النيل.. هل يوجد قانون دولي للمياه؟

30-7-2026 | 10:44

عندما فاجأني صديقي -النيل- بهذا السؤال، لم أتردد في أن أجلس بجواره وأحكي له ما أعلم. أخبرته أنه قبل الحرب العالمية الثانية لم تكن قضايا المياه العذبة تشغل البال على المستوى العالمي، وبالتالي لم يوجد دافع لوجود قانون دولي يشمل تنظيم كل استخدامات المياه. أوضحت له أن الطبيعي أن يشهد العالم صراعًا حول استخدام المياه في الزراعة مثلاً أو الصناعة حتى يشرع الفقهاء الدوليون في إعداد مثل هذا القانون.

لكن حتى هذا الوقت كانت أهمية المياه وقضاياها ذات الطابع العالمي لا تخرج عن المشكلات المتعلقة باستخداماتها الملاحية. وفي حدود هذا الاستخدام الملاحي، نجحت الدول في عقد عدة معاهدات دولية كان كل هدفها أن يتم وضع نظام قانوني دولي لتنظيم شئون الملاحة في الأنهار الدولية. 

بدأت تلك الجهود من معاهدة باريس عام 1814، ثم الوثيقة النهائية لمؤتمر فيينا عام 1815. واستمرت تلك النظرة الملاحية للنهر الدولي فترة طويلة، وتأكدت في معاهدة فرساي عام 1919، تليها اتفاقية برشلونة عام 1921. 

ومن الطريف والجدير بالذكر أن تلك الاتفاقية الأخيرة قد أقرت حرية الملاحة في الأنهار الدولية ووضعت نظامًا لذلك، في حين أن جميع الدول التي أقرتها -فيما عدا هولندا- لم تكن دولاً نهرية! وبالتالي لا تكون الاتفاقية ملزمة للدول النهرية التي لم توقع عليها! معنى ذلك أنها قررت مجرد حريات نظرية لا سبيل إلى ممارستها على أرض الواقع.

لكن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ازدادت حركة إعادة البناء والتعمير والتنمية، وبما يعني بشكل مباشر البحث عن مصادر المياه اللازمة لتنفيذ تلك الخطط التنموية. وبدأت النظرة للأنهار الدولية تتغير، حين بدأ الجميع في إعداد خطط تنمية شاملة تتطلب توافر المياه؛ سواء لأغراض الزراعة أو الصناعة أو للوفاء بالاحتياجات المنزلية وتوصيل المياه إلى المناطق النائية المحرومة منها.....إلخ. 

وبالتالي ومنذ تلك اللحظة أصبحت الاستخدامات الملاحية أحد استخدامات الأنهار الدولية وليست الاستخدام الوحيد، كما كان في الماضي.

في هذا الوقت كان يوجد أكثر من 300 معاهدة دولية تتعلق بتنظيم استخدامات الأنهار الدولية، ما بين معاهدات ثنائية ومعاهدات متعددة الأطراف، أبرمتها دول مشتركة في نهر دولي رغبة في تنظيم استخدامها لهذا النهر. 

لكن الغريب والعجيب في الأمر أنه رغم هذا الكم الكبير من المعاهدات الدولية، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لخلق الاستقرار والالتزام الدولي بين الدول المشتركة في نهر دولي، والتي بدأت نظرتها لموارد المياه تتغير وتتنوع يومًا بعد يوم! وبالتالي أصبحت الحاجة ملحة لوجود نظام دولي خاص بتنظيم الاستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية، تتفق الدول وفقًا له على الأسس والمبادئ التي يمكن أن تدار من خلالها أحواض الأنهار الدولية، إدارة جماعية تعاونية تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة.

وبناء على ذلك، واستجابة لرغبة الدول في وجود نظام دولي للمياه العابرة للحدود، جاءت قواعد هلسنكي في عام 1966 من خلال جهود جمعية القانون الدولي International Law Association لتضع وثيقة محكمة تتضمن النظام المنشود. غير أنها كانت وثيقة استرشادية غير ملزمة للدول، لم تتمكن رغم حسن إعدادها وصياغتها الدقيقة من كبح رغبة المجتمع الدولي في وضع نظام دولي شامل ملزم يحترمه الجميع. 

فجاءت اتفاقية استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية في عام 1997، التي استغرق إعدادها حوالي ربع قرن من الزمان، قامت خلالها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة UN-International Law Committee بجهد كبير لرصد جميع الممارسات وجمع كل الجهود ذات الصلة للوصول إلى شكل نهائي للنظام القانوني المنشود.

تتميز كلتاهما -قواعد هلسنكي واتفاقية عام 1997- بوضع تنظيم شامل حاول جاهدًا أن يتضمن كل ما يتعلق بتنظيم استخدامات الأنهار الدولية، واضعًا على قمة أولوياته ومستهدفًا بمواده المتنوعة الوصول إلى تحقيق الانتفاع المنصف والمعقول بمياه الأنهار الدولية المشتركة في الأغراض غير الملاحية كالزراعة والصناعة والاستخدامات المنزلية، وبما يتفق مع طبيعة التطورات التي حدثت على صعيد المجتمع الدولي والتي أوجبت توسيع مفهوم استخدامات النهر الدولي لتخرج عن المفهوم الضيق للملاحة، وبحيث تستوعب الاستخدامات الأخرى اللازمة لسد احتياجات شعوب دول الأحواض المختلفة. 

التفت إلى صديقي وسألته: هل تعلم أن النظام القانوني الذي نتحدث عنه معني بتنظيم استخدامات المياه العذبة المتاحة للبشرية جميعها؟ وهل تعرف أن كمية تلك المياه العذبة تبلغ حوالي 3% من جملة المياه الموجودة على مستوى العالم! 3% فقط!! 77.6% من تلك الكمية موجود على هيئة جليد في القطبين الشمالي والجنوبي،21.8 % متمثلة في المياه الجوفية، والباقي وقدره 0.6 % فقط -حوالي 9000 كم مكعب- هي الكمية المتوفرة للوفاء باستخدامات سكان الكرة الأرضية جميعهم الذين يتزايدون -كما نعلم- بشكل كبير يفوق إمدادات المياه المتاحة.

لذلك لا تتعجب يا صديقي إن وجدتني أعيد وأزيد وأردد وأؤكد دائمًا أن الحديث عن الإدارة التعاونية للمياه والحفاظ عليها وصيانتها وتنميتها لا يعتبر ترفًا ولا رفاهية يمكن الاستغناء أو التكاسل عنها، بل مسارٌ إجباريٌ لا بد منه إن أردنا خيرًا لأنفسنا ولأجيال المستقبل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: