كل عام ومع إعلان أسماء المرشحين لجوائز الدولة: التقديرية، والنيل، والتفوق، والتشجيعية، تتجدد لحظة زهو واعتزاز. لحظة خاصة جدًا لا للفائزين فحسب، بل لنا جميعًا.
نحن أمام قوائم لا تُقرأ كأسماء، بل تُقرأ كسيرة وطن. سيرة كتبت بأقلام باحثين، وعازفين، وأدباء، وعلماء، وشباب قرروا أن يضعوا بصمتهم برشاقة دون صخب من أي نوع.
ولأن الحديث دائمًا يدور حول "من فاز؟" أريد أن أقول أمرًا مغايرًا تمامًا: إن كل من وصل إلى القائمة هو فائز أصلاً بلا جدال ولا أدنى شك!
الترشح في حد ذاته شهادة عظيمة تؤكد لك أيها المرشح أن هناك من رأى جهدك، وقرأ كتبك، واستمع إلى ألحانك، وتابع أبحاثك، وكون تقييمات وصلت بك إلى مكانة تستحق أن توضع في الميزان. أن يتحول اسمك إلى معيار يُقاس به الآخرون، هذه مرتبة لا تمنحها مجرد ورقة أو شهادة.
وعن معاني الجوائز عند تأملها نجد أن جائزة النيل ليست تتويجًا لنهاية طريق، هي اعتراف بعمرٍ كامل قُضي في خدمة الثقافة والمعرفة، والتقديرية ليست نقطة، هي محطة في مسار طويل من العطاء، والتفوق ليس صدفة، هو تراكم سنوات من الإنجاز الذي غيّر في تخصصه. أما التشجيعية فهي أهمهن جميعًا، لأنها تقول لشاب في أول الطريق: نراك، وننتظر منك المزيد دفعة بقوة إلى الأمام لمن يملكون المستقبل!
بطبيعة الحال نجد اللوائح تفرض أعدادًا محددة للاختيار، والقانون يختار من بينها في كل فرع القليل مما يجعل مهمة اللجان شاقة بحق وتحتار ضمائرهم. ولكن العدل هنا ليس في العدد، العدل في الرسالة. والرسالة تقول: هذا البلد ينتبه لأبنائه. ينتبه للصامت الذي يعمل في المختبر، وللكاتب الذي يسهر على الصفحة البيضاء، وللفنان الذي يرمم ذائقة الناس.
الخاسر الوحيد في هذا المشهد هو من يظن أن الجائزة نهاية. أما الحقيقة فهي أن الجائزة بداية.. لكن لمن؟! أقول بمنتهى اليقينية: لطالب سيبحث عن المرشحين ويقرأ لهم. بداية لحوار حول ما نحتاجه من علم وفن وأدب. بداية لجيل جديد يقتنع أن الطريق الصعب يستحق العناء والمواصلة والدأب.
اليوم نزجي التهاني لمن حالفهم التوفيق. وبالقدر نفسه نهنئ من لم يحالفهم مكتفين بزهو أن تكون ضمن من رشحتهم الدولة هذا يعني أنك أصبحت جزءًا من ذاكرة هذا العام. وذاكرة الوطن لا تنسى.
نعلم جميعًا أن صفحات المجد ليست لمن حمل الدرع فقط، المجد وسام على صدر كل من حملوا الفكرة، والكلمة، والبحث، واللحن، حتى وصلت إلى هنا. كلكم فائزون، لأنكم اخترتم أن تكونوا ولم تتوانوا عن بذل جهد ولم تتواروا.. فهنيئًا لكل المرشحين كلكم فائزون في أعيننا ونجلكم ونثمن أدواركم..