عندما زرت الصين لأول مرة أثناء الاستعدادات لأولمبياد بكين 2008، رأيت دولة كانت تستعد لتقديم نفسها للعالم. أما عندما عدت إليها في عام 2026، فقد رأيت دولة لم تعد تسعى لإثبات قدرتها، بل تعرض حصاد ما أنجزته خلال أقل من عقدين. في الزيارة الأولى كانت الرافعات تملأ الأفق، أما في الزيارة الثانية فكانت التكنولوجيا هي التي تملأ المشهد. وبين الرحلتين لم تتغير المباني فقط، بل تغيرت طريقة الحياة، ووسائل النقل، والخدمات، ومستوى معيشة المواطن، حتى بدا لي أنني أزور بلدًا آخر يحمل الاسم نفسه.
فسرعان ما تحولت الزيارة التي ظننتها تكرارًا لصورة سابقة بالذاكرة إلى رحلة لاكتشاف تجربة تنموية متكاملة، جعلتني أعيد التفكير في كثير من المفاهيم التي كنت أعلمها عن إمبراطورية عظمى وثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ففي الزيارة الأولى حينها كانت العاصمة تعيش حالة استنفار استعدادًا لاستقبال العالم القادم إليها، وكانت مشروعات البنية التحتية العملاقة في كل مكان، في رسالة واضحة مفادها أن الصين تستعد لمرحلة جديدة في تاريخها.
في تلك الفترة، كان الزائر يلمس طموحًا كبيرًا ورغبة في إثبات القدرة على تنظيم حدث عالمي استثنائي. كانت الرافعات تملأ الأفق، والطرق تتوسع، وخطوط المترو تمتد، فيما كان مطار بكين الدولي يشهد أكبر عملية تطوير في تاريخه استعدادًا لاستقبال ملايين المسافرين، ومصر للطيران حينها كانت تعيد تشغيل وزيادة رحلاتها المنتظمة مع العاصمة الصينية بكين والتي بدأتها أوائل التسعينيات.
أما في عام 2026، فقد تغير المشهد بالكامل. اختفت الرافعات لتحل محلها مدن ذكية، وشبكات نقل متطورة، ومطارات تعد من بين الأفضل عالميًا، وقطارات فائقة السرعة تختصر المسافات بين المدن في ساعات قليلة. لم تعد الصين منشغلة بإبهار العالم بمشروعاتها، بل أصبحت تعرض نتائج ما أنجزته خلال سنوات من التخطيط والعمل.
الفارق لم يكن في المباني أو وسائل النقل فقط، بل في أسلوب الحياة نفسه. كان الاعتماد على النقد لا يزال حاضرًا في كثير من التعاملات، أما اليوم فقد أصبحت الهواتف المحمولة هي المحفظة الشخصية للمواطن، حيث تتم معظم عمليات الدفع والخدمات اليومية إلكترونيًا بتطبيقات خاصة بهم، وحتى أبسط المعاملات اليومية، تتم عبر تطبيقات ذكية مدعومة بتقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
منذ اللحظة الأولى لفت الانتباه حجم التنظيم والدقة. فالمطارات، وشبكات النقل، والقطارات فائقة السرعة، والطرق، والخدمات الرقمية، جميعها تعمل بتناغم يعكس سنوات طويلة من التخطيط والاستثمار في الإنسان والبنية الأساسية.
ولكن أكثر ما أثار انتباهي للوهلة الأولى ليس ناطحات سحابها كمبانٍ، ولكن انتظاميتها في مشهد عمراني متناغم ليس من قبيل الصدفة بالطبع، فقد شاهدتها كثيرًا في دول متقدمة عدة زرتها من قبل متفرقة فاقدة هذا الانسجام والتناغم. شاهدت توسعًا في المساحات الخضراء بكثافة، وقفت أمامه طويلًا، فهم لم يتركوا مساحة صغيرة كانت أو كبيرة إلا وزرعوها، مركبات كهربائية تملأ الشوارع، رافعين شعار "أنت ترى ونحن نعمل ولن نتحدث كثيرًا". أبهرني الإنسان الصيني نفسه، ذلك الإصرار على العمل، والالتزام بالمواعيد، واحترام النظام، والهدوء والصبر، وهي قيم تبدو جزءًا من الثقافة اليومية وليست مجرد شعارات، ودون التأثير على التقاليد الملتزمين بها.
ورغم أن الصين أصبحت إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم، فإن أكثر ما استوقفني كان نجاحها في معركة القضاء على الفقر. فهذا الإنجاز لم يكن مجرد أرقام تُعلن في التقارير، بل واقع ينعكس في مستوى الخدمات، والبنية الأساسية. وما تتعجب له حتى بعد القضاء على الفقر المدقع كانت الصدمة حين قال لنا (Zhu Yannán) زو يان نان وهو نائب مدير بالتليفزيون الصيني... إننا في الصين نعتبر أنفسنا دولة نامية حتى الآن، وفي ذلك أشار إلى معدلات الدخل للفرد كيف أنها الآن ما زالت أقل من دول أخرى مؤكدًا أن معركتهم الحالية هي في كيفية النهوض بزيادة الدخل للفرد والقضاء على الفجوة بين طبقات المجتمع الصيني، هنا... أدركت أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الاقتصاد، وإنما بقدرة الدولة على تحسين حياة الإنسان.
وربما كان أهم ما خرجت به من هذه الزيارة هو أن التجربة الصينية ليست معجزة، بل نتيجة رؤية واضحة، واستراتيجية طويلة المدى، وإدارة تؤمن بأن التنمية مشروع مستمر لا يتوقف.
عدت من الصين وأنا أحمل صورًا جميلة وذكريات مميزة، لكنني عدت أيضًا بأسئلة مهمة: كيف يمكن للدول النامية أن تستفيد من هذه التجربة؟ وكيف يمكن تحويل الطموحات إلى خطط قابلة للتنفيذ؟ وكيف يصبح الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأسرع لبناء المستقبل؟