وهبنا على الفور أرواحنا لهذا الوطن الذي أعطى ولم يبخل، لم تزل جينات الأجداد باقية بداخلنا، فمن تعود النزال لم يجبن ولم يستسلم، إياكم أن تستهينوا بصمت لحظي يقيم بإرادته في كنف حكمة بالغة لا أول لها ولا آخر، حذارٍ من عناد يواجه عنادنا فالعناد -كله- ميراثنا الذي عنه لم نتنازل، تذكروا أننا من عاندنا الصخر، كسرنا صلابته يوم أن سطرنا فوق جبينه دروس تاريخنا المشرق، قصص كفاح عديدة ستبقى وتظل.