مصر والسعودية: صمام الأمان في منطقة على حافة الانفجار

4-8-2026 | 13:20

ليست المنطقة العربية، في هذه اللحظة، أمام أزمة واحدة يمكن احتواؤها، أو حرب واحدة يمكن تطويقها، أو خلاف واحد يمكن تأجيله. 

نحن أمام مشهد تتدافع فيه الأزمات كما تتدافع أمواج البحر في عاصفة مفتوحة. حرب في إيران وغزة، واضطراب في البحر الأحمر، وانهيار يهدد السودان، وتوترات تمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي، بينما تقف القوى الكبرى على مسافات مختلفة من النيران، لا لإطفائها دائمًا، وإنما أحيانًا لإدارة اتجاهها ومداها وتوقيت اشتعالها.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون قيمة الدول في عدد ما تصدره من بيانات، وإنما في قدرتها على منع الانهيار حين يصبح الانهيار احتمالاً واقعيًا. 

وهنا تحديدًا تظهر أهمية مصر والسعودية. فهما ليستا دولتين كبيرتين في الإقليم فحسب، وإنما دولتان يقع على عاتقهما، بحكم الجغرافيا والتاريخ والقدرة، عبء منع المنطقة من السقوط الكامل في المجهول.

مصر تقف عند تقاطع الأزمات. حدودها الشرقية تمس المأساة الفلسطينية، وحدودها الجنوبية تتصل بالحرب السودانية، وسواحلها تطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وقناة السويس في قلب حركة التجارة العالمية. أما السعودية، فهي مركز الثقل الاقتصادي العربي، وواحدة من أهم القوى المؤثرة في أسواق الطاقة، وصاحبة شبكة علاقات واسعة مع القوى الدولية الكبرى، إلى جانب ثقلها السياسي والديني في العالمين العربي والإسلامي.

ومن هنا، فإن العلاقة بين القاهرة والرياض لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد علاقة ثنائية قابلة للدفء أو الفتور بحسب الظروف. فحين تضطرب المنطقة، يتحول التنسيق بينهما إلى ضرورة تتجاوز حسابات اللحظة، لأنهما معًا يملكان ما لا تملكه دولة عربية واحدة منفردة: الثقل العسكري والجغرافي من ناحية، والقدرة الاقتصادية والدبلوماسية من ناحية أخرى.

ولعل أخطر ما يواجه الإقليم اليوم أن قواعده القديمة تتهاوى قبل أن تتشكل قواعد جديدة. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة المنطقة كما فعلت في العقود السابقة، لكنها لم تغادرها. الصين تتقدم اقتصاديًا، لكنها لا تريد أن ترث أعباء الهيمنة. روسيا حاضرة، لكنها مثقلة بصراعاتها. أما أوروبا، فهي أقرب إلى القلق منها إلى الفعل. وفي هذا الفراغ النسبي، تصبح المنطقة معرضة إما للفوضى، أو لأن تُدار من خارجها كمساحة نفوذ متنازع عليها.

هنا يكتسب التنسيق المصري–السعودي معناه الحقيقي. فالمطلوب ليس مجرد تنسيق في المواقف، وإنما بناء قدرة عربية على الإمساك بزمام الإقليم قبل أن تمسك به قوى أخرى. والمعادلة التي يمكن أن تنشأ بين القاهرة والرياض ليست معادلة حرب، بل معادلة ردع تقوم على منع الحرب. فمصر لا تستعرض قوتها بقدر ما تحتفظ بها كحاجز أمام المغامرة، والسعودية لا تستخدم نفوذها لزيادة الاستقطاب، بل لفتح أبواب التهدئة حين تضيق مساحات السياسة.

وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته بـ"الردع بالاستقرار". فالاستقرار هنا ليس حالة سكون، وإنما فعل قوة. أن تمنع خصمك من فرض أمر واقع، من دون أن تنجرف إلى مواجهة يريدها. وأن تحافظ على حدودك ومصالحك، من دون أن تسمح بتحويل بلادك إلى ساحة صراع بالوكالة. وأن تكون قادرًا على التحدث مع واشنطن وبكين وموسكو وبروكسل في الوقت نفسه، من دون أن تصبح تابعًا لأي منها.

والبحر الأحمر يقدم المثال الأوضح. لم يعد مجرد ممر للسفن، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح التجارة والطاقة والقواعد العسكرية والكابلات البحرية والموانئ. وكل اضطراب فيه يصيب مصر عبر قناة السويس، ويصيب السعودية عبر موانئها ومنشآتها وخطوط إمدادها. ولذلك فإن أمن البحر الأحمر لا ينبغي أن يترك لتحالفات دولية تتشكل خارج الإقليم، وإنما يحتاج إلى رؤية عربية تقودها الدول المطلة عليه، وفي مقدمتها مصر والسعودية.

وتظل فلسطين هي الاختبار الأكبر. فما يجري في غزة لا يبقى في غزة. النيران هناك تمتد سياسيًا وأمنيًا إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، وتعيد تعبئة الشارع العربي بالغضب والإحباط، وتفتح المجال أمام قوى إقليمية وغير إقليمية لتوظيف القضية في صراعاتها. ومن هنا، فإن رفض مصر والسعودية للتهجير، وتمسكهما بالدولة الفلسطينية، ليس موقفًا إنسانيًا أو أخلاقيًا فقط، وإنما دفاع مباشر عن الأمن العربي. لأن تصفية القضية الفلسطينية بالقوة لن تؤدي إلى السلام، بل إلى انفجار طويل المدى.

والأمر ذاته ينطبق على السودان واليمن والقرن الإفريقي. فالفوضى لا تحترم الحدود، والميليشيات لا تبني دولًا، وانهيار الدولة الوطنية لا ينتج حرية، بل ينتج فراغًا تملؤه الأسلحة والمصالح الأجنبية والجماعات المسلحة. ومن هنا، فإن دعم الدولة الوطنية يجب أن يكون قاعدة ثابتة في التحرك المصري–السعودي، لا مجرد موقف مرتبط بأزمة بعينها.
القضية، في النهاية، ليست أن تدير مصر والسعودية الأزمات كلما انفجرت، وإنما أن تمنعا انفجارها، وأن تنتقلا من موقع رد الفعل إلى موقع صياغة قواعد جديدة للنظام الإقليمي. فالإقليم لا يحتاج إلى محور جديد في مواجهة محور آخر، وإنما إلى مركز توازن عربي قادر على التحدث مع الجميع، ومنع الجميع من تجاوز الخطوط الحمراء.

لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة لم تعد فيها الفوضى احتمالًا بعيدًا، بل أصبحت سيناريو قائمًا ينتظر خطأً واحدًا كبيرًا. وفي مثل هذه اللحظة، تصبح الشراكة المصرية–السعودية أكثر من علاقة بين دولتين. تصبح ضمانة بأن الإقليم ما زال يملك قوى قادرة على التماسك، وأن العرب لم يفقدوا بعد القدرة على حماية مصالحهم، وأن المنطقة، وإن كانت على حافة الانفجار، ما زال لديها صمام أمان يمكنه أن يمنع السقوط.

نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية

كلمات البحث