لم يكتفِ الصهاينة بارتكاب الفظائع اليومية، لإبادة الشعب الفلسطيني على مدار الساعة، بل يبتدعون كل يوم جريمة جديدة؛ فبعد جرائم الإبادة الجماعية، والجوع، والتعطيش، والاغتصاب، ابتدعوا جريمة جديدة هي ملاحقة الأجنة في أرحام السيدات.. جريمة مبتكرة وهي "قتل الأجنة في أرحام أمهاتهم" قبل ولادتهم، لتتحول الأرحام إلى أكفان ومقابر.
فقد بدأوا، منذ ثمانية عقود، بقتل وإبادة الإنسان الفلسطيني في كل مراحل نشأته، منذ بدء الاحتلال السرطاني الصهيوني لفلسطين عام 1948؛ كانت البداية بقتل الكبار من الرجال والنساء، ثم الشباب والفتيات، ثم الأطفال وتمزيق أجسادهم خلال مشاهد يومية تبث على الهواء، واليوم يدخلون في تطور إجرامي جديد وهو استهداف الأجنة قبل ولادتها، فلم يكتفوا بتلويث الكوكب بسبب جرائمهم، بل يسعون اليوم لتلويث الأرحام.
ويبدو أن رعب الاحتلال الصهيوني من المواطنين الفلسطينيين لا سقف له، فلم يكتفِ بتجريف الوجود الإنساني من الأرض، بل يتربص بالأجنة في أرحام الأمهات؛ حيث أكدت منظمة "كير" للحماية والنوع الاجتماعي أن ارتفاع معدل الإجهاض بين الحوامل في غزة منذ بدء الحرب الراهنة بلغ 300%، وهو ما أشارت إليه بيانات وزارة الصحة في غزة، حين كشفت أن أكثر من 2600 امرأة أجهضت منذ مطلع العام الحالي بسبب الحرب.
وأظهرت أرقام رصدها "صندوق الأمم المتحدة للسكان - UNFPA"، أن وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة في غزة ارتفعت أكثر من 20 ضعفًـا مقارنة بما قبل الحرب، كما كشف تقرير حديث لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، أن القطاع أصبح بؤرة النزاع الأشد فتكًـا بالنساء في العالم، إذ قُتلت أكثر من 33 ألف امرأة وفتاة خلال عامين من الحرب، وأظهر التقرير، الذي نُشر في أكتوبر الماضي، أن النساء الحوامل اليوم أصبحن أكثر عرضةً للخطر بثلاثة أضعاف مقارنة بعام 2024.
وسط كل ما تعيشه النساء الحوامل في غزة من أوضاع مأساوية وكارثية تتجسد في غياب التغذية الطبيعية ونقص المستلزمات الطبية الأساسية، وحصار ونزوح مستمر يستنزف طاقاتهن ويضاعف معاناتهن، تزداد خطورة الولادة المبكرة وعدم توافر حضانات لحديثي الولادة في القطاع، وخوف النساء المتزايد من احتمال تعرض الجنين لتشوهات، يضاف إليها غياب الرضاعة الطبيعية في ظل نقص الغذاء مع أخطار الجفاف وندرة المياه.
الجريمة الجديدة تجاوزت الأرض والسماء والهواء، لتطارد الفلسطيني جنينًـا حتى في رحم أمه قبل أن يرى النور، وكان الهدف هو أرحام الفلسطينيات؛ فنعم "لولا الفلسطينية لماتت القضية"، فلم تتوقف تضحياتها كظهير للمقاومة ومساندة وملاحظة ومربية وملهمة لمن يحملون راية قضية العرب والمسلمين الكبرى "قضية فلسطين" على مدى ثمانية عقود، دون انتظار لجزاء، ولم يتركها القدر بتقديمها كل تلك التضحيات وهي راضية، ولا تتوقف آلامها عند استشهاد أبنائها أمام أعينها، وفقدان الأهل والأقارب عند غياب هذه الأرواح البريئة إلى بارئها، بل تتضاعف المعاناة وهن يكافحن من أجل أمومة مؤجلة. هل تصدق أن هناك 2600 امرأة فلسطينية أجهضت بسبب الحرب منذ بداية العام الماضي إلى اليوم؟ ولا تقتصر مخاوف الغزيات على عملية الولادة فقط، بل تتجاوزها إلى محاولة الحفاظ على حياة الرضع؛ وفقًـا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، إلى جانب الغلاء الفاحش في أسعار المستلزمات الصحية، مثل الفوط الصحية النسائية وحفاضات وحليب الأطفال، فإن 95% من النساء الحوامل أو المرضعات في قطاع غزة يواجهن نقصًـا غذائيّـًا حادًّا قد يعرض حياتهن للخطر.
مدير عام وزارة الصحة بقطاع غزة د. منير البرش، صرح قبل استشهاده، أمس الأول، بأن "الحرب تجاوزت كل الخطوط، حتى باتت الأجنة والرضع أهدافًـا غير مرئية في ساحة الإبادة والتطهير العرقي ومحو النسل الفلسطيني"، مؤكدًا في منشور كتبه على حسابه على منصة "إكس" في وقت سابق، أن الأرقام الحالية تمثل مؤشرات على رعب جماعي وشلل صحي واجتماعي، وتعكس سياسة تستهدف النسل الفلسطيني.
في مارس الماضي، اتهمت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إسرائيل بفرض حصار بصورة متزامنة مع منع المساعدات، وأنها هاجمت ودمرت عمدًا المراكز التسعة للإخصاب في القطاع، ودمرت جزئيّـًا القدرة الإنجابية للفلسطينيين في غزة عبر التدمير الممنهج لقطاع الصحة الإنجابية.
وأمام تلك الجرائم الصهيونية المتوالية، هناك جهود غير معلنة، لإنقاذ الأرحام وحمايتها، وهي جهود مصرية لم تتوقف يومًـا منذ بدأت إدارتها لقطاع غزة في عام 1959، مرورًا بكل ما تعرضت له وتتعرض له القضية الفلسطينية؛ حيث كان الطرف الضامن والموثوق في جهوده هو مصر، كما أوضح المحلل الفلسطيني ثائر أبو عطيوي، مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات في فلسطين، مفسرًا بأن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوصل لاتفاق تاريخي لاستكمال خطة السلام لغزة يأتي ضمن الجهود المكثفة والمتواصلة للوسطاء، وخصوصًا مصر التي لعبت دورًا بارزًا ومهمًا في تقريب وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية خلال اجتماعات القاهرة، وأضاف في حواره لـ "سبوتنيك"، أن الدور المصري جعل المقاومة الفلسطينية أكثر مرونة وانفتاحًا في الموقف والرأي، ولا سيما في اللقاءات الأخيرة في القاهرة.
بين "الأرحام" التي تحتوي الحياة وتحفظها في صمت، وبين "الأكفان" التي تبتكرها الصهيونية للإبادة، يقدم طبيب فلسطيني شهادته حول مشوار الشفاء الذي منحه قبلة الحياة على أرض الكنانة، الأسبوع المقبل بإذن الله.
[email protected]