أكتب هذه السطور وعلامات الاستفهام تتراقص أمام عيني كأنها رصاصات طائشة في ليل المنطقة الملتهب. لماذا مصر؟ لماذا كل هذا الحقد الدفين على بلد لم يعتدِ على أحد، ولم يمد يده إلا بالسلام؟
سؤال يتردد صداه في قلوب ملايين المصريين البسطاء الذين يشعرون أن هناك من يتربص بهم، أن هناك من يكرههم لمجرد أنهم مصريون.
لست بصدد كتابة كلام دبلوماسي منمق، أو تحليل سياسي بارد. أنا أكتب عن وطن ينزف، عن أرض مقدسة، عن مصر التي كلما اشتدت العواصف بالمنطقة، وأظلمت الدنيا في وجه المستضعفين، وقفت هي كالطود الشامخ، كالجبل الأشم، ترد الصاع صاعين.
فلنكن صرحاء مع أنفسنا ومع العالم بأن مصر لا تستهدف اليوم لأنها ضعيفة، كما يدعي المرجفون. مصر تستهدف لأنها قوية وعصية على الكسر. تستهدف لأنها نجحت، رغم كل المؤامرات، في إفشال ما لم يفشله غيرها. وهذه هي الجريمة التي لا تغتفر في عيون الطامعين.
أولاً: لماذا مصر؟
انظروا جيدًا إلى المشهد الإقليمي الملتهب. كان هناك من يحلم بمشروع جهنمي أطلقوا عليه زورًا "ريفييرا الشرق الأوسط".
كان المخطط واضحًا ومكشوفًا وهو تصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد عبر تهجير أهل غزة من أرضهم تحت غطاء الاستثمار والتنمية المزعومة.
كل دول المنطقة كانت مرعوبة، صامتة، عاجزة. لكن مصر، مصر وحدها، خرجت وقالت بصوت عالٍ سمعته الدنيا كلها (لا).
كلمة من حرفين هزت القواعد والحصون. هل تظنون أن هذا الموقف التاريخي سيمر دون ثمن باهظ؟ في منطق الوحوش المفترسة، من يتجرأ على قول (لا) لمخططاتهم، يكتب اسمه على قائمة التصفية الجسدية والمعنوية.
ثم انظروا إلى الشرق المشتعل، إلى النار التي أشعلت لتأكل الأخضر واليابس. هناك على الجانب الآخر، صراع مدمر بين إيران والكيان الصهيوني، يستنزف الطرفين. وهناك من كان يحلم، ويسعى بكل ما أوتي من قوة، لجر دول الخليج إلى هذا المستنقع الدموي، لكي تتحول المنطقة برمتها إلى ساحة حرب مفتوحة تنهش الجميع.
لكن مصر، بثقلها التاريخي وعقلها الإستراتيجي، تصدت لهذا المخطط الخبيث. كانت هي صمام الأمان الذي منع الانفجار الشامل، والسد المنيع الذي أوقف تدفق الدماء إلى حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر.
فهل يغفر لها أنها أنقذت المنطقة من الهاوية؟ بالطبع لا، فهذا هو ذنبها الأعظم.
وهناك ما هو أعمق وأخطر. مصر انتبهت مبكرًا لمخطط تدمير الدول من الداخل عبر إشعال الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية. بينما كانت دول من حولنا تنهار وتتمزق، وتستباح تحت رايات طائفية مقيتة صنعتها المخابرات الغربية، كانت مصر تبني حائط صد داخليًا بصلابة الفلاح المصري الذي يعرف أرضه ويحرسها. الإرهاب الأسود الذي ضربها في سيناء، وفي قلب القاهرة، واجهته ببسالة جيشها الوطني وبصبر شعبها العظيم.
المخطط فشل فشلاً ذريعًا في تحويل مصر إلى عراق آخر أو سوريا أخرى. ولكن، هل استسلم الأعداء؟ كلا، فالشر لا يموت، بل يتلون ويتحور. انتقلوا إلى الخطة البديلة: حرب الاستنزاف الطويلة الأمد.
وهنا يكمن خبث الهجمة الحالية. مصر تخوض سباقًا محمومًا مع الزمن لتقوية بنيانها الشامل، جيشها الذي أصبح درعاً، واقتصادها الذي يعاني من حصار خانق، وشعبها الذي يحاول الصمود.
من يريد تعطيل هذا المسار، وإجهاض حلم النهضة، يحتاج إلى خلق بؤر توتر دائمة على الحدود، وإشعال أزمات تلو الأخرى، لاستنزاف الموارد وتشتيت التركيز الوطني. العدو يعرف ذلك جيداً، ومن يدور في فلكه من عملاء وأذناب في الداخل والخارج يعرف ذلك أيضًا.
المسألة إذن ليست مسألة حادث هنا أو هناك، المسألة هي مشروع تعطيل دولة كاملة، وإغراقها في دوامة الصراعات حتى تفقد بوصلتها.
والأخطر والأدهى، هو محاولة ضرب الجبهة الداخلية من خلال حرب نفسية قذرة. إنهم يعملون ليل نهار على خلق شروخ في جدار الثقة التاريخي بين الشعب المصري ودولته وجيشه. شائعات كالسم الزعاف تنشر في الهواء، وتشكيك ممنهج في كل إنجاز، وتضخيم لكل خطأ أو تقصير، وتجاهل كامل ومتعمد لبطولات الجيش وصمود الشعب.
الهدف النهائي هو صياغة مواطن مصري محبط، يائس، فاقد للثقة في قيادته ومؤسساته، مستعد للتصديق بأن كل ما يحدث هو فشل، وأن كل ما يقال هو كذب. هذا هو النصر الذي يسعى إليه الأعداء، وهو أشد فتكًا ودمارًا من أي طائرة مسيرة أو صاروخ. إنهم يريدون قتل الروح المصرية، إطفاء الشعلة الداخلية، وهذا لن يحدث أبدًا بإذن الله.
ثانياً: كيف نواجه؟
الجواب ليس عندي وحدي، ولا عند أحد بعينه. الجواب موجود في ضمير كل مصري ومصرية، في قلب كل فلاح في أرضه، وفي عقل كل عامل في مصنعه. لكن دعونا نقولها بصراحة وبلا مواربة، كما يجب أن تكون الكلمات في أوقات الخطر:
أولاً: الكف عن الجدال العقيم، والاصطفاف خلف الدولة الوطنية. لا أقوله من باب الشعارات التي مللناها، لكن من باب منطق الصراع. فعندما تستهدف دولة، فإن أي انقسام داخلي، أي صوت نشاز يطعن في قدرة الدولة على حماية أبنائها، هو بمثابة طعنة غادرة في الظهر. يجب الثقة في الجيش المصري، وفي قدرة الدولة على الردع والرد مسألة حياة أو موت.
ثانيًا: التحصن ضد حرب الشائعات القذرة. كل خبر تقرأه على منصات التواصل الاجتماعي، كل تحليل تسمعه من مصدر مجهول، قد يكون رصاصة مسمومة أُطلقت خصيصًا لعقلك وقلبك. ليس كل ما ينشر يصدق، وليس كل من يكتب هو مناضل أو وطني، بل قد يكون مرتزقًا في حرب العقول. المصدر الوحيد للمعلومة في أوقات الأزمات هو الدولة بمؤسساتها الرسمية. فقط. أما ما عدا ذلك فهو ظن، والظن قد يقتل ويخرب ويدمر.
ثالثاً: تعرية منطق الهزيمة النفسية. المسيرات التي سقطت، كما حدث قرب دمياط، جزء من طبيعة الحرب الحديثة. لا توجد منظومة دفاع جوي في العالم، حتى في قلب إسرائيل ذاتها، تحقق حماية مطلقة بنسبة 100%. هذا وهم يباع للمغفلين. إسرائيل بكل قبتها الحديدية وأسطورة جيشها الذي لا يقهر، اخترقتها صواريخ إيران ومسيراتها. هذا يعني أن الحرب المعاصرة أصبحت بلا خطوط أمامية. فهل نقبل أن ينال حادث واحد هنا أو هناك من ثقتنا بجيشنا العظيم الذي سطر الملاحم في سيناء؟ هذا هو الهدف بعينه.
رابعًا: دعم غير مشروط لإجراءات الدولة. التحقيقات العسكرية والأمنية جارية في صمت، وهذه هي طريقة المؤسسات الجادة. الإجراءات الرادعة قادمة لا محالة، بقوة وحزم. ما تحتاجه الدولة المصرية الآن ليس موجة من التحليلات الفارغة من "محللين" و"خبراء" على مواقع التواصل، لكننا بحاجة إلى ظهير شعبي صلب كالصخر. فمن يتعرض لعدوان خارجي يحتاج إلى شعبه كله خلفه، لا إلى محققين هواة يمارسون جلد الذات العلني أمام الأعداء.
خامسًا وأخيراً: إدراك أننا في معركة تاريخية طويلة. فالمخططات التي أجهضت لم تندثر، ولم يرفع أصحابها الراية البيضاء. إنهم يغيرون جلودهم وأساليبهم، يتحورون كالفيروسات. الإرهاب فشل، التطرف فشل، الحصار الاقتصادي يتصدع، التوريط الإقليمي فشل. فهل نظن أنهم سيتوقفون؟ كلا وألف كلا. إنهم يغيرون التكتيك لا الإستراتيجية.
وإستراتيجيتهم الوحيدة هي إعاقة مصر، وإغراقها، ومنعها من النهوض والوقوف على قدميها بقوة. من يفهم هذه الحقيقة، يكون قد امتلك نصف السلاح لمواجهتهم. والنصف الآخر هو العمل والصبر والثبات.
إنني أكتب هذا المقال وأنا مدرك أن الكلمات لا تصنع النصر في الميدان، لكنها تصنع الوعي، والوعي هو السلاح الأول في معركة البقاء. ومصر التي هزمت الإرهاب في سيناء، وأبطلت مفعول فوضى "الربيع العربي" المدمرة، والتي تقف اليوم في وجه إعصار مجنون، لا تحتاج إلى شهادتي. هي تحتاج إلى يقظة كل أبنائها، إلى غضبهم الشريف، إلى التحامهم بوطنهم.