بعد شهور من القتال، والهدن الهشة، والمواجهات المتجددة، لا تبدو المنطقة أقرب إلى السلام، ولا إلى حرب شاملة.
ولعل أدق وصف للوضع الراهن بين إيران من ناحية، والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، هو أنه حالة من اللاسلم واللاحرب. وربما لم تعد هذه الحالة استثناءً، بل أصبحت سمة متكررة في عدد من صراعات القرن الحادي والعشرين.
لا حرب واسعة مستمرة، ولا تسوية سياسية حقيقية، واحتمال العودة إلى القتال قائم في أي لحظة. إنها مرحلة لا يحسمها السلاح، ولا تنجح فيها الدبلوماسية.
لم تنته المواجهات الأخيرة بانتصار حاسم، كما لم تنته باعتراف أي طرف بالهزيمة.
خسر الجميع… لكن أحدًا لم يعترف بالهزيمة.
خسرت إيران جزءًا مهمًا من بنيتها العسكرية، وتعرضت منشآت إستراتيجية لضربات قاسية، كما فقدت عددًا من كبار قادتها السياسيين والعسكريين في عمليات اغتيال غير مسبوقة. لكنها، في المقابل، أثبتت قدرة على مواصلة القتال، وعلى الجلوس إلى طاولة التفاوض بندية ودون استسلام، كما أظهرت أنها تملك أوراق ضغط، أهمها قدرتها على تعطيل حركة الملاحة عبر أحد أهم شرايين الطاقة في العالم: مضيق هرمز.
أما الولايات المتحدة، فرغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، فإنها لم تحقق الحسم السياسي الذي كانت تسعى إليه. تحدثت تقارير أمريكية عن ضغوط متزايدة على مخزونها من الذخائر، في وقت تعرضت فيه قواعدها ومصالحها العسكرية في المنطقة لهجمات أوقعت خسائر في الأفراد والمعدات. وذهبت تقارير إعلامية، استنادًا إلى بيانات البنتاغون، إلى أن الخسائر البشرية تجاوزت ستمائة بين قتيل وجريح. وقد كشفت هذه التطورات أن أي مواجهة طويلة الأمد ستكون مرتفعة الكلفة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
أما إسرائيل، فرغم نجاحها في اغتيال المرشد وعدد من القيادات والعلماء الإيرانيين، فإنها لم تنجح في تحقيق بيئة أمنية أكثر استقرارًا. وتشير تقديرات متعددة إلى أنها تكبدت خسائر مؤلمة نتيجة الهجمات الإيرانية، وإن ظلت تفاصيلها غير معلنة بالكامل. وفي الوقت نفسه، شهدت تراجعًا ملحوظًا في التعاطف الشعبي، ليس فقط على المستوى الدولي، بل داخل الولايات المتحدة أيضًا، نتيجة استمرار العمليات العسكرية واتساع آثارها الإنسانية.
ولعل دول الخليج هي الطرف الأكثر رغبة في انتهاء الحرب. فهي لا تبحث عن انتصار إيران ولا عن انتصار الولايات المتحدة، بقدر ما تبحث عن استقرار يسمح باستمرار التجارة والطاقة والاستثمار بعيدًا عن شبح التصعيد.
تخشى الصين من اضطرابٍ طويلٍ في إمدادات الطاقة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن انشغال الولايات المتحدة بصراع طويل يستنزف جزءًا من قدراتها العسكرية، قد يخفف من الضغوط الإستراتيجية عليها في آسيا. أما روسيا، فقد استفادت اقتصاديًا من ارتفاع أسعار الطاقة، كما استفادت من استنزاف جزء من الموارد الأمريكية، لكنها أيضًا لا ترغب في انفلات الصراع إلى مواجهة قد تخرج عن السيطرة.
ويبقى الخاسر الأكبر هو الاقتصاد العالمي، الذي يدفع ثمن أي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب، عبر ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل، وتعطل سلاسل الإمداد، وما ينعكس على التضخم والنمو في مختلف أنحاء العالم.
وهنا تكمن المعضلة.
إذا كان الجميع تقريبًا قد خسر، فلماذا لا يتحول وقف إطلاق النار إلى سلام دائم؟
لأن المشكلة لا تكمن في وقف القتال، بل في طبيعة المطالب نفسها.
فالولايات المتحدة تسعى إلى منع تحول إيران إلى قوة نووية، وتقليص قدراتها الصاروخية، والحد من دعمها لحلفائها الإقليميين.
وفي المقابل، ترى إيران أن أمنها يبدأ من امتلاك وسائل الردع، وأن من حقها الدفاع عن مصالحها، كما تطالب بالإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة، والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها، وربط أي تسوية قادمة بترتيبات إقليمية أوسع تشمل الوجود الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة.
ومن الصعب تصور نقطة يلتقي عندها هذان التصوران.
فما تدعيه واشنطن ضمانًا للأمن، تعتبره طهران انتقاصًا من سيادتها. وما تراه إيران حقًا مشروعًا في الردع، تدعي إسرائيل أنه يشكل تهديدًا وجوديًا لها. وبين هذين التصورين، يصبح السلام الحقيقي أكثر صعوبة من وقف إطلاق النار.
ولهذا لم يكن غريبًا أن نشهد وقفًا للقتال، ثم مذكرة تفاهم هشة، ثم انهيارها، ثم جولة جديدة من المواجهة، ثم وقفًا جديدًا لإطلاق النار. فالأزمات لم تُحل، وإنما أُجلت.
لذلك تبدو السيناريوهات المقبلة محدودة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار حالة اللاسلم واللاحرب: وقف هش لإطلاق النار، تتخلله مناوشات محدودة، وضغوط اقتصادية، وهجمات سيبرانية، وعمليات استخباراتية، ومفاوضات متقطعة، دون انزلاق إلى حرب شاملة.
أما السيناريو الثاني، فهو عودة التصعيد إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير حدود الردع، أو إذا وقع حدث كبير يعيد إشعال المواجهة. ويظل هذا الاحتمال قائمًا، لكنه أقل ترجيحًا ما دام الجميع يدرك كلفة الحرب المفتوحة.
أما السلام الدائم، فيبدو اليوم أبعد الاحتمالات. ليس لأنه غير مرغوب، بل لأن الثقة بين الأطراف تكاد تكون معدومة، ولأن أيًا منها لا يرى أن الوقت قد حان لتقديم التنازلات التي يتطلبها سلام حقيقي.
وربما لا يكون السؤال المطروح اليوم: متى يتحقق السلام؟
بل سؤال آخر أكثر إلحاحًا:
إلى متى تستطيع المنطقة أن تعيش في حالة اللاسلم واللاحرب؟
فهذه الحالة قد تمنع الانفجار الكبير، لكنها لا تمنع النزيف المستمر. وكل هدنة تنتهي، وكل تفاهم ينهار، وكل جولة قتال جديدة، تؤكد أن المشكلة لم تعد في وقف إطلاق النار، بل في غياب رؤية مشتركة للسلام نفسه.
فالسلام لا يصنعه الإرهاق العسكري وحده، وإنما تصنعه الثقة، وهي السلعة الأكثر ندرة في الشرق الأوسط اليوم.