لم تكن غزة بالنسبة إلى مصر يومًا مجرد ملف إنساني عابر أو أزمة حدودية مؤقتة، وإنما كانت، ولا تزال، قضية ترتبط بثلاث دوائر متداخلة، وهي القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للعرب، والأمن القومي المصري باعتبار غزة امتدادًا مباشرًا لبيئة مصر الاستراتيجية، والاستقرار الإقليمي الذي لا يمكن تحقيقه دون معالجة جذرية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
ومن هنا، فإن فهم احتياجات غزة لا ينبغي أن يقتصر على حصر حجم الدمار الذي تسبب فيه العدوان الإسرائيلي الهمجي الأخير عليها أو المساعدات المطلوبة، وإنما يتطلب قراءة شاملة لما يحتاجه القطاع اليوم لكي ينتقل من مرحلة البقاء إلى مرحلة التعافي، ثم إلى مرحلة بناء الدولة الفلسطينية.
لقد كشفت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة عن حجم غير مسبوق من الدمار، تجاوز تدمير المباني والبنية الأساسية ليصيب الإنسان الفلسطيني نفسه. وتشير أحدث التقديرات الدولية إلى أن التنمية البشرية في غزة تراجعت بما يعادل سبعة وسبعين عامًا، وأن الاقتصاد تعرض لانكماش حاد، فيما انهارت معظم الخدمات الأساسية، وتضررت قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والطاقة والمياه والنقل بصورة تكاد تكون شاملة. كما تحتاج عملية التعافي وإعادة الإعمار إلى عشرات المليارات من الدولارات وإلى سنوات طويلة من العمل المنظم، وهو ما يجعل غزة اليوم أمام تحدي إعادة بناء مجتمع بأكمله، وليس مجرد إصلاح ما دمرته الحرب.
ومن هنا، فإن أول ما تحتاجه غزة ليس فقط استمرار تدفق المساعدات الإنسانية، وإنما الانتقال المنظم من مرحلة الإغاثة العاجلة إلى مرحلة "التعافي المبكر". فالإغاثة تنقذ الأرواح، لكنها لا تعيد الحياة. أما التعافي المبكر، فيشمل إزالة ملايين الأطنان من الأنقاض، واستعادة شبكات الكهرباء والمياه، وإعادة فتح المدارس والمستشفيات، وتشغيل المرافق العامة، وخلق فرص عمل مؤقتة، بما يسمح بعودة تدريجية للحياة الطبيعية. وهذه المرحلة تمثل الحلقة المفقودة بين وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار الشاملة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المصري باعتباره أكثر من مجرد دور إغاثي أو وساطة سياسية. فالقاهرة تمثل، بحكم موقعها الجغرافي وإمكاناتها اللوجستية، البوابة الطبيعية لإعادة إعمار غزة. فمعبر رفح، وميناء العريش، وشبكات الطرق في شمال سيناء، وخبرة الشركات المصرية في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، كلها عناصر تجعل من مصر مركزًا إقليميًا لوجستيًا لإدارة عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار، وليس مجرد معبر لعبور المساعدات.
ومع ذلك، ينبغي القول إن إعادة الإعمار في غزة لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان الفلسطيني. فالحرب خلفت مئات الآلاف من الأطفال المحرومين من التعليم، وآلاف المصابين بإعاقات دائمة، وأزمات نفسية واجتماعية عميقة، وانهيارًا في المنظومة الصحية والتعليمية.
ومن ثم، فإن احتياجات غزة تشمل إعادة تأهيل الإنسان بقدر ما تشمل إعادة بناء الحجر، لأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ بإعادة إنتاج رأس المال البشري الفلسطيني. وتشير التقديرات الدولية إلى أن أكثر من 728 ألف طفل وشاب انقطعوا عن التعليم النظامي، كما تعرض القطاع الصحي لخسائر جسيمة، في حين أصبحت خدمات الصحة النفسية والتأهيل من الأولويات العاجلة.
ولا يمكن فصل هذا البعد الإنساني عن البعد الاقتصادي. فقد أدى انهيار النشاط الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة من البطالة والفقر، مع تدمير واسع للقطاعين الزراعي والصناعي، وتوقف معظم الأنشطة الإنتاجية. ولذلك، فإن إعادة إعمار غزة ينبغي أن تتحول إلى مشروع للتنمية الاقتصادية، يقوم على إعادة تشغيل القطاع الخاص الفلسطيني، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، واستعادة النشاط الزراعي والتجاري، وخلق فرص عمل مستدامة، وليس مجرد برنامج لإعادة تشييد المباني. فالمجتمع الذي يمتلك اقتصادًا قادرًا على الإنتاج يكون أكثر قدرة على حماية الاستقرار من مجتمع يعتمد بصورة دائمة على المساعدات الخارجية.
لكن التجربة الفلسطينية أثبتت أيضًا أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح في ظل الانقسام السياسي. ولذلك، تواصل مصر جهودها لرأب الصدع الفلسطيني، انطلاقًا من إدراكها أن الوحدة الوطنية ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، وإنما شرط ضروري لنجاح أي خطة للتعافي أو التنمية.
وفي هذا الإطار، تنطلق الرؤية المصرية تجاه مستقبل السلاح من مبدأ بناء الدولة، وليس من منطق الغلبة الفصائلية. فاحتكار السلطة الشرعية للسلاح، وتنظيم المنظومة الأمنية ضمن إطار وطني موحد، يمثلان ركيزة أساسية لإقامة مؤسسات مستقرة وقادرة على إدارة القطاع بكفاءة، مع ضمان مشاركة جميع القوى الفلسطينية في إطار الشرعية الوطنية.
وإلى جانب إعادة بناء المؤسسات الأمنية، تحتاج غزة إلى إعادة بناء مؤسسات الحكم والإدارة ذاتها. فالبلديات، والقضاء، والشرطة المدنية، والسجل العقاري، والإدارة المحلية، والمؤسسات المالية، تمثل جميعها مكونات أساسية للدولة الفلسطينية المستقبلية. ولا يمكن لأي مانح دولي أن يضخ استثمارات ضخمة في بيئة تفتقر إلى مؤسسات قادرة على إدارة الموارد وتحقيق الشفافية والمساءلة.
ويطرح ذلك سؤالاً جوهريًا، وهو من سيمول إعادة إعمار غزة؟ فالتقديرات الدولية تشير إلى احتياجات مالية هائلة، لا تستطيع دولة واحدة تحملها. ومن ثم، فإن نجاح عملية الإعمار يتطلب شراكة واسعة تضم الدول العربية، ودول الخليج، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، والأمم المتحدة، إلى جانب القطاع الخاص.
وفي هذا الإطار، تتحرك مصر دبلوماسيًا من أجل بناء توافق دولي يدعم إعادة الإعمار، مع تمسكها الثابت برفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين خارج أرضهم. فهذا الرفض لا يعكس فقط التزامًا أخلاقيًا أو إنسانيًا، وإنما يمثل ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على جوهر القضية الفلسطينية، ومنع أي محاولات لتصفية حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
وفي النهاية، سوف يظل نجاح الدور المصري في الجمع بين الإغاثة، والتعافي المبكر، وإعادة الإعمار، والمصالحة الفلسطينية، والدفع نحو أفق سياسي قائم على حل الدولتين هو الركيزة الأساسية التي سوف تحفظ للفلسطينيين حقوقهم في إقامة دولتهم المستقلة، والتي سوف تؤسس أيضًا لشرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا.
نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية