يُعدّ البكاء استجابة إنسانية عالمية وشعورًا عميقًا، غير أن البشر لا يختبرونه بالطريقة نفسها؛ فبينما يستجيب البعض للمشاعر سريعًا بذرف الدموع، يجد آخرون صعوبة في البكاء إلا في الظروف القاسية.
موضوعات مقترحة
هذا التباين يدفعه علم النفس إلى خانة الاستكشاف، مؤكدًا أن الاستجابة العاطفية ليست مجرد علامة ضعف، بل تداخل لعدة عوامل بيولوجية ونفسية وثقافية.
البكاء كآلية جسدية واستجابة للتكيف
يرفض خبراء علم النفس اعتبار البكاء دليلًا على الهشاشة، بل يرونه أداة فطرية لتكيف الجسم عندما تتجاوز المشاعر قدرته على التحمل. و يوضح خورخي أولنيك، المحلل النفسي بالجمعية الأرجنتينية للتحليل النفسي ورئيس المدرسة الأوروبية اللاتينية الأمريكية للطب النفسي الجسدي (EULAPS)، أن الجسم يسعى دائمًا للحفاظ على توازنه. وعندما تتجاوز شدة المشاعر الفطرية النطاق الطبيعي —سواء كانت حزنًا أو فرحًا— يفسرها الدماغ كخطر.
ويضيف أولنيك أن البكاء يحفز مناطق بالدماغ مثل "ما تحت المهاد"، والتي تنشط الجهاز العصبي اللاإرادي؛ مما يساعد على التفريغ من التوتر وإعادة الهدوء والتخلص من الضغط الزائد.
أثر التنشئة الثقافة والنوع الاجتماعي
لا تنحصر التعبيرات العاطفية في العوامل البيولوجية، بل تلعب الثقافة والتربية دورًا محصورًا في تحديد علاقتنا بالدموع. في هذا الصدد، تشير سيلفينا بوخسباوم، المحللة النفسية والعضو بالجمعية الأرجنتينية للتحليل النفسي، إلى أن الفرق بين من يبكي بسهولة ومن يستصعب ذلك يعود للتاريخ العاطفي للفرد وعلاقته بمقدمي الرعاية في الطفولة.
وتوضح بوخسباوم أن الأطفال الذين حظيت مشاعرهم باحتواء من الكبار يميلون للتعبير بالدموع بمرونة في مرحلة البلوغ، بينما يميل من نشأوا في بيئات تثبط المشاعر إلى كبت دموعهم. أما عن الفروق بين الجنسين، فتؤكد أن كثرة بكاء النساء مقارنة بالرجال لا تعود لأسباب بيولوجية بل لفرائض اجتماعية وثقافية متوارثة كـ "الرجال لا يبكون"، والتي بدأت تشهد تحولًا مؤخرًا.
خطورة الكبت العاطفي وأهمية البكاء تواصليًا
يحذر التحليل النفسي من كبت المشاعر؛ حيث يوضح أولنيك أن تجنب مواجهة الأفكار المؤلمة لمنع البكاء يؤدي لكبتها لاشعوريًا، مما يحولها إلى أعراض وجسدية تشبه "بقعة الرطوبة التي تتسرب للداخل". وتتفق جامعة هارفارد مع هذا المنظور، مشيرة إلى أن كبت الدموع قد يرتبط باضطرابات نفسية وأمراض جسدية، في حين يساهم التعبير عنها في التعافي العاطفي وتعزيز الروابط الاجتماعية.
من جانب آخر، يوضح مارتن إتشيفيرز، أستاذ علم النفس الإكلينيكي بجامعة بوينس آيرس، أن البكاء سلوك تكيفي شكّل وسيلة تواصل أساسية منذ الطفولة لطلب الرعاية والحماية. ويستمر هذا الدور في مرحلة البلوغ كطلب للدعم. كما ينوه إتشيفيرز إلى أن عدم البكاء لا يعني قلّة المشاعر، بل يرتبط بشدة التأثر العاطفي وطرق التكيف المكتسبة.
وتختتم جامعة هارفارد بالتحذير من أن البكاء وإن كان مفيدًا، فإنه يتحول لإشارة خطر تستدعي استشارة المختصين إذا كان متكررًا بدون سبب واضح أو يعيق الحياة اليومية. وتؤكد بوخسباوم في النهاية على أهمية تحليل البكاء وفهم مغزاه ووظيفته وفق سياق كل فرد وعدم قراءته بشكل سطحي.
موضوعات قد تهمك:
موجة الحر تضاعف مبيعات أجهزة التكييف المتنقلة في ألمانيا
كيفية زراعة نبات الصبار والعناية به في المنزل.. 3 مفاتيح لنمو صحي داخل المنزل