ليست قصة من فيلم خيال علمي.. عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك حياة من شاشة هاتف إلى حفل زفاف

30-7-2026 | 19:16
ليست قصة من فيلم خيال علمي عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك حياة من شاشة هاتف إلى حفل زفافتطبيقات الذكاء الاصطناعي

في زمن باتت فيه التكنولوجيا تستبدل العقل البشري، وقبل سنوات قليلة، كان الارتباط بشخص لا وجود له إلا داخل شاشة هاتف فكرة يصعب تصديقها، لكن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي غيّر كثيرًا من الحدود التي كانت تفصل بين الواقع والعالم الرقمي. 

موضوعات مقترحة

فلم تعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات للإجابة عن الأسئلة أو تنفيذ الأوامر، بل أصبحت قادرة على إجراء محادثات طويلة تحاكي الاهتمام والتفاعل الإنساني، حتى إن بعض المستخدمين بدأوا ينظرون إليها باعتبارها رفيقًا دائمًا.

ومع انتشار هذه التطبيقات، ظهرت قصص أثارت دهشة العالم، كان أبرزها إعلان الأمريكية روزانا راموس ارتباطها بشخصية افتراضية أنشأتها عبر تطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ثم إقامة حفل زفاف رمزي على هذا "الشريك" الذي لا يملك جسدًا ولا يعيش إلا داخل الهاتف. وبين من اعتبر الواقعة مجرد تصرف فردي، ومن رأى أنها مؤشر على تغير شكل العلاقات الإنسانية.

 بدأت تساؤلات عديدة تفرض نفسها: هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي بديلًا عن الإنسان؟ ولماذا ينجذب البعض إلى علاقة مع آلة؟

العلاقة تبدأ من احتياج نفسي

وفي هذا السياق، يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن مثل هذه الحالات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إعجاب بالتكنولوجيا، وإنما قد تكون انعكاسًا لاحتياجات نفسية واجتماعية لدى بعض الأشخاص.

وأضاف أن الأشخاص الذين ينجذبون إلى الارتباط بشخصيات الذكاء الاصطناعي قد يعانون من نقص في الإشباع العاطفي، أو يجدون صعوبة في تكوين علاقات مستقرة مع الآخرين، فيلجأون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة تعويضية تمنحهم إحساسًا بالاهتمام والقبول دون التعرض لضغوط العلاقات الإنسانية أو الخوف من الرفض.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي لا ينتقد صاحبه، ولا يدخل معه في صراعات، ويظل حاضرًا في أي وقت، وهو ما قد يمنح بعض الأشخاص شعورًا بالأمان النفسي، خاصة إذا كانوا يفتقدون هذا الشعور في حياتهم اليومية.

الشخصية الانطوائية أكثر قابلية

ورأى الدكتور جمال فرويز إلى أن الشخصية الانطوائية تكون أكثر قابلية للانجذاب إلى هذه العلاقات، لأنها بطبيعتها تميل إلى تقليل الاحتكاك الاجتماعي، وقد تجد في العالم الافتراضي مساحة أكثر راحة من التعامل المباشر مع البشر.

وأضاف أن صعوبة التواصل الاجتماعي أو الخوف من تكوين العلاقات قد تدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن بديل لا يفرض عليهم ضغوطًا نفسية، فيجدون في الذكاء الاصطناعي ما يشبه "العلاقة الآمنة" التي لا تتطلب مجهودًا اجتماعيًا أو مواجهة مباشرة.

هل يساعد الذكاء الاصطناعي فعلًا؟

وحول ما إذا كانت هذه التطبيقات يمكن أن تساعد الأشخاص نفسيًا، أكد استشاري الطب النفسي أن استخدامها ليس مرفوضًا في حد ذاته، بل قد يحقق فائدة بدرجة معينة، خاصة في تخفيف الشعور بالوحدة أو توفير مساحة للحوار عند بعض الأشخاص.

وأضاف أن المشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في تحوله إلى البديل الوحيد للعلاقات الإنسانية، لأن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى التواصل الحقيقي مع أسرته وأصدقائه والمجتمع، وهو ما لا تستطيع أي آلة تعويضه مهما بلغت درجة تطورها.

الإفراط في التعلق بالذكاء الاصطناعي

وأكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي أن الإفراط في التعلق بشخصيات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى نتائج سلبية، خاصة إذا أصبح الشخص يفضل العالم الافتراضي على الواقع، ويبتعد تدريجيًا عن التواصل مع الآخرين.

واعتبر فرويز أن هذا الوضع قد يمثل خطورة أكبر لدى من لديهم استعدادات وراثية أو عوامل بيولوجية لبعض الاضطرابات النفسية أو اضطرابات النمو العصبي، لأن الانغماس الكامل في العلاقات الافتراضية قد يزيد من حدة المشكلات الموجودة بالفعل، ويؤثر في قدرة الشخص على التكيف مع الحياة الواقعية.

وشدد على أن الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا يختلف تمامًا عن الاعتماد النفسي الكامل عليها، مؤكدًا أن الفارق بين الأمرين هو ما يحدد ما إذا كانت التكنولوجيا وسيلة مساعدة أم بداية لمشكلة تحتاج إلى تدخل.


الأسرة والمجتمع خط الدفاع الأول

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس في تصريحات خاصة لـ"بوابة الأهرام"، أن مواجهة ظاهرة الارتباط العاطفي بشخصيات الذكاء الاصطناعي لا تبدأ من التكنولوجيا، وإنما تبدأ من داخل الأسرة، مشيرة إلى أن الأم هي الأساس في بناء شخصية الأبناء، وتمثل العامل الأكبر والأهم في حمايتهم من الانجذاب إلى العلاقات الافتراضية.

وأضافت د.سامية خضر أن الأم ينبغي أن تكون صديقة لأبنائها، تستمع إليهم وتتحاور معهم باستمرار، وتتفهم مشكلاتهم النفسية والاجتماعية، حتى لا يبحثوا عن الاهتمام أو الدعم العاطفي في العالم الرقمي، مؤكدة أن دور الأب يظل مكملًا لهذا الدور من خلال توفير الاستقرار الأسري وتعزيز التواصل داخل المنزل.

وشددت د.سامية أن التصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على الأسرة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين مختلف مؤسسات المجتمع، مؤكدة أهمية دور الأزهر الشريف والكنيسة في نشر الوعي بالقيم الدينية والأخلاقية، إلى جانب دور الإعلام ووزارة الثقافة في تقديم برامج توعوية وأعمال درامية هادفة تسهم في بناء وعي الشباب وتعزيز القيم الأسرية.

وترى أن تكاتف الأسرة مع المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية يمثل أحد أهم السبل للحفاظ على العلاقات الإنسانية الطبيعية، ومنع تحول التكنولوجيا من وسيلة للتواصل إلى بديل عن الروابط الاجتماعية الحقيقية.

لذلك نرى من واقع الخبراء والمختصون، إن الذكاء الاصطناعي قد يوفر مساحة للحوار أو يخفف شعورًا مؤقتًا بالوحدة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل العلاقات الإنسانية التي تقوم على المشاعر الحقيقية والتفاعل المباشر. 

وبين التطور التكنولوجي المتسارع واحتياجات الإنسان النفسية، يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن، حتى لا تتحول التكنولوجيا من وسيلة للتواصل إلى بديل عن الحياة نفسها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: