ليتني أعيش في جلباب أبي

2-8-2026 | 14:31

عجيبٌ أمرُ تلك النزعةِ التلقائيةِ المتمردةِ التي تدفعُ البعضَ إلى الابتعادِ والقطيعةِ عما صنعهُ الأبُ، بدعوى الاستقلالِ والنضجِ خارجَ عباءتِه!

أما أنا، فلَطالما أحببتُ جلبابَ أبي.. وأقصدُ هنا المعنى الحرفيَّ، وليس على سبيلِ الاستعارةِ وجمالياتِ اللغة. نعم، عشقتُ جلبابَ أبي، وما زلتُ أشتاقُ لصوتِ "هفهفتِهِ" بين جنباتِ البيت؛ فقد كان يختارُ دوماً الجلبابَ المصريَّ الفضفاضَ الأنيقَ، يتهادى به بين خطواتِهِ التي تدبُّ على الأرضِ بخفةٍ وسرعةٍ، حتى لا تكادُ تلمسُ قدماه الأرضَ بكاملتيهما.

أذكرُ صوته الخفيضَ، وشخصيتَهُ التي تأسرُ النفسَ: صلباً، عنيداً، مثقفاً، دمثَ الخلقِ، حنوناً، وحكيماً؛ يحملُ في قلبه رقةَ روحٍ لا يظهرُها إلا قليلاً. عاصرَ كباراً، وشهدَ عالماً ضجَّ بالصحافةِ، والكتابةِ، والروحِ الوطنية. فكيفَ لي أن أتمردَ على جلبابِ أبي أو أتركَ أثرَه؟ وقد كان رجلاً عصامياً، حملَ قلمه وعلمه وجهده على كاهلِهِ، وخاضَ الأهوالَ بين بلاطِ "مهنةِ المتاعبِ" التي عشقَ كواليسَها، والتي أعيشُ تفاصيلَها اليومَ وأنا أحملُ همساتِه معي كوقودٍ روحانيٍّ لا ينضبُ أبداً.

مراد عز العرب.. الكاتبُ الصحفيُّ الذي عُرف بكتاباتِهِ التحليلية الرصينة في مجالي الاقتصادِ والسياسة. ولطالما اختلطَ اسمُهُ لدى البعضِ مع المصرفي والاقتصادي المعروف "هشام عز العرب"، ولا أزالُ أتلقى التساؤلَ نفسَهُ حتى اليوم، دونَ أن أعلمَ يقيناً إن كانت هناك روابطُ فعلية تجمعُ العائلتين، أم هي مجردُ مصادفةِ أسماء.

عاصرَ والدي العصرَ الذهبيَّ للصحافةِ المصرية، فعملَ عن قربٍ مع الأستاذ أنيس منصور في تأسيس جريدة "مايو"، وكان من أبناء الدفعةِ الأولى التاريخية لكليةِ الإعلام بجامعةِ القاهرة (دفعة 1974)؛ حيث تأسسَ على الفكرِ الصحفي الأصيل للرائد جلال الدين الحمامصي، وربطتهُ ذكرياتُ الزمالةِ وصداقةُ العمرِ بأعلامٍ صاغوا وجدانَ الصحافةِ، من أساتذةِ المهنة الكبار وقادةِ الفكرِ والرأي. وكانت من أهم محطاته المهنية المشاركةُ في تأسيس "الأهرام المسائي" خلال حرب الخليج؛ وهي التجربة الاستثنائية التي خرجت منها لاحقاً أسماءٌ لامعة تقودُ مسيرة الصحافة اليوم.

منذ أربعةَ عشرَ عاماً بالتمام، رحل الأبُ والمعلمُ والرفيقُ والسند، وكنتُ لا أزال في مستهل الطريق؛ سرتُ على الدرب وخضتُ الحياة الأرحبَ والأصعب، قاومتُ التحول ولم أستسلم للقسوة، وفي ذلك انتصارٌ—لو تعلمون—عظيم. غاب الجسدُ وبقي الأثرُ حياً.. مرّت السنوات كأنها طيفُ نهار. أستحضره اليومَ وفي كل يوم، أستعيد حواراتنا معاً، مع كلِّ حرفٍ أكتبُه، وكلِّ أزمةٍ أو قرارٍ يتطلبُ الشجاعةَ والنزاهة. أفتقدُ حِكمتَه الهادئة، ونظرته وصبره، وأستعيد كلماته المشجعة التي تمنح القوة والقدرة للاستمرار.

لا، لن أعيشَ خارج جلبابه، بل لم يزدني الغياب إلا يقيناً وتمسكاً بجلباب أبي.. بمبادئَ وأصولٍ تبدو أحياناً غير متسقة مع جنون هذا الزمان! تعلمتُ على يديه معنى السكنى في وطنٍ كبيرٍ عظيم، والانتماء لمهنة النبل والضمير والتنوير بالكلمة والقلم، حتى وان تمر بأصعب الأزمات في تاريخها. وأتساءل: هل افل زمن المجد الصحفي؟ كيف وصلت أزمة الإعلام إلى هذه النقطة؟ كم تضرر الإعلام والصحافة من الصراع الداخلي بين أبناء المهنة الواحدة؟ إن كان من رحلوا يرون ما آلت إليه أحوال المهنة وكواليسها اليوم من صراعٍ ومنافسةٍ عاتية، كثيراً ما ينقصها الشرف ولا تعرف عفة النفس، وتتحكم بها الأغراض والرغبات والنفوس المظلمة.. ترى، ماذا كان سيكتب الكبار عنا وعن صحافتنا وإعلامنا إن حضرت أقلامهم اليوم؟!

إن الاستقلال الحقيقي لا يعني التخلي عن الأصل، بل القدرةَ على حملِ الجذورِ بشرفٍ، وبناءِ الذات بشغف. ورحمَ اللهُ رجلاً علمني أن القلمَ أمانة، وأن الهويةَ لا تُباع، وأن أجملَ ما في العمرِ.. أن أظلّ في جلبابِ أبي

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة