بقي طريق القاهرة- كيب تاون أو كيب تاون-القاهرة، سواء بمسماه التاريخي القديم أو بعد أن أصبح حلم افريقي مجرد مشروع هندسي تُحسب له أطواله وتُحصى تكاليفه بمفهوم ضيق باعتباره مجرد ممر بري، واستمرت معايير التقييم الضيقة مرتبطة بما تم تعبيده من الطريق، بينما هو في حقيقة الأمر بمثابة إعلان عن إرادة قارة بأكملها، كان عليها أن تشق لنفسها مساراً جديداً نحو استكمال مسيرة التكامل الاقتصادي، وان تنتزع مصيرها من قبضة العزلة والتشتت.
ومن الجدير بالذكر أنه قبل أن يكون هذا الطريق بمثابة تجسيد أفريقي للتكامل المنشود، كان الإمبريالي البريطاني سيسيل رودس قد طرح في أواخر القرن التاسع عشر فكرة إنشاء خط سكة حديد يربط كيب تاون بالقاهرة، ليمتد عبر الأراضي التي تسيطر عليها بريطانيا من جنوب أفريقيا إلى مصر. لم يكتمل المشروع وقتها، لكن الفكرة ظلت حية في الذاكرة الجيوسياسية لأفريقيا. ومع موجة التحرر الوطني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تحول الحلم من سكة حديد إمبريالية إلى طريق بري قاري، تجسّد في شبكة الطرق العابرة لأفريقيا التي أطلقتها اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة وبنك التنمية الأفريقي في 1971، وضمت تسعة ممرات رئيسية، كان (القاهرة–كيب تاون) أكثرها رمزية لأنه يمتد عمودياً على طول القارة من البحر المتوسط إلى رأس الرجاء الصالح. اليوم، يمتد هذا الطريق لمسافة 10,200كيلومتراً تقريباً، ويعبر تسع دول على الأقل: مصر، السودان، إثيوبيا، كينيا، تنزانيا، زامبيا، زيمبابوي، بوتسوانا، وجنوب أفريقيا. وقد أعلنت مصر اكتمال قطاعها بالكامل (1,155 كم)، في حين لا تزال هناك فجوات في مناطق أخرى.
لقد أنجزت مصر الجزء الخاص بها كاملاً، لتؤكد أنها ليست مجرد دولة مشاركة في حلم قاري، بل هي قاطرة للتنمية في أفريقيا، وصانعة للتكامل المنشود، إنها رسالة سياسية واقتصادية لا ريب فيها، بأن القاهرة تؤمن أن قارتنا هي المستقبل، وهي تشق الطريق بيدها، وتدعو الأشقاء للسير فيه.
هذا الإنجاز لا يعكس قدرة هندسية فحسب بل يتجاوز هذا المفهوم الضيق ليعكس وعياً إستراتيجياً بأن الطريق لم يعد مجرد بنية تحتية جامدة، بل أداة فاعلة لتحفيز التبادلات الاقتصادية، ونقل التكنولوجيا وجذب الاستثمارات العربية والدولية والإقليمية، وتدعيم الاستقرار السياسي، ويعيد صياغة دور مصر في القارة كجسر حيوي يربط شمالها بجنوبها، ويربط تاريخها بحاضرها، بالتعاون مع أشقائها وفي إطار مبدأ المصلحة للجميع.
ورغم أن نسبة الإنجاز المادي بلغت حوالي 80% من الطريق الإجمالي، إلا أن هناك فجوات لا تزال ماثلة حيث تتعمق الصراعات، وتتضاءل سبل التمويل، ويغيب التنسيق الإقليمي، وتتغول الحسابات القبلية الضيقة على هذا الحلم الأفريقي القديم، الأمر الذي يستدعي أهمية إيجاد بدائل بحرية أو نهرية أو جوية، على الأقل مؤقتا، لحين استكمال هذه الفجوات في إطار نظام متعدد الوسائط. الممر إذن ليس مشروعاً هندسياً فحسب، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدول الأفريقية على تجاوز عوائق بيروقراطية وجمركية عقيمة، والتفكير فعلياً في المصلحة القارية المشتركة، وإعلاء لغة الشراكة على لغة المنافسة.
الحقيقة التي تغيب عن كثيرين، أن الطريق ليس مجرد حجر وأسفلت تُرصف به المسافات، بل هو منظومة متكاملة تحتاج إلى عناصر برمجية هي وحدها القادرة على تحويل هذا الشريان المادي إلى قلب نابض بالحياة الاقتصادية أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر:
(أ): التنسيق الجمركي، كيف لطريق يربط عدة دول أن يكون ذا قيمة، إن ظلت الشاحنات واقفة عند الحدود لساعات وأيام، أو رسو السفن في الموانئ لأيام قبل تفريغ بضائعها، المطلوب هو نظام جمركي موحّد، أو على أقل تقدير، آلية "النافذة الواحدة" لتسريع العبور، وإلغاء التعقيدات التي تُفقد الممر قيمته التجارية قبل أن تبدأ.
(ب): أنظمة الدفع الرقمية، فالتجارة الحديثة لا تحتمل البطء الورقي، ولا تثق بالتعاملات النقدية المتعثرة، ووجود منصات دفع رقمية عابرة للحدود يضمن سرعة التحصيل، ويُقلص هوامش الفساد والتأخير، ويجعل الممر بيئة آمنة وجاذبة للمستثمرين.
(ج): منصات لوجستية متكاملة، فالطريق وحده لا ينقل البضائع بل يحتاج إلى مراكز لوجستية وموانئ جافة على امتداده، تربط الموانئ البحرية بالدول الحبيسة، وتوفر التخزين، والتوزيع، والتأمين، لكي يتحول الممر إلى شبكة اقتصادية متكاملة، لا مجرد شريط أسفلت تعبره الشاحنات.
(د): شبكات الألياف الضوئية، ففي عصر البيانات، لا قيمة لتجارة دون اتصال. وجود إنترنت فائق السرعة على طول الممر يتيح تتبع الشحنات لحظة بلحظة، ويُسهّل عمليات التأمين، ويخلق بيئة رقمية داعمة للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، التي باتت مستقبل الاقتصاد العالمي بأسره.
(هـ): التأمين العابر للحدود، فكيف لمستثمر أن يغامر ببضاعته في طريق يمر بمناطق شائكة، دون وجود منظومة تأمين إقليمية موحّدة، هذا التأمين، سواء عبر شراكات حكومية أو آليات تعاون بين الدول، هو الضامن الأول لتحريك عجلة التجارة على هذا الممر.هذه العناصر الخمسة ليست تفاصيل تقنية هامشية، بل هي شروط وجودية، هي الروح التي إن غابت، أصبح الطريق جسداً بلا قلب، وقدراً بلا حياة.
فالمطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو وعي جماعي بأن هذا الممر ليس مجرد طريق معبد، بل هو العمود الفقري المادي لمنطقة التجارة الحرة القارية وهو السبيل الوحيد لتقليص زمن الشحن، وربط الدول الحبيسة بالموانئ العالمية، وضخ الحياة في التجارة البينية الأفريقية، إن نجاح هذا المشروع الضخم مرهون بقدرة الدول الأفريقية على تجاوز انقساماتها السياسية، وتبني حلول ذكية في البنية التحتية البرمجية، وتحويل هذا الحلم الجميل من مجرد أوراق في طيات الملفات، إلى شريان اقتصادي نابض يضخ التجارة والاستثمار والتنمية في أوصال القارة.
لا يمكن فهم الدور الحقيقي لممر القاهرة–كيب تاون بمعزل عن تقاطعه مع ممرات تجارية وإقليمية كبرى، تجعله جزءاً من شبكة أوسع من التدفقات الاقتصادية والجيوسياسية. ويبدأ التقاطع الأول مع ممر لوبيتو، الذي يربط جمهورية الكونجو الديمقراطية وزامبيا، بميناء لوبيتو في أنجولا: حيث يلتقي مع شبكة الطرق الإقليمية متعددة الوسائط التي تغذي ممر لوبيتو، ما يخلق نقطة لوجستية حيوية تربط بين شرق أفريقيا وغربها. هذا التكامل يعزز من قدرة الدول الحبيسة على تصدير المعادن والمنتجات الزراعية عبر ممرين بديلين، مما يقلل من مخاطر الاعتماد على منفذ واحد.
أما التقاطع الثاني، والأكثر حيوية، فيقع عند شمال مصر، حيث يبدأ من الإسكندرية، على بعد بضع ساعات من قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتُعد قناة السويس الشريان البحري الأهم في العالم، حيث تمر عبره 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات، بينما تجذب استثمارات تفوق 6.2 مليار دولار في الصناعات الخضراء والخدمات اللوجستية الذكية. وبهذا، يصبح امتداداً برياً طبيعياً للحركة البحرية التي تمر عبر القناة، ما يفتح آفاقاً لخدمات لوجستية متعددة: حيث تُنقل البضائع عالية القيمة والحساسة زمنياً (مثل الإلكترونيات والأدوية) عبر السكك الحديدية والطرق البرية، بينما تُترك البضائع الأخرى مثل النفط والحبوب للنقل البحري.
إنني على يقين من أن مصر وجنوب أفريقيا بكونهما أكبر اقتصاديات أفريقيا، وأكثرها تنوعا، وكونهما على طرفي الممر، يمكنهما بالشراكة مع الوكالة الأفريقية للتنمية، بصفتها الأب الروحي للممر، والمشرفة على تنفيذه، وبالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي ومنظمة التجارة الأفريقية
قيادة
وعلى طول مسار الممر، تبرز عدة شراكات دولية مهمة، منها الولايات المتحدة الأمريكية التي أبدت اهتماما بتمويل ممر لوبيتو، والاتحاد الأوروبي الذي يعد من أهم شركاء النيباد، والصين لاستكمال الحلقات المفقودة من ممر القاهرة كيب تاون من خلال مبادرة الحزام والطريق التي تموّل وتبني قطاعات في إثيوبيا وكينيا وتنزانيا. هذا بالإضافة إلى عدد من صناديق التمويل الدولية وبنوك التنمية الدولية والعربية والآسيوية.
كما أن الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، الذي أُعلن عنه في قمة مجموعة العشرين 2023، كمشروع يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل يُعد رابطًا مهمًا للقارات الثلاثة، خاصة وأن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، جعلت المسار الشمالي غير مستقر.
هنا تبرز مصر كبديل إستراتيجي يمر عبر مصر ويدخل أفريقيا عبر القاهرة -كيب تاون هذا التحول لا يتجنب فقط مناطق النزاع، بل يفتح آفاقاً لربط الهند بأسواق أفريقيا النامية عبر منطقة التجارة الحرة الأفريقية، ويعزز من تموضع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على الساحة الدولية. وبهذا، يصبح هذا المشروع ليس مجرد طريق أفريقي، بل جزءاً من شبكة تجارية ثلاثية القارات (آسيا–أفريقيا–أوروبا).
لقد بذلت القيادة المصرية للسيد رئيس الجمهورية للجنة الرئاسية لتسيير النيباد نجاحات كبيرة فلم تقتصر إشادة القادة الأفارقة بما حققته الرئاسة المصرية على الكلمات فحسب، بل تجسدت في قرارات ملموسة اتخذتها قمة الاتحاد الأفريقي التاسعة والثلاثين، المنعقدة في أديس أبابا يومي 14 و15 فبراير 2026، حيث صادقت الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي رسمياً على إنجازات اللجنة خلال فترة الرئاسة المصرية، وأقرت التوصيات التي خرجت بها الدورة الثالثة والأربعون للجنة.
ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة، أنها تزامنت مع مرحلة مفصلية في تاريخ الوكالة، تمثلت في مراجعة الخطة العشرية الأولى لأجندة 2063، وإطلاق الخطة العشرية الثانية (2024-2033)، وهي الخطة التي تركز على سبعة أهداف كبرى أطلقت عليها الوثيقة الرسمية "الطموحات الكبرى"، تشمل الربط المادي، والأمن الغذائي، والتحول للطاقة النظيفة، والتصنيع، في إطار سباق قاري مع الزمن لتحقيق التنمية المنشودة.
كما صادقت القمة على قرار تمديد ولاية السيدة ناردوس بيكيلي-توماس، المديرة التنفيذية للوكالة، لولاية ثانية تمتد لأربع سنوات، تقديراً لما حققته خلال ولايتها الأولى من زيادة في الإيرادات من 30 مليون دولار إلى أكثر من 300 مليون دولار، وهو ما يعكس الثقة القارية في المسار المؤسسي الذي أرسته الرئاسة المصرية.
وكان من بين الإنجازات الأبرز التي حملتها الرئاسة المصرية، إطلاق مبادرة "فريق أفريقيا" وهي مبادرة طموحة تهدف إلى حشد تمويلات بقيمة 500 مليار دولار لنحو 300 مشروع تنموي في مختلف أنحاء القارة. وجاءت هذه المبادرة لتعالج الفجوة التمويلية المزمنة التي تعاني منها القارة، وتتصدى لارتفاع معدلات الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي والطاقي التي تهدد استقرار الدول الأفريقية.
لم تكتفِ الرئاسة المصرية بإطلاق المبادرات، بل سعت إلى ترسيخ آليات تمويل مستدامة من خلال اقتراح إنشاء "صندوق تنمية النيباد" تحت مظلة الوكالة، ليكون آلية دائمة تعالج مشكلة فجوة التمويل لأنشطة الوكالة، وتوفر مصدراً مستقلاً للتمويل بعيداً عن تقلبات المساعدات الدولية. وهذا المقترح، الذي لقي ترحيباً قارياً، يمثل نقلة نوعية في فلسفة عمل الوكالة، من الاعتماد على التمويل الخارجي إلى بناء قدرات ذاتية مستدامة.
وفي إنجاز مؤسسي لافت، نجحت الوكالة في اجتياز تقييم "الركائز التسع" الصارم الذي فرضه الاتحاد الأوروبي، وهو معيار مؤسسي صارم يُعتبر بوابة رئيسية للحصول على التمويلات الأوروبية، وحيث يعد الاتحاد الأوروبي شريك إستراتيجي أساسي لأفريقيا. وقد أسهم هذا النجاح في رفع ميزانية برامج الوكالة لتتجاوز 300 مليون دولار، مما أتاح لها تنفيذ برامجها التنموية على نطاق أوسع.
واتسمت الرئاسة المصرية بنهج شامل يدرك الترابط الوثيق بين السلم والأمن والتنمية. وفي هذا الإطار، وبصفته رائد ملف إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات في الاتحاد الأفريقي، حرص الرئيس السيسي على تحديث سياسة الاتحاد الأفريقي في هذا الملف، وتعزيز التعاون بين الوكالة ومركز الاتحاد الأفريقي للتنمية وإعادة الإعمار بالقاهرة، ومنتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين.
في كلمة قبوله للرئاسة، خلفا للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، وعد الرئيس الأنجولي جواو لورينسو بمواصلة العمل الذي بدأته مصر، معتبراً إياه "إرثاً من الإنجازات الجديرة بالاحترام"، ومؤكداً أن بلاده ستعمل على تسخير تجربتها في خدمة التكامل القاري. وصرح قائلاً: "نحن نتحمل المسؤولية التي تقع علينا من الآن فصاعداً كخدمة للقارة، مسترشدين بالحوار والتنسيق السياسي وتعزيز الفعالية المؤسسية والتشغيلية للوكالة".
إن انتقال الرئاسة من مصر إلى أنجولا، في تزامن مع استمرار العمل على مشاريع كبرى كممر القاهرة-كيب تاون، يحمل دلالة عميقة. فالقارة التي تداولت قيادة ذراعها التنموية، تثبت أن الإرادة الجماعية هي الأساس المتين لأي نهضة. وكما قال الرئيس السيسي في كلمته الأخيرة: "الإنجازات التي تحققت هي شهادة على الالتزام الأفريقي الجماعي".
انطلاقاً من الثقل الإستراتيجي للبلدين، من الضروري أن تقود مصر وجنوب أفريقيا – بالشراكة الوثيقة مع الوكالة الأفريقية للتنمية وتحت مظلتها تنظيم منتدى اقتصادي عالمي لممر القاهرة – كيب تاون.
فباعتبارهما أكبر اقتصاديات القارة الأفريقية وأكثرهما تنوعا، تمتلك مصر وجنوب أفريقيا رأس المال السياسي، والقدرات المؤسسية، والشبكات الخاصة القادرة على ترسيخ هذه المبادرة. توفّر مصر بوابة قناة السويس والبحر الأحمر للتجارة العالمية، بينما تقدّم جنوب أفريقيا المركز الصناعي والمالي في الجنوب. وبالتعاون مع ولاية الوكالة القارية وخبراتها الفنية، يمكن تحويل الممر من رؤية مستقبلية إلى منصة ملموسة وجاهزة للاستثمار.
لقد قدت خلال الأيام القليلة الماضية بعثة من مستشاري وخبراء مجموعة محرم وشركاه للإتصالات ال إستراتيجية والشئون الحكومية، بالتنسيق مع مكتبنا التمثيلي في بريتوريا، زيارة لجوهانسبرج وبريتوريا.
وأبرزت لقاءاتنا مع كل من قيادات الوكالة الأفريقية للتنمية، وشخصيات سياسية رفيعة، وفاعلة وكبري الشركات والبنوك الجنوب أفريقية، وجود رغبة قوية للعمل من أجل إعادة إحياء هذا الممر الإستراتيجي، وتوجه عام للانفتاح على مصر في كافة المجالات، خاصة صناعة السيارات وصناعات الأدوية والبنوك، والمشروعات الزراعية وهي فرصة سانحة يتعين اقتناصها عوضا عن الانتظار 50 سنة أخري في مناقشات عقيمة.
لقد حان الوقت لتجاوز الحوار إلى التنفيذ. فمن خلال الرعاية المشتركة للمنتدى الأول لممر القاهرة كيب تاون، سترسل مصر وجنوب أفريقيا إشارة قوية للقارة الأفريقية والعالم، وتحفزان الاستثمار الخليجي والدولي، والإقليمي وتؤكدان أن أفريقيا جادة في بناء منظومتها الاقتصادية التكاملية – بقيادة مؤسساتها الأفريقية.
إن ممر القاهرة–كيب تاون ليس مشروعاً هندسياً عابراً، بل هو قدرٌ يختبر إرادة أفريقيا في أن تتحول من مجرد قارة مجزأة إلى سوق موحّدة، ومن أرض للصراعات إلى فضاء للشراكات. الخرسانة وحدها لا تصنع المستقبل ما يصنعه هو السياسات الذكية، والأنظمة الموحّدة، والإرادة التي لا تلين.
إنه نداء خالص إلى القادة الأفارقة من القطاعين العام والخاص: لا تجعلوا هذا الطريق مجرد حلْم على الورق، أو أسفلتاً على الأرض، بل اجعلوه طريقاً إلى المستقبل، إلى الوحدة، إلى أفريقيا التي تستحق أن تكون قوة اقتصادية عالمية.
فالطريق، حين يُصنع بإرادة، لا ينقل البشر والبضائع فحسب، بل ينقل الأمم من التخلف إلى الازدهار، ومن العزلة إلى التكامل، ومن التبعية إلى السيادة. ومصيرنا اليوم يُصنع على هذا الممر، فهل نُحسن صنعه.
إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة أولى، وقد حان الوقت لبدئها في إطار جدول زمني واضح وخارطة طريق واضحة باستحقاقات زمنية وتكليفات محددة.
عضو مجلس إدارة "إم أند بي" ونائب وزير الخارجية السابق