لاشك أن منطقة الشرق الأوسط تعيش حالة من القلق والتصاعد غير المسبوق للتوترات العسكرية بالمنطقة؛ مما ينذر باتساع نطاق المواجهات، والدخول في مرحلة شديدة الاضطراب، في ظل استمرار الجهات التي تحاول أن تنشر النار في الهشيم، الأمر الذى يؤكد أن مصر مستهدفةٌ، ولا بد من أخذ أعلى درجات اليقظة والانتباه، لا سيما أن هذه الواقعة المحدودة حدثت داخل ميناء دمياط، ومن ثَم تحولت بعدها إلى سيلٍ من الشائعات على مواقع التواصل، وبعض المنصات الإعلامية التى تستهدف بالأساس محاولة جرّ مصر إلى دائرة الصراع الدائر في الإقليم.
إن الحرب الدائرة الآن تتسّع بشكلٍ جنونيٍ، والتهديدات الراهنة باتت تعتمد على أدوات متنوعة، من بينها الحرب النفسية، والشائعات الممنهجة، ومحاولات بث الفرقة والانقسام داخل المجتمعات، كل ذلك في نطاق تسع دولٍ بالكامل، فمن يتبقّى لجرّ أقدامه؟! إنهما دولتان (مصر وتركيا)؛ فمصر تصرفت -ومازالت- بعقلٍ شديدٍ منذ بداية الأزمة، لاسيما أن محاولة جرّ مصر للحرب هدف رئيسي لبعض الأطراف، وزادت وتيرته بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأمريكا خلال الساعات الماضية، ولقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لاسيما أن الدولة المصرية، بقيادتها الواعية ومؤسساتها الوطنية، قررت منذ اللحظة الأولى موقفها؛ وهو الوساطة والدفاع عن أمنها القومي وأمن أشقائها العرب؛ مما يؤكد أن توسيع نطاق الحرب إنما هو هدفٌ خبيثٌ وإشراكُ أطرافٍ أخرى، وهو رؤيةٌ ماكرةٌ وفكرةٌ خادعةٌ لجرّ مصر واستدعائها لهذه الحرب.
وعلى الرغم من تأكيد الجهات المعنية بالدولة المصرية أنه بإجراء التحقيقات الأولية حول الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيرة، ولم تعلن أي جهة مسئوليتها عن الواقعة، وتواصل الجهات المعنية استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي، وقد تم التعامل مع الحادث من قبل أجهزة الإطفاء والطوارئ بكفاءةٍ وسرعةٍ وتمت السيطرة عليه بالكامل، وتم سحب السفينة بعيدًا عن رصيف الميناء؛ حفاظًا على سلامة حركة الملاحة، ولم يسفر الحادث عن أي خسائر في مرافق الميناء، أو خزانات الغاز، أو أي سفينة أخرى، كما لم تتأثر حركة العمل بالميناء.
وكل ما سبق يؤكد أن هذا العمل الخسيس هدفه الأساسي هو زعزعة الأمن والاستقرار المصري؛ ومما لا شك فيه أن كل ذلك يتم في ظل وجود وسائل إعلامٍ تتبنى اشتعال المنطقة، وتروج لـ"هذا الهجومٍ"، على الرغم من أنه حريقٌ محدودٌ في "غرفة المحركات" قد تمت السيطرة عليه سريعًا بدون وقوع إصاباتٍ، وقد انتقل وزير البترول لموقع الحادث، وأجرى تحقيقاتٍ أولية بهذا الشأن.
وتُظهر هذه الحادثة أن هذا الأمر يعد هدفه الإقحام المباشر لمصر في الصراع الدائر في المنطقة؛ سواء كان الحادث بسبب هجومٍ إيرانيٍ أو حوثيٍ أو أي طرف آخر كما يردد البعض.
محاولات خبيثة لتوسيع دائرة الصراع الإقليمي والدولي من إيران إلى أربيل بالعراق والأردن والإمارات والبحرين ومن قبلهم قطر وعادت الاشتباكات بين السعودية والحوثيين، وفتحت جبهة الحوثي الذي هدد من جديد الملاحة في البحر الأحمر، ثم ضربات من أذرع طهران في العراق والفاعل وراء ذلك ليس مجهولا بالنسبة لنا، فى محاولة شديدة الخبث لجر مصر لدائرة الصراع لتتحول من الدولة الثابتة المستقرة إلى جزء من دائرة الاشتباك.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: من المستفيد من دفع مصر إلى صراع يتسع يومًا بعد آخر؟!
الإجابة معروفة للجميع؛ لتوسيع دائرة الصراع، خاصة أن الدولة المصرية رفضت الانخراط المباشر، فكان لابد من خلق وقائع جديدة تفرض نفسها على المشهد، وتغير في الرؤية المصرية والمشهد ككل، ولكن هيهات هيهات؛ فلدينا قيادة واعية تعي ما تقوم به ولا تفرط في دماء المصريين، وترد بشكل قوي على أي اعتداء على الأمن القومي المصري.
الحادث يؤكد أن الخطر بات يطرق الأبواب بمصر، بل تخطى مرحلة الطرق، وأنه حان الأوان لإعادة الحسابات هذه حقيقة، ولكن تجاه الخطر الحقيقي الذي يتخفى وراء ستار، ويعد استهداف مصر بالنسبة له مصلحة واضحة، ويحقق له فائدة سياسية لتوجيه البوصلة تجاه مصر.
زيادة الوعي والاصطفاف الوطني خلف القيادة السياسية والدولة المصرية، ومعرفة حجم التحديات والمخاطر أمر لا مناص منه، وضرورة ملحة في تلك المرحلة الراهنة؛ مما يستلزم توحيد الجهود بين جميع مؤسسات الدولة والمجتمع؛ لمواجهة المخاطر والشائعات التى تحاك لنا؛ مما يعزز قدرة الدولة المصرية على التعامل مع مختلف التحديات بكفاءة واقتدار، ولزيادة تماسك والتحام الجبهة الداخلية، وترسيخ وحدة الصف الوطني، في ظل تزايد التحديات وسط الأزمة الإقليمية الراهنة وتداعياتها المتسارعة؛ لعبور هذه اللحظة الدقيقة بأقل خسائر ممكنة، والحفاظ على استقرار الدولة المصرية ومقدراتها، مع إدراك كامل لحجم التحديات والتهديدات القائمة، والتى تستهدف زعزعة استقرار الدول.
وهنا استدعي ماقاله الرئيس عبدالفتاح السيسي في كلمته بمناسبة ذكرى ثورة ٢٣ يوليو "دعوني أعاود التأكيد أن مصر، بفضل الله سبحانه وتعالى، وبفضل شعبها العظيم، لا يستطيع أحد أن يمسها أو ينال من مقدراتها، فهي محروسة بعناية الله، ومحصنة بوعي شعبها، ومصونة بقوة جنودها، لتظل دائمًا وأبدًا حصنًا منيعًا وركيزة راسخة للأمن والاستقرار."
لدي ثقة ويقين في الدولة المصرية بكافة مؤسساتها، والشعب المصري وتماسكه، اللذين يمثلان الدرع الأساسية لمواجهة الأزمات والتحديات الإقليمية والتعامل معها بمسئولية، وذلك لدعم السياسات المصرية الإقليمية والدولية، وتعزيز دور مصر الريادي في الحفاظ على الأمن والاستقرار، وبحق أن الشعب المصري شريك فعال في كل مبادرات الدولة؛ لحماية مصالح الوطن وأمنه القومي.
إن تدفق المعلومات في أوقات الأزمات هو ضرورةٌ مُلحة أيضًا؛ لمنع انتشار الشائعات، خاصةً أن مصر ليس لديها غضاضةٌ في الإعلان عن حقيقة الأمر، خاصةً أن التحقيقات ما زالت جاريةً، وليس هناك ما يعيب الدولة المصرية في إعلان الحقيقة حول تلك الواقعة، التي أقل ما ينطبق عليها من وصفٍ قانوني، عدم معقولية الواقعة التي يتداولها بعض مروجي الشائعات، ونحن في انتظار بيانٍ مصرىٍ مُفصَل عن كافة تفاصيل الحادث بكل شفافيةٍ؛ لاسيما بعد تعليق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحادث، حتى يتم القضاء على كافة الشائعات.
وإننا نقول، رغم كل هذه الشائعات وكل هذا اللغط حول هذه الحادثة، إن مصر ستظل بلد الأمن والأمان والاستقرار في المنطقة، رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين.
حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا وجيشًا، وأحاطها بعنايته وشملها برعايته وجعلها في البلاد درةً مصونة وجوهرةً مكنونة، وحقق موعده فيها في كتابه المبين (ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ).