على مدى نحو 80 عامًا ومنذ أن حدثت النكبة بإعلان إقامة دولة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية كانت قضية الشعب الفلسطيني ولا تزال وستبقى في قلب الاهتمام المصري وفي صلب الأمن القومي لمصر، ليس فقط كونها قضية شعب عربي جار لمصر أو من قبيل تعاطف عابر مع شعب يعاني الاحتلال بل هو التزام إستراتيجي وتاريخي لمصر يرتكز على ثوابت راسخة ومبادئ ثابتة ومواقف حاسمة لا تتزعزع مرجعيتها أن أي تهديد للوجود الفلسطيني أو محاولة لتصفية قضيته هو بالنسبة لمصر تهديد مباشر لأمنها القومي فهو رباط أمني وإستراتيجي صلب يجمع مصر وفلسطين ولا يمكن فصله أو قطعه..
ومن منطلق هذه الركائز الأساسية وتلك المبادئ الراسخة يأتي تعاطي مصر مع ملف القضية الفلسطينية وتطوراتها المتلاحقة طوال هذه العقود، وهو تحرك فاعل ومؤثر ومسئول.
تلك الجهود المصرية الفاعلة والمناصرة للحق الفلسطيني تجلت في أبهى صورها أثناء وبعد العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، والذي وصل إلى حد الإبادة الجماعية، ما دفع مصر منذ اليوم الأول للعدوان للتصدي بكل قوة لمخطط الكيان المحتل المدعوم من أمريكا لتهجير الشعب الفلسطيني من غزة وتصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد، وحين استشعرت مصر هذه المؤامرة التي لا يخفيها العدو وشريكه الأمريكي للحد الذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتصريح مرات عدة بتهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن وتنفيذ مشروع سياحي على الأرض باسم "ريفيرا غزة " جاء الرفض المصري حاسمًا وتحركها فاعلًا في وقف هذا المخطط حيث قادت تحركًا دبلوماسيًّا عربيًّا ودوليًّا واسعًا نجحت خلاله بحشد موقف دولي لدعم القضية الفلسطينية بل وإحياء قيام دولة فلسطينية من خلال المؤتمر الدولي الذي عقد بالأمم المتحدة بدعم مصري وعربي وانتهى باعتراف جماعي دولي واسع بالدولة الفلسطينية وبالتوازي دعت مصر إلى قمة عربية أكدت على رفض التهجير بل واعتماد خطة لإعمار قطاع غزة وتحقيق السلام الذي يرتكز على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ولعل هذه الجهود التي أفشلت مخطط التهجير ساهمت في إحياء القضية الفلسطينية وأجبرت الإدارة الأمريكية على التحرك نحو تشكيل مجلس السلام والسعي لتنفيذ اتفاق يقضي بانسحاب إسرائيل من غزة وإسناد إدارة القطاع إلى لجنة وطنية تمهيدًا لإجراء انتخابات تسمح بتشكيل حكومة فلسطينية موحدة تجمع الشعب الفلسطيني وتنهي الانقسام الفصائلي الذي أصبح يمثل نقطة ضعف للقضية الفلسطينية ولا يحقق المصالح الوطنية الفلسطينية خصوصًا بعد المتغيرات التي تشهدها المنطقة وما فرضته من وقائع جديدة على الأرض تتطلب تعاطيًا مختلفًا للحفاظ على حيوية القضية الفلسطينية وضمان إقامة الدولة وعاصمتها القدس.
يقينًا لن يكون الطريق إلى هذه الدولة سهلًا أو استكمال تنفيذ اتفاق السلام مضمون النتائج في ظل تنامي اليمين المتطرف في إسرائيل والذي تحركه نوازع تلمودية زائفة ودوافع عقائدية متطرفة لا تؤمن بالسلام بل بالتوسع عبر المزيد من احتلال الأراضي بغية تحقيق وهم إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات لكن في ظل إرادة فلسطينية على تجاوز هذه التحديات وتفويت الفرصة على دولة الاحتلال يمكن التوصل إلى الأهداف التي تحقق الأمن والاستقرار للشعب الفلسطيني والبدء في إعادة إعمار غزة التي تعرضت للتدمير الكامل وتحتاج إلى خطة عمل عاجلة توفر للشعب الذي يعاني منذ نحو 3 سنوات الجوع والمرض وانعدام الخدمات.
ولعل حالة الانزعاج والحزن والتحريض التي اجتاحت دولة الكيان منذ الإعلان عن الترتيب لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق السلام خلال الساعات الماضية والتي تقضي بانسحاب إسرائيلي من غزة والتي صاحبها إعلان من الرئيس الأمريكي بتوجيه الشكر لمصر على دورها في الوصول إلى هذه النتيجة أكد بما لا يدع مجالًا للشك أن مصر نجحت في توجيه صفعة قوية لإسرائيل وإجهاضها مخطط ابتلاع غزة للحد الذي دفع وزراء في حكومة نتنياهو أمثال بن غفير وسموتريتش وغيرهما من نواب بالكنيست إلى التصريح برفض الانسحاب من غزة حتى ولو تم نزع سلاح حماس أو اضطرت إسرائيل إلى معارضة أمريكا وهو ما يشير إلى حجم الحقد والكراهية والتطرف في حكومة نتنياهو وهو ما يفرض على الأشقاء الفلسطينيين العمل بسرعة على توحيد مواقفهم ولم شمل كل التيارات والفصائل تحت علم الدولة الفلسطينية حتى يتم نزع أي ذريعة من إسرائيل للتملص من تنفيذ استحقاقات اتفاق السلام وتعرية هذا الكيان المحتل أمام العالم.
وأعتقد أن إسرائيل حاليًّا تمر بأسوأ حالاتها بعد أن فقدت تعاطفها في العالم ولم تجد سرديتها التي ظلت تسوقها طوال العقود الماضية آذانًا صاغية ولا قناعة لدى غالبية الشعوب التي لا تزال تخرج في مسيرات احتجاجية في عواصم أوروبية عديدة ضد سياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة وهي كانت حتى وقت قريب تعتبر الداعم التقليدي الأول لإسرائيل وهو ما يجب استغلاله في تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة عبر التمسك بتنفيذ اتفاق السلام وفضح إسرائيل الرافضة له أما تجاهل هذه الحقائق والتقليل من قوة تلك الوقائع والمضي نحو تكريس الفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني فهو يعني ضياع القضية برمتها إن لم يكن تصفيتها.
ختامًا ستبقى مصر الدولة الكبرى القوية خط الدفاع الأول للقضية الفلسطينية وحائط الصد الصلب الذي تتحطم عليه أوهام إسرائيل وتسقط فوقه أحلام متطرفيها أعداء السلام. حفظ الله مصر وجيشها العظيم.
[email protected]